"البينة على المدعي واليمين على من أنكر". كذلك روي عن النبي ﷺ.
ويحكم بالنكول في كل موضع يجب فيه اليمين، قضى بذلك عثمان بن عفان على عبدالله بن عمر ﵄.
واختلف أصحابنا: هل يحكم بالنكول في دعوى الكفالة أم لا؟ على وجهين: أوجههما عندي: أن يحكم به.
وإذا تداعى نفسان شيئا في أيديهما تحالفا، وكان بينهما نصفين عند عدم بينتهما. فإن أقام أحدهما بينة على دعواه، فهو له. وإن أقام كل واحد منهما بينة على دعواه، قضي بأعدلهما، فإن تساويا اطرحتا، وكانا كمن لا بينة له.
وإن كان ذلك في يد أحدهما كان له مع يمينه عند عدم بينة من لا يد له.
فإن أقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه من الملك، فالبينة بينة الخارج منهما.
وكذلك في دعوى البهيمة، القول قول صاحب اليد، والبينة بينة من لا يد له. فإن كانت بهيمة في يد رجل ادعاها آخر، فأقام صاحب اليد البينة أنها له، وفي يده، نتجت في ملكه، وأقام الخارج البينة أنها له، ولم تذكر بينة الخارج أنها
[ ٤٨٨ ]
نُتجت في ملكه، فعلى روايتين: أظهرهما: أنه لا تأثير لذكر النتاج، والبينة بينة الخارج. والرواية الأخرى: أن البينة بينة من ثبت له النتاج وإن كانت في يده.
فإن أقام من لا يد له البينة أنها له نُتجت في ملكه، وأقام صاحب اليد البينة أنها له نُتجت في ملكه، فالبينة بينة الخارج قولا واحدا.
وإن كان المدعي في يد غيرهما ولا بينة لهما أقرع بينهما، فكان لمن قرع صاحبه منها مع يمينه.
واليمين بالله الذي لا إله إلا هو. ويحلف حيث كان، فإن كان بمدينة النبي ﷺ أحلف عند منبره ﷺ، وإن كان بمكة أحلف عند الكعبة تعظيما وتغليظا، وليس ذلك بواجب، وحيث أحلف جاز.
وأما الكافر فيحلفه الحاكم حيث يعظم؛ فإن كان يهوديا أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، منزل التوراة على موسى بن عمران. وإن كان نصرانيا أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، منزل الإنجيل على عيسى بن مريم. وإن كان مجوسيا أحلف بالله وبالأنوار وبما يعظم.
وإذا قال الطالب: لا أعلم لي بينة أم لا. وسأل الحاكم إحلاف المطلوب ساغ له إحلافه. فإن أحضر الطالب بعد ذلك بينة قضي له بها. وكذلك لو قال: لي بينة غائبة عن البلد وسأل إحلاف المطلوب جاز إحلافه، ويحكم له بالبينة متى حضرت.
فإن قال الطالب: لا بينة لي. وسأل إحلاف المطلوب فحلف، ثم أحضر بينة بعد ذلك لم تُسمع ولم يُحكم له بها؛ لأنه صار مكذبا بالبينة. وكذلك لو ادعى شيئا فشهدت له البينة بغير ما ادعاه، لم يحكم له بها.
ويقضى بالشاهد الواحد مع يمين الطالب في الأموال خاصة، عند عدم الشاهدين والرجل والمرأتين، مسلما كان الطالب أو كافرا، رجلا أو امرأة.
[ ٤٨٩ ]
وهل يقضى بذلك في الجراح الموجبة للمال دون القصاص، وفي قتل الخطأ أم لا؟ على وجهين.
واختلف هل يقضى بشهادة امرأتين ويمين الطالب عند عدم الشاهد من الرجال؟ على مذهبين: منهم من أجاز ذلك، ومنهم من منع منه. وبالمنع أقول.
ولا تقبل في الوصايا إلا شهادة رجلين، ولا تقبل فيها شهادة النساء مع الرجال ولا شهادة رجل واحد ويمين الطالب، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ١٠٦].
ولا يحكم بالشاهد واليمين، ولا بشهادات النساء في حد ولا قصاص ولا نكاح ولا طلاق قولا واحدا.
وهل يحكم بالشاهد واليمين في العتق أم لا؟ على روايتين.
ولا يمين في حد ولا نكاح، ولا طلاق، ولا ولاء، ولا رق، ولا نسب، ولا رجعة، ولا فيئة، في إيلاء.
ولا ينقض الحاكم حكم من تقدمه وإن خالف رأيه ومذهبه، إلا ما خالف فيه النص من كتاب، أو سنة، أو إجماع.
ولا يحكم بقول صحابي في حادثة فيها قول النبي ﷺ بخلاف قول الصحابي، لحديث القاسم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد".
ولا يحكم بقول تابعي فيما يخالف فيه قول الصحابي.
وما اختلف فيه الصحابة من الحوادث التي لا نصوص فيها على مذهبين، ساغ الحكم بأحد المذهبين إذا أدى اجتهاد الحاكم إليه، وساغ الحكم بالمذهب
[ ٤٩٠ ]
الآخر لمن أداه اجتهاده إليه، ومن حكم بأحد المذهبين نفذ حكمه، ولم يكن لغيره ممن ذهب إلى المذهب الآخر نقض حكمه. وكذلك ما اختلف التابعون فيه من الحوادث التي لا نص فيها، ولا قول لصحابي، على مذهبين.
ولا يُحكم بالحديث الضعيف السند مع وجود الحديث الصحيح السند إذا كان موجبهما يختلف، وليحكم بالحديث الصحيح. ولا يُنقض التأويل بالتأويل، وينقض التأويل بالنص، وبقول النبي ﷺ.
ولا يحكم بين اثنين وهو غضبان، لما رواه عبدالملك بن عمير عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان".
وإذا حكم في نازلة باجتهاد، ثم حدث مثلها ثانية، فاجتهد فيها فأداه اجتهاده إلى خلاف ما حكم فيه فيما مضى، قضى في الثانية بما أداه اجتهاده الثاني إليه، ولم ينقض حكمه الأول، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في المشركة، أنه لم يشرك بين الإخوة للأبوين والإخوة للأم في عام، وشرك بينهم في عام ثان، فقيل له: إنك لم تشرك بينهم في العام الماضي، فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا. وكذلك روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قضى بشيء ثم رجع إلى غيره ولم يرد القضاء الأول.
وينبغي للقاضي أن يقضي في موضع بارز للناس، لا يكون دونه حجاب، ولا يقضي إلا وهو شبعان ريان، كما جاء الحديث. وإذا عزم على الجلوس للحكم
[ ٤٩١ ]
لم يدع شيئا تتبعه نفسه إلا وأتاه قبل ذلك، ليحصل له سكون النفس والطبع، واجتماع الهمة، وحضور الفهم والعقل، لما يأتيه في الحكم، لكيلا يتعلق همه بغير ما هو بسبيله.
وليصل ركعتين، ويفزع إلى الله ﷿ بالمسألة والافتقار والرغبة إليه في تسديده وتوفيقه للصواب. ثم ينظر، فإن حدث به في خلال النظر مرض، أو جوع، أو نعاس، أو ضجر، أو ملالة، ترك النظر.
قال: وله عيادة المرض، وتشييع الجنائز، وقضاء الحقوق في التهاني والتعازي.
قال: ولا بأس أن يقضي القاضي في المساجد، فما زال الناس يقضون فيها، ولكن لا تقام فيها الحدود، وليكن جلوسه مستقبل القبلة.
وينبغي للقاضي أن يشاور أهل العلم وذوي الفهم والدين فيما ينزل به؛ قد كان محارب بن دثار مع فضله وعلمه إذا جلس للحكم كان الحكم عن يمينه، وحماد عن شماله، فكان ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة. ومتى التبس عليه أمر أخر الحكم فيه إلى أن يتضح له الحق فيمضيه. وليتق الله تعالى، ولا يحكم بجور مع العلم به ولا بجهل.
ولا يجوز قضاء جهمي، ولا قدري، ولا معتزلي، ولا ساب السلف من الروافض، ولا مرجئ، ولا أهل البدع المتظاهرين بأهوائهم المضلة وبدعهم، الدعاة إليها، ولا التقدم إليهم، ولا الشهادة عندهم. ولا تجوز ولا يتهم في إنكاح من لا ولي لها من الأيامى.
ولا يأخذ القاضي أجرا على القضاء إلا عند الحاجة إليه بقدر شغله من بيت المال، وقد روي عنه: أنه كره أن يأخذ القاضي أجرا على القضاء على حال. ولا يقبل الهدية ممن لم تجر العادة منه بمهاداته قبل ولايته.
[ ٤٩٢ ]
ولا يحكم الحاكم بعلمه في الأظهر عنه. وقيل: يحكم بعلمه في الحقوق. ولا خلاف عنه أنه لا يحكم بعلمه في الحدود.
واختلف قوله في الحكم على الغائب على روايتين. أجازه في إحداهما، ومنع منه في الأخرى، إلا أن يحضر أو وكيله، وبهذا أقول.
قال: والقاضي مخير في الحكم بين أهل الذمة فيما يدعيه بعضهم على بعض إذا ارتفعوا إليه، فإن لم يختر النظر بينهم لم يحرج، وإن حكم بينهم فليحكم بحكم الإسلام. قال الله ﷿: ﴿فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢] يريد: بالعدل. ولو استعدى إليه بعضهم على بعض لم يلزمه استدعاء من لم يحضر منهم إلا أن يشاء النظر بينهم.
قال: فإن اختصموا إلينا في أعيان المحرمات، كالميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، وما في معنى ذلك لم يعجبني أن أحكم بينهم في ذلك. قيل له فإن اختصموا في أثمانها؟ قال: يُحكم بينهم فيها.
فإذا اختصم إلى القاضي مسلم وذمي لزمه النظر بينهم. ولا فرق بين أن يكون الحق للمسلم أو للذمي.
ولو مات رجل وخلف ابنين مسلما ونصرانيا، وكل واحد منهما معترف بأخوة الآخر، فادعى المسلم أن أباه مات مسلما، وادعى الذمي أنه مات نصرانيا، ولا بينة على إسلامه، كان ميراثه لابنه النصراني مع يمينه، دون ابنه المسلم، لأن المسلم معترف بكفر أبيه مدَّع لإسلامه، فلا يقبل منه إلا ببينة.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنهما في الدعوى سواء، فالميراث بينهما نصفين عند عدم بينة كل واحد منهما.
وكذلك لو أقام المسلم بينة أنه مات مسلما، وأقام الكافر بينة أنه مات كافرا
[ ٤٩٣ ]
كانا كمن لا بينة له.
ولو لم يعترف المسلم بأخوة النصراني وأيديهما جميعا على التركة، ولا بينة لواحد منهما، وادعى كل واحد منهما جميع التركة، كان الميراث بينهما نصفين، لتساويهما في الدعوى.
فإن شهد شاهدان أنهما يعرفانه مسلما، وشهد شاهدان أنهما يعرفانه نصرانيا ولم يؤرخ الشهود الشهادة، قضي بإسلامه؛ لأنه طارئ على الكفر، وكان الميراث للمسلم دون الابن الكافر.
ومن ثبت عليه حق فطولب به، فتوارى في منزله، لم يدمر عليه، ولم يهجم على منزله، بل يضيق عليه، ويختم الحاكم بابه بعد الإعذار بالنداء على بابه ثلاثة أيام، فإن امتنع من الحضور بعد الإعذار، فهل يُقضى عليه وهو غائب بما يثبت لخصمه من الحق عليه أم لا؟ على روايتين.
ومن ادعى دينا على ميت، فصدقه بعض الورثة، ولا بينة، لزم الوارث المقر من الدين بقدر نصيبه من الإرث.
ومن مات وخلف ابنين، فأقر أحدهما بأخوة ثالث، وأنكر الابن الآخر، دفع المقِر للمقَر له ثلث نصيبه من الميراث، ولم يثبت بذلك نسبه من الميت. فإن خلف ثلاثة بنين، فأقر اثنان منهم بأخوة رابع، وأنكر الثالث، ثبت نسب المقر له، وشاركهم في الميراث.
ومن ادعى زوجية امرأة وأنكرته، ولا بينة له، فرق الحاكم بينهما، ولم تحلف المرأة. قال بعض أصحابنا: وأرى للحاكم أن يفسخ النكاح بينهما، فإن كان الزوج كاذبا لم يضر ذلك، وإن كان صادقا انفسخ العقد بذلك، وجاز للمرأة أن تتزوج بعد انقضاء العدة. وهذا وجه صحيح، وقد لوح أحمد ﵁ في موضع بأن لحكم الحاكم تأثيرا في فسخ عقد النكاح.
[ ٤٩٤ ]
وكذلك لو ادعت امرأة زوجية رجل وأنكرها، ولا بينة لها، كان القول قوله، ولا يمين عليه.
ولو ادعى رجل زوجية امرأة ميتة، وأحضر معه ولدا، فقال: هذه زوجتي، وهذا ابني منها، لم يقبل منه إلا أن يأتي ببينة تشهد بأصل النكاح، وأنه تزوجها بولي عصبة وشهود، ويكون الولد يولد لمثله، فيثبت حينئذ النكاح، ويستحق الميراث، ويثبت نسب الولد منه.
هذه المسألة منقولة عنه على ما بينت، وليس عنه بيان هل يثبت نسب الولد من الميتة أم لا؟
والذي يقتضيه الحكم عندي: أن البينة إن شهدت بأصل النكاح، وأن هذا الولد ولده منها، ثبت نسب الولد منها واستحق الزوج والولد ميراثها. وإن شهد الشهود بأصل النكاح فقط، وللمرأة ورثة معروفون ينكرون نسب الولد منها افتقر الزوج إلى إقامة بينة تشهد أن الولد منها، فإن عدم ذلك ثبت نسب الولد منه بإقراره به، وكان للزوج الربع من الميراث، لأن قوله مقبول على نفسه، ولم يثبت نسب الولد من المرأة ولم يرثها.
وكذلك لو ادعت امرأة زوجية ميت، وأقامت البينة على أصل النكاح على ما بينا، ورثته.
ولو ادعى رجلان زوجية امرأة، فأقرت لأحدهما، وأنكرت الآخر، لم يُلتفت إلى إقرارها، ولم تسلم إلى المقرة له إلا أن يحضر البينة على أصل النكاح، والولي العاقد له، فإن عدم ذلك فرق بينهما جميعا. وإن أقام كل واحد منهما بينة على دعواه، كان الحكم لأعدلهما. فإن تساويا في العدالة على دعواهما حكم بأقدمهما. فإن جهل الأقدم منهما روي عنه: أنه يرجع في ذلك إلى قول الولي. فإن جهل الولي الأقدم من النكاحين فسخ النكاحان جميعا. فإن أقام أحدهما
[ ٤٩٥ ]
البينة على عقد الولي النكاح له عليها على شروط النكاح الصحيح ولا ولي لها من عصباتها غيره، وأقام الآخر بينة بالعقد عليها بولاية أجنبي، ثبت النكاح الذي عقده الولي إن كان متقادما على الآخر، قولا واحدا. وإن كان النكاح الآخر هو المتقادم، فسخا جميعا، وتزوجت من اختارته منهما، إن كان قبل الدخول، في الحال، وإن كان بعد الدخول فبعد انقضاء العدة.
ومن ادعت طلاق زوجها وأنكر، ولا بينة لها، فهي زوجته في الحكم، ولا يمين عليه. فإن ادعت أن الطلاق كان ثلاثا، لزمها الهرب منه، ولم يسعها تمكينه من نفسها بعد سماعها طلاقه لها ثلاثا. قال: وتفتدي نفسها منه بما أمكنها، ولا تمكنه من نفسها على حال.
واليمين تلزم من ادعي عليه حق وأنكره على البتات، وتلزمه فيما يدعى على ميته على العلم.
واختلف قوله فيمن باع سلعة، وظهر المشتري على عيب بها، وأنكره البائع، هل عليه اليمين على علمه أم على البتات؟ على روايتين.
واختلف قوله فيمن باع عبدا فأبق عند المشتري، روي عنه أنه يحلف على علمه، وروي عنه أنه يحلف أنه لم يأبق عنده منذ اشتراه. قال: إلا أن يكون العبد ولد عنده، فيلزمه أن يحلف بالله على البتات أنه لم يأبق قط. وقد روي عنه أنه قال: على كل حال، واليمين على علمه فيما يدعي عليه في نفسه، أو فيما يدعى على ميته. وبالأول أقول.
ولا يحكم الحاكم برد اليمين في الصحيح من قوله. قال: لأن النبي ﷺ جعل البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، فلا
[ ٤٩٦ ]
تحول عن الموضع الذي جعلها فيه النبي ﷺ.
قال: والقسامة ليست أصلا في رد اليمين؛ لأن حكم الأيمان في القسامة يخالف حكم الأيمان في الحقوق؛ لأن النبي ﷺ جعل اليمين في القسامة على المدعين، وأقامها مقام بيناتهم، فلما نكلوا قال للمدعى عليهم: "تحلفون وتبرؤن". فلا يجوز اعتبار أحد الحكمين بالآخر.
ومن ادعى على رجل دعوى فأنكر، ولا بينة للمدعي لم تجب ملازمته قبل ثبوت الحق عليه، ولا مطالبته بكفيل. فإن ذكر المدعي أن له بينة يحضرها في المجلس، فله ملازمته إلا أن يحضر بينته. فإن لم يحضرها حتى قام الحاكم من مجلسه صرفه. وإن قال المدعي: إن بينته بالبعد منه، كان له مطالبته بكفيل بنفسه إلى وقت حضور بينته. ويضرب لذلك أجلا متى جاء بطلت الكفالة.
ومن ادعى عليه ما يعلم أنه لا يستحق عليه، وسعه أن يحلف على ذلك بالله تعالى: أنه لا يستحق عليه ليدفع الظلم عن نفسه.
ومن أحلف رجلا على دعوى لم يسعه أن يدعيها عليه ثانيا، ولا أن يحلفه عليها يمينا ثانية، إلا أن يجد بينة تشهد له بها.
ومن ادعى على رجل ورقا، فأقر له بذهب أو بغيره وقبل المدعي إقراره، لم يكن ذلك جوابا عن الدعوى، ولزمه رد الجواب والخروج إليه مما أقر له به.
ومن ادعي عليه حق وهو معسر به لزمه الإقرار، ولم يجز له أن يجحده، ولا يسعه أن يحلف عليه، ويورِّي في نفسه أن يقضيه متى قدر، وإن فعل ذلك عامدا
[ ٤٩٧ ]
وحلف استوجب النار إلا أن يتوب.
وإذا علم صاحب الحق أنه معسر لم تحل له مطالبته في حال عسرته، ولزمه إنظاره إلى ميسرته.
ولا يسع من عليه الحق منعه، ولا المطل به إذا كان قادرا على أدائه، والتمسه منه صاحبه، فإن منعه منه كان آثما وحل حبسه والتضييق عليه حتى يخرج منه. قد روى عمرو بن الشريد عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته". قال وكيع بن الجراح: عرضه شكايته، وعقوبته بحبسه.
وقال ابن مسعود: كفى بالمعك ظلما. قال أحمد: المعك: المطل.
ومن كان له حق على رجل بشهود فقبض بعضه، وأشهد الشهود على ما قبضه منه ثم جحد الباقي، فقدمه إلى القاضي شهد الشهود له بدينه، وعليه بما قبضه منه. وإن لم يعلم الشهود أنه قبض من حقه شيئا لزمهم أن يشهدوا بجميع الحق، ولزم صاحب الحق الإقرار بما قبضه من حقه، ويأخذ بقيته.
ومن كان عليه دين مؤجل فأراد سفرا بعيدا، الغالب من حاله أنه لا يعود إلا بعد حلول الدين، كان لصاحب الحق منعه منه إلا أن يوثقه، أو يعطيه كفيلا بحقه يؤديه إليه عند محله. فإن أراد سفرا قريبا، فهل له مطالبته بكفيل أم لا؟ قيل عنه: له ذلك؛ لأنه لا يأمن ما يحدث عليه. وقيل عنه: ليس له ذلك، لأن الكفيل لا يلزم إلا بعد حلول الحق وتوجه المطالبة به، وها هنا لم يجب بعد، فلا يلزمه.
ولا يمين واجبة مع ثبوت البينة الكاملة إلا في دعوى البراءة من الحق، وفيما يدعى على ميت وارثه غائب، والحاكم يرى الحكم على الغائب، فيحلفه بالله على ما يراه من بقاء الحق واستحقاقه إياه في تركه المتوفى، وأنه لم يقبضه، ولا
[ ٤٩٨ ]
قبض له، ولا أبرأه من شيء منه، ولا أحاله له، ولا بشيء منه، ولا حلله منه، ولا من شيء منه، وإنه لمستحق له في تركته وقته ذلك، ثم يحكم له به. وكذلك لو خلف المتوفى ورثة صغارا.
ولو أقام رجل شهودا بحق له، فقال المشهود عليه: يحلف ويأخذ. لم يلزم المشهود له اليمين، وحكم له ببينته.
واليمين الكاذبة لا تسقط الحق، وإنما تقطع الخصومة في الظاهر، فمن حلف يمينا كاذبة على حق لرجل ثم راجع الحق وجاء بما عليه، وسع المحلوف له أخذه.
ولو كانت دار في يدي رجلين، فادعى أحدهما نصفها وادعى الآخر جميعها، ولا بينة لواحد منهما كانت الدار بينهما نصفين مع أيمانهما لتساوي أيديهما عليها. ولو كانت الدار في يد غيرهما وادعى كل واحد منهما جميعها، فأقر بها صاحب اليد لأحدهما، وقال: لا أعرفه عينا. أقرع بينهما، فمن قرع منهما صاحبه كانت له مع يمينه.
فإن ادعى أحدهما نصفها، وادعى الآخر جميعها، فأقر بها صاحب اليد لهما، فقد سلم النصف لمدعي الكل، ويقرعان على النصف الآخر، فمن قرع صاحبه منهما كان له مع يمينه.
فإن كانت دار في يد رجل، فادعاها آخر، فأقر بها صاحب اليد لغائب، كان الخصم فيها الغائب دون صاحب اليد، ولا يقضى بها للحاضر على الغائب ببينة ولا غيرها، إلا أن يحضر أو وكيله في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى، قال: يقضى على الغائب إذا أقام الحاضر البينة العادلة على ملك الدار، ويجعل الغائب على حجته متى حضر.
ولو كانت دار في يد رجل، فادعى رجل نصفها، وادعى آخر جميعها وأقام كل واحد منهما بينة على دعواه، كان لمدعي الكل ثلاثة أرباع الدار، ولمدعي النصف
[ ٤٩٩ ]
ربعها، ولكل واحد منهما اليمين على صاحبه فيما يحكم به له من ذلك.
وحكى بعض أصحابنا: أن أحمد ﵁ سوَّى بين كون الدار في أيديهما، وكونها في يد غيرهما إذا ادعى أحدهما جميعها، وادعى الآخر نصفها في أنها بينهما نصفين.
والمنصوص عنه ما ذكرته، ولم يقع إلي عنه بما ذكره، ولا رأيت عنه إلا التفريق بين الموضعين، فإن كان الأمر، كما قال، فالمسألة على روايتين.
ولو كانت الدار في يد أحدهما فادعاها كل واحد منهما، وأقام الخارج البينة أنها له، وأقام صاحب اليد البينة أنها له وفي يده، فالبينة بينة الخارج، ولا حكم لبينة صاحب اليد؛ لأنه مدعى عليه، والخارج هو المدعي، والنبي ﷺ جعل البينة بينة المدعي دون المدعى عليه.
فإن كان عبد في يد رجل فادعاه آخر، وأقام صاحب اليد بينة أنه له وُلد في ملكه، وأقام المدعي بينة أنه له، فالبينة بينة من لا يد له في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى: البينة بينة صاحب اليد الذي يثبت أن العبد ولد في ملكه، كما قلنا في النتاج في إحدى الروايتين. فإن أقام كل واحد منهما البينة أن العبد له ولد في ملكه، كانت البينة بينة من لا يد له قولا واحدا.
وكذلك اختلف قوله في رجل ادعى دارا في يد غيره، وأقام بينة أنها له، وأقام صاحب اليد بينة أنها قطيعة له، فروي عنه أن البينة بينة الخارج، وروي عنه أن الدار لصاحب اليد الذي ثبت أنها قطيعة.
ولو أقامت امرأة بينة على زوجها أنه أصدقها هذه الدار وقبضتها، وأقام رجل بينة أنه ابتاعها من الزوج، ونقده الثمن وقبضها، وجهل أولهما ابتياعا، ولم يوقت الشهود الشهادة، أقرع بينهما، فإن خرجت القرعة للرجل قضي بالدار له، وكان للمرأة على زوجها قيمة الدار، وإن خرجت القرعة للمرأة كانت الدار لها، ولزم الزوج أن يرد على المشتري الثمن الذي قبضه منه.
[ ٥٠٠ ]
ولو مات رجل وترك زوجة مسلمة، وأخا مسلما، وولدا كافرا، فادعى الأخ والزوجة أنه مات مسلما، وادعى الولد أنه مات كافرا، كان فيها وجهان: أحدهما: أن الميراث للولد الكافر إلا أن يقيم الأخ والزوجة البينة على إسلامه، والوجه الآخر: أن للزوجة الثمن، والباقي بين الأخ والولد نصفين لتكافئهما في الدعوى.
فإن توفيت امرأة رجل وابنها منه، وتركت أخاها وزوجها، فقال الأخ: مات ابنها قبلها فورثته، ثم ماتت، فورثتها أنا وزوجها. وقال الزوج: بل ماتت هي، فورثتها أنا وابني منها، ثم مات ابني فورثته. ولا بينة على أسبقهما موتا أقرع على ما تداعياه من الوفاة، فإن وقعت القرعة للأخ كان ميراث الزوجة بينه وبين الزوج نصفين. وإن وقعت للزوج كان ميراثها له دون الأخ، ولكل واحد منهما اليمين على صاحبه فيما يقضى به له في معنى قوله.
قال: ولو كان لرجل ثوب، فأقام رجل البينة أنه ابتاعه منه بمئة، وأقام آخر البينة أنه اشتراه منه بمئتين، والبائع يقول: بعته بمئتين، والثوب في يد البائع، فإن كان ذلك قبل الافتراق بالأبدان، كان للبائع أن يفسخ العقدين أو أيهما شاء. وإن كان الافتراق قد وقع، فالمشتريان بالخيار، إن شاءا فسخا البيع، ويرجع كل واحد منهما بما قدمه من الثمن. وإن كانا لم يختارا الفسخ كان الثوب بينهما نصفين لكل واحد منهما نصفه بنصف الثمن الذي ثبت أنه ابتاعه به.
قيل لأحمد ﵁: فإن كان الثوب في يد أحدهما ولا يُدرى أيهما ابتاعه أولا؟ قال: لا ينفعه كونه في يده إذا كان مقرا أنه اشتراه من فلان.
وروي عنه أنه فرق بين كون الثوب في يد البائع، أو في يد أحد المشتريين، فقال: إذا كان في يد أحدهما، وهما جميعا يقران به للبائع، ويدعي كل واحد منهما أنه ابتاعه منه قبل الآخر، وأقام كل واحد منهما البينة أنه الأول، أقرع بينهما، فمن قرع منهما صاحبه كان الثوب له.
[ ٥٠١ ]
ولو كان لرجل عبد فأقام رجل البينة أنه ابتاع العبد من سيده بألف، والعبد في يد السيد، وأقام العبد بينة أنه سيده أعتقه، فالحكم لأقدمهما، فإن جهل ذلك ولم يوقت الشهود الشهادة، فعلى روايتين: قال في إحداهما: يقرع بينهما، فإن وقعت القرعة للعبد كان حرا، ورجع المشتري على السيد بالثمن، الذي ساقه إليه. وإن وقعت القرعة للمشتري بطل العتق، وكان العبد له.
وقال في الرواية الأخرى: إذا أقام العبد البينة على العتق كان حرا، ورجع المشتري بالثمن على السيد.
قيل له: وإن لم يوقت الشهود متى أعتقه؟ قال: وإن لم يوقتوا، فجعل العتق ها هنا مقدما على الابتياع، وجعل الحكم له ما لم يثبت أن الابتياع متقدم عليه. والأول أظهر عنه وأتبع لأصوله.
قال: ولو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده هذا، فأنكر السيد والعبد جميعا العتق، لم يلتفت إلى إنكارهما، وكان العبد حرا.
ولو ادعى ثلاثة أنفس عبدا، فأقام أحدهم البينة أن فلانا باعه هذا العبد بكذا، وهو يملكه، وأقام آخر البينة أن فلانا وهب له هذا العبد، وهو يملكه، وأقام الثالث البينة أن فلانا تصدق عليه بهذا العبد، وهو يملكه، ولم يوقت الشهود الشهادة، أقرع بينهم، فمن قرع منهم صاحبه كان العبد له.
قال: ولو ابتاع رجل من رجلين ثوبين: أحدهما بعشرين، والآخر بعشرة، فادعى كل واحد منهما الثوب الذي بعشرين ولا بينة، أقع بينهما، فمن قرع منهما صاحبه كان الثوب له مع يمينه، والثوب الآخر للآخر.
ولو كان عبدا بين رجلين، فشهد كل واحد منهما على صاحبه أنه أعتق حصته منه، لم يقبل قوله، ولم يعتق العبد من واحد منهما.
قال بعض أصحابنا: إن كان كل واحد من الشريكين موسرا يملك قيمة حصة شريكه من العبد، لم يجز له بيع حصته من العبد، وإن كنت لم أحكم بعتقه؛ لأن
[ ٥٠٢ ]
الحرية تسري إلى جميع العبد، فلا يجوز له بيع حصته منه. وإن كانا معسرين جاز لكل واحد منهما بيع حصته من العبد متى أحب؛ لأن الحرية لم تسر إلى جميعه، ولا يشتريه الشريك، وهذا صحيح؛ لأن الشريك عالم بالعتق، فلا يحل له الابتياع، وأحمد ﵁ نص على أن العتق لم يقع من طريق الحكم، ولم يفرق بين اليسار والإعسار، ولم يجعل ها هنا للعبد أن يحلف مع شاهده ويصير حرا قولا واحدا، لأن كل واحد من الشريكين خصم للآخر، فلا تقبل شهادته عليه.
ولو أعتق رجل عبده، فقال له الورثة: أعتقك في مرض موته. وقال العبد: بل أعتقني في صحته. كان القول قول الورثة، إلا أن يقيم العبد بينة على أنه أعتقه في صحته. هذا صحيح إذا كان المعتق لا ملك له سوى العبد، أو كان العبد لا يخرج من الثلث، فأما إذا كان يحمله الثلث، والورثة مقرون بالعتق، فقد صار العبد حرا، ولا فرق بين أن يكون أعتقه صحيحا أو مريضا.
وإذا اختلف الزوجان في متاع البيت الذي في أيديهما، أو ورثتهما من بعدهما، ولا بينة لواحد منهما على ما يدعيه منه، قضي لما كان يصلح للنساء للمرأة، وبما كان يصلح للرجال للرجل، وما يصلح لكل واحد منهما بينهما نصفين، ولكل واحد اليمين على صاحبه فيما يحكم له به.
ويقبل قول من أسلم بغير سبي في دعوى النسب إذا صدقه المدعي، ولا يقبل ذلك ممن أعتق من السبي إلا ببينة عادلة تشهد على ولادة معروفة قبل السبي.
قال بعض أصحابنا: ولا تقبل البينة على ذلك ممن أسلم عندنا ممن حضر الولادة عندهم. ولا فرق عندي بين من أسلم عندنا، أو جاءنا مسلما من عندهم في قبول شهادته بذلك على ما بينت.
ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي فيما يثبت عنده من الحقوق إذا أوصل إليه شاهدان يقولان: قرأه علينا، أو قرئ عليه بحضرتنا، وقال: اشهدا أنه كتابي إلى فلان.
[ ٥٠٣ ]
فإن مات القاضي الكاتب، أو عُزل قبل وصول الكتاب، لم يقبله المكتوب إليه، ولم يعمل به. وكذلك لو مات القاضي المكتوب إليه، أو عزل قبل وصول الكتاب، لم يعمل به من ولي مكانه.
فإن حكم حاكم بشيء ثبت عنده، وكتب به إلى قاض آخر، فثبت حكمه عند المكتوب إليه عمل به وأمضاه. وسواء كان القاضي الكاتب حيا أو ميتا، ناظرا أو مصروفا.
وقول القاضي فيما حكم به مع بقاء نظره مقبول قولا واحدا. وقوله بعد عزله: كنت حكمت في ولايتي بكذا وكذا. مقبول عنده أيضا، ويتوجه أن لا يقبل ذلك منه بعد عزله، إلا أن يشهد على حكمه شاهدان فيلزم الحاكم الثاني تنفيذ حكمه. والأول هو المنصوص عنه.
ولو حكم رجلان ليحكم بينهما، وارتضيا بحكمه، فحكم بينهما، كان حكمه جائزا عليهما ولازما لهما. وينبغي له أن يشهد عليهما بالرضا بحكمه بينهما قبل الحكم، لكيلا يجحد المحكوم عليه منهما أنه حكمه، فلا يقبل قوله عليه إلا ببينة.
ولو أقرض ذمي ذميا خمرا، ثم أسلم المقرض، لم يكن له مطالبة المستقرض بالخمر ولا بقيمتها، فإن ابتاع ذمي من ذمي خمرا إلى أجل وقبضا ثم أسلم البائع، فهل له أن يأخذ من المشتري ثمن الخمر أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: الخمر لا قيمة لها، ولا يحل ثمنها، فلا يأخذ منه شيئا.
وقال في الرواية الأخرى: قد وجب الثمن له يوم باعها، وله أخذه منه.
ولو باع ذمي ذميا خمرا بألف، ثم مات البائع، وخلف ابنا، فأسلم الابن كان له أن يأخذ من المشتري الألف الذي ابتاع به الخمر من أبيه.
[ ٥٠٤ ]