قال الله ﷿: ﴿إني أريد أن أُنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجُرني ثماني حجج﴾ الآية [القصص:٢٧].
والإجارة على المعلوم جائزة، إذا ضربا أجلا معلوما، وسمَّيا أجرًا معلوما.
ويملك المستأجر المنافع بالعقد. ويملك المؤجر عليه الأجرة حالَّة، إلَّا أن يتفقا على أجل في الأجرة، فتكون إلى أجله. فإن امتنع المؤجر من تسليم ما آجره، فلا أجرةَ له مدة المنع. وإن سلَّم فامتنع المستأجر من استيفاء المنافع، ولا مانع له عنها، فهو أتلف حقَّ نفسه، والأجرة عليه.
فإن وقعت الإجارةُ على دارٍ فخربت، أو على أرضٍ فغرقت، أو انقطع شربها، فلا أجرة للمؤجر من يوم الهدم، أو الغرق أو انقطاع الشُّرب.
ولا يجوز استيفاء المشاع إلا من الشريك المختلط؛ لأن المنافع تكمل له، فيمكنه استيفاؤها.
ومَن أكرى دابّة بعينها إلى بلد فماتت في بعض الطريق، أو عطبت، انفسخ الكراء فيما بقي. وكذلك الأجيرُ يموت قبل انقضاء مدةِ الإجارة. ويلزم المستأجر من الأجر بحساب ما ركب، وللأجير بقدر ما عمل. فإن كانت الإجارة انعقدت على حُمولة بعينها، فماتت الدابة، فليأتِ المُكري بغيرها لحمل المستأجر إلى المكان الذي وقعت الإجارةُ على التبليغ إليه.
ومن استؤجر لعمل شيء معلوم استحق الأجر عند إيفاء العمل. فإن استؤجر في كل يوم بأجر معلوم، فله أجرةُ كل يوم عند تمامه.
ومن آجر نفسه لردِّ آبقٍ فله الأجر إذا ردَّه. فإن ردَّه بغير عقد إجارة ولا اشتراطِ
[ ٢٠٩ ]
جُعْل، فإن كان من خارج المصر؛ فعلى روايتين؛ إحداهما: له دينارٌ أو اثنا عشر درهما. والرواية الأخرى: له أربعون درهما. وإن رده من المصر، فله عشرة دراهم قولا واحدا.
ولو استأجر غلاما شهرا ثم جاء به آخر الشهر، فقال: قد كان أبق مني منذ يوم أخذته، أو أبق مني أياما. فإن أقام بينة على الإباق سقط عنه الأجر بقدر مدة الإباق. وإن عدِم البينة لم يقبل قوله، وعليه جميع الأجر. وكذلك لو ادعى أنه مرض عنده منذ يوم أخذه وقد جاء به صحيحا، وقال: لم يعمل. وقال الغلام: بل عملتُ عنده. لم يُقبل قوله على ما يدعيه من المرض إلا ببينة؛ لأنه كان في حيازته وبيته مدة الإجارة.
وكذلك لو أقر العبدُ أنه لم يعمل، فإن ادعى في أوَّل الإجارة أنه هرب، فالقول قوله مع يمينه.
ولا بأس بمشارطة الطبيب على البُرء.
والإجارة على الحمولة إلى مكة جائزة إذا شاهد الجمَّالُ الراكبين والمحامل والأغطية والأوطية. وكذلك الإجارة لحمولة رِطلِ بعينه إلى مكة جائزةٌ.
والأجراءُ ضامنون ما جَنَت أيديهم، وما فرَّطوا في حفظه، فهلك، قولا واحدًا. فإن هلك في أيديهم هلاكًا ظاهرا بغير جناية منهم ولا تفريط في حفظه، كاللصوص والنهب والحريق وما أشبه ذلك، فلا ضمان عليهم قولا واحدًا. وما عُلم هلاكه من جهتهم بغير جناية منهم ولا تفريط في حفظه، فهل عليهم ضمانه أم لا؟ على روايتين؛ إحداهما: إذا صدَّقهم في قولهم، فلا ضمان عليهم. فإن اتُّهموا فليس عليهم إلا اليمين. والرواية الأخرى: إذا لم يكن الهلاك ظاهرًا لم يُصدِّقهم وعليهم الضمان. وكذلك الراعي والخيَّاط، والنسَّاج والقصَّار. وسواءٌ كان
[ ٢١٠ ]
الأجير خاصا أو مشتركا، مالم يكن العمل في بيت المستأجِر. فأمَّا إذا كان في بيته، فلا يضمن الأجير ما هلك بغير فعله قولا واحدا. ومَن عمل منهم فيما هلك عملا، فلا أجرة له لما عمل. وكذلك الصبَّاغ.
ولا ضمان على الحمَّامي مالم يتعدَّ أو يخن. ولا ضمانَ على الملَاح فيما هلك من السفينة هلاكًا ظاهرًا، أو غرق فيها بغلبة ريح لا يمكنه ضبطها قولا واحدا. فإن هلك منها شيء بفعله أو جنايته، مثل أن يقال له: توقَّ هذه الصخرة في طريقك لا تمرَّ عليها. فقصد السير عليها، فانكسرت السفينة وغرق ما فيها، أو قيل له: توقَّ الدخول إلى موضع كذا؛ لأجل الخوف فدخله، فأصيب، ضمِن؛ لأنه خالف وجَنى. وما هلك بغير جنايته ولا فعله هلاكًا لم يعلم إلا من جهته فهل يضمن أم لا؟ على روايتين.
والراعي إذا غلبه سبعٌ فأكل بهيمة معه لغيره، أو قهره لصوصٌ على أخذ الغنم لم يضمن. فإن نام أو غفل عن الحفظ، فسُرق منها شاةٌ ضمن، وكذلك لو جاءَ بجلد شاة، وقال: ماتت. قُبل قوله ولم يضمن. وقيل عنه: لا أقبل قوله وعليه الضمان.
قال: ولو استأجر دابة فذهب بها، ثم جاء، فقال: ماتت في بعض الطريق. فالقول قوله ولا ضمان عليه. وعلى الرواية الأخرى: يلزمه الضمان إذا لم يأت ببينة على موتها.
قال: ولو استأجره لبناء ألفِ لبنة في حائط، فبناه بها، ثم سقط الحائط، فللبنَّاء أجرُه؛ لأنه قد وفَّى بالعمل. وكذلك لو استأجره يومًا يبني له فيه، فعمل فيما استأجره فيه يومه، ثم سقط البناء، فله الأجرة. فإن قال له: ارفع لي هذا الحائط كذا وكذا ذراعًا. فله أن يرفعه. فإن عمل بعضه فسقط، فعليه تمام ما وقعت الإجارةُ عليه من الذرع.
[ ٢١١ ]
قال: ولو استأجر ملاحا يحمل له طعامًا ودفعه إليه كيلًا، وأشهد عليه، فنقص الطعام، فعلى الملاح ضمان ما نقص. فإن زاد، فالزيادة لربِّ الطعام.
ومن اكترى دابة إلى مكان بعينه، فتعدى بها المكان الذي اكتراها إليه، فعليه أجرة المثل بقدر ما اعتدى فيه. فإن هلكت الدابة أو نقصت ضمِن قيمتها في الهلاك، وقيمة نقصانها إن لم تهلك. وكذلك لو استأجر دابة لحمولةٍ بعينها، فزاد عليها، ضمن قيمة الدابة إن عطبت، وأجرة الزيادة. وإن سلمت الداية كان عليه الأجرة وأجر الزيادة.
قال: ولو دفع إلى قصار ثوبا ليَقصُرَهُ، ثم هلك الثوب من يده مقصورًا، فعليه قيمة الثوب خاما، ولا أجرةَ للقصار فيما عمل فيه. فإن دفع إلى حائك غزلا فأفسد حياكته فهو ضامن؛ لأن هذا فساد يده، فإن دفع إلى حائك غزلا لينسجه على الثلث أو الربع، فأفسده، لم يكن عليه شيء؛ لأنه شريك فيه، وشبّهه بالمضارب. والذي يقوى عندي هاهنا أنه يضمن؛ لأن الفساد إذا جاء من قبله كان جناية يده، فوجب أن يضمن، كالمضارب لو جنى أو تعدى ضمن.
ولو اكترى دابة فضربها ضربا لم يتعدَّ فيه، وكان صاحبها يضربها مثله لم يضمن وإن هلكت، وإن تعدَّى فيه ضمن. ويتوجه أن يضمن على الوجهين جميعا. والأول هو المنصوص عنه.
قال: ولو أخطأ الأجير المشترك فدفع ثوبا كان عنده ليقصُره إلى غير صاحبه، فضمانه على القصار؛ لأنه هو دفعه إلى غير مالكه، فهي جناية يده. ولا يسع المدفوع إليه لبسه، ولا الانتفاع به إذاع علم أنه ليس بثوبه، وعليه رده إلى القصار ومطالبته بثوبه. وإن لم يعلم القابض حتى لبسه ثم علم، رده مقطوعا، وضمن أجرة القطع واللبس للقصار. وله مطالبته بثوبه إن كان موجودًا. وإن كان هالكًا، فهل على القصار ضمانه أم لا؟ على روايتين كما بينَّا.
[ ٢١٢ ]
ولو دفع إلى صباغ ثوبا ليصبغه، فصبغه أسود، فقال رب الثوب: أمرتُك أن تصبغه أحمر. وقال الصباغ: بل أمرتني أن أصبغه أسود. أو دفعه إلى خياط فقطعه قميص امرأة، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه ثوب رجل. فقال الخياط: بل أمرتني أن أقطعه قميص امرأة. أو قطعه قباء، وقال: بهذا أمرتني، وقال رب الثوب: بل أمرتك أن تقطعه قميصا. فقد اختلف قوله هاهنا، فروي عنه: إذا لم يكن الرجل ممن يلبس الأقبية ولا السواد، فالقول قوله: وعله الصابغ ضمان ما أفسد، وغرم ما نقص الثوب بالقطع. وروي عنه رواية أخرى أنه قال: القول قول المدفوع إليه مع يمينه عند عدم بينة رب الثوب على ما يدعيه.
ولو اختلف رب الدار والمستأجر في قدر الأجرة؟ فقال رب الدار: أجرتكها بعشرين في كل شهر. وقال المستأجر: استأجرتها بعشرة دراهم في كل شهر. كان القول قول مالك الدار مع يمينه عند عدم بينة المستأجر.
والإجارة لا تنفسخ بالموت ولا بالبيع. فإن علم المشتري بالإجارة فليس له التصرف في المنافع إلا بعد انقضاء مدة الإجارة. وإن لم يعلم بالإجارة كان ذلك عيبا، والمشتري بالخيار، إن شاء رد، وإن شاء أقام على البيع، والغجارة صحيحة.
وقال: وليس للأجير أن يتشاغل عما استؤجر له بشيء من حوائجه إلا بإذن مُستأجره. فأما أجير المشاهرة فله أن يشهد الجمعة والأعياد وإن لم يشترط ذلك. ولا يدع الأجير الصلوات في أوقاتها. ولا يتطوع بعد أداء الفرائض إلا بالسنن المؤكدات دون غيرها.
قال: ولا بأس أن يجعل للسمسار فيما يبتاعه من المتاع من كل ألف درهم شيئًا معلوما. قال: ولو أمر سمسارًا أن يبتاع له متاعا موصوفا، فاشتراه له بمال دفعه الآمر إليه أو ابتاعه السمسار له، ولم يقبض منه ثمنه، فأبى الآمر أن يقبضه، لزمه قبضه؛ لأنه ابتاعه بأمره. فإن هلك المتاع في يد السمسار بغير جناية، فمن مال
[ ٢١٣ ]
الآمر هلك. ولو أمر أن يبتاع له متاعا موصوفا بمئة دينار، فابتاعه له بأقل منها لزم الآمر. ولو قال: ابتع لي متاعا، ولم يصفه، فاشترى متاعا، فأبى الآمر أن يأخذه لم يلزمه.
قال: ولو ابتاع من سمسار عدة ثياب، وقال: ادفعها إلى القصار، وأمره أن يرقُمها برقم كذا، ففعل السمسار، وخرجت الثياب من عند القصار، وتسلمها ربها، وسافر بها لم يجز له أن يبيعها مربحة، إلا أن يكون هو تولى رقهما بنفسه؛ لأنه لا يعلم ما صنع بها القصار. قال: ولو دفع إلى سمسار مالا يعمل به واصطلحا على الربع والثلث من الربح، فكان السمسار يدفع إليه في كل يوم شيئا معلوما زائدا أو ناقصا، ثم طلب رب المال ماله بعد زمان، فدفع إليه السمسار، وقال: الذي كنت أدفعه إليك كان من رأس مالك، ولم أكن أربح شيئا. فالقول قول السمسار مع يمينه فيما يذكره.
قال: ولا بأس باستئجار الأجير بطعامه وكسوته.
قال: ولا بأس باستئجار المرأة الحرة للخدمة، وليصرف بصره عنها، ولا يخلُ بها.
واختلف قوله في أجرة المعلمين؛ فروي عنه أنه أباحها لهم، وقال: التعليم أحب إلي من أن يستدين، لعله لا يقدر على رد ذلك، فيلقى الله بأمانات الناس. قال: وهو أحب إلي من أن يتوكل للسلاطين. ولا يُشارط ويأخذ ما يُعطى.
وروي عنه أنه قال: ما يعجبني التعليم، وشدد فيه. أراد بذلك النهي عن أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لا أنه نهى عن التعليم.
وكره أن يؤجر الرجل نفسه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. قال: فإن فعل قُضي له بالكراء. فإن آجر نفسه لحمل مرحم لمسلم كانت الكراهية أشد، ويأخذ الكراء، وهل يصيب له أم لا؟ على وجهين؛ أوجههما: أنه لا يطيب له، ولْيتصدق به.
[ ٢١٤ ]
ونهى عن كسب الحجام وقال: هو شر كسب. قال: ولا يأكله؛ لأن النبي ﷺ قال له: " لا تأكله، واعلفه الناضح ".
ولو استأجر دابة عشرة أيام بأجرة معلومة، فقال ربها للمستأجر: إن حبستها فعليك بكل يوم درهم. كان جائزًا.
[ ٢١٥ ]