قال الله تعالى: ﴿قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا﴾ [آل عمران: ٨١].
فإقرار الحر، البالغ، العاقل على نفسه جائز.
وإقرار العبد، والصبي، والمجنون، والمحجور عليه، والمكره، غير جائز.
فإن كان الصبي مأذونا له في التجارة، كان إقراره جائزا في قدر ما أُذن له فيه إذا كان يسيرا.
وإقرار العبد المأذون له في التجارة جائز.
وإقرار الصحيح للوارث وغير الوارث جائز. وإقرار المريض لغير وارث جائز في إحدى الروايتين، وللوارث غير جائز قولا واحدا، إلا أن يجيزه الورثة بعد وفاة المقر.
وإقرار المريض لزوجته في قدر مهر مثلها فما دون جائز، وفيما زاد عليه غير جائز، إلا أن يجيزه الورثة.
وإقرار السكران غير جائز.
ومن أقر بالزنى لم يجلد حتى يقر أربع مرات يُرد فيها، كما رد النبي ﷺ ماعزا. فإن أقر بقتل عمد فهل يقتل بإقراره مرة، أو يرد مرتين؟ على روايتين.
فإن أقر بسرقة لم يُقطع حتى يُقر مرتين. ويلزمه ما أقر بسرقته من المال على كل حال.
[ ٣٣٢ ]
ومن أقر بأنه عبد فبيع، ثم ثبت أنه حر كان بيعه باطلا، وأُدّب، وأُلزم رد الثمن إلى المشتري من قبضه منه. وإن كان المقرُّ بالرق أخذ من الثمن شيئا لزمه رده.
فإن أقرت امرأة حرة بأنها أمة فابتاعها من لا علم له بحريتها، وأولدها، فلا حد عليه، ويلحق به الولد، ولا مهر لها، وعليها حد الزنى إن كانت عالمة بالتحريم، تجلد مئة إن كانت بكرا وتغرب سنة، وإن كانت محصنة رُجمت. وإن كانت جاهلة بالتحريم لم يُبلغ بها الحد الكامل، وعُزرت بكرا كانت أو محصنة، وعوقب بائعها عقوبة شديدة، ويجاوز به التعزير، ولا يبلغ به الحد.
ومن أقر لرجل بنخلة في أرضه فهي له بأصلها. فإن ماتت النخلة أو سقطت لم يكن لمالكها موضعها من الأرض.
ومن أقر بدين وعليه دين ببينة، بدأ بقضاء الدين الذي بالبينة، ثم بدين الإقرار في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: هما سواء، ويؤخذ بهما جميعا، ولا يقدم واحد منهما على الآخر.
ومن أقر بولد لزمه إقراره وثبت به نسبه منه. وكذلك إن أقر به اثنان عدلان من ولد الميت بعد موت الأب ثبت نسبه، وورث أباه مع باقي ورثته. فإن أقر به واحد، وأنكره الباقون، لم يثبت نسبه من المتوفى، وشارك المقر في نصيبه من الميراث بقدر سهمه.
واستثناء القليل من الكثير يجوز قولا واحدا. وكذلك استنثاء النصف فما دونه. واستثناء الكثير من القليل لا يجوز.
ومن أقر بشيء واستثنى من جنسه صح استثناؤه قولا واحدا.
ومن استثنى من غير جنسه لم يجز في الصحيح عنه، ولزمه جميع ما أقر به. فإن استثنى عينا من ورق، أو ورقا من عين صح استثناؤه في إحدى الروايتين، ولم يصح في الأخرى.
[ ٣٣٣ ]
ومن أقر بدين، وقال متصلا: وقد قضيته جميعه، لم يقبل ذلك منه إلا ببينة، ولزمه الخروج من جميع ما أقر به، وله على المقر له اليمين، فإن أقر بحق، وقال: قد قضيته بعضه. قبل ذلك منه في إحدى الروايتين، ولم يقبل في الأخرى، وأخذ بالكل.
ومن ادعى على رجل حقا فقال: قد برئت إليه منه. كان مقرا، وكلف البينة على ما يدعيه من البراءة، فإن عدمها لزمه الحق، وله على المدعي اليمين.
ومن ادُّعيَ عليه حق، فقال: كان له علي وقضيته، لم يكن ذلك جوابا صحيحا عن الدعوى، وطولب برد الجواب. وقيل عنه: إنه جواب صحيح، وإنه قد أقر، وادعى البراءة، فالحكم فيه على ما تقدم.
ومن أقر وادعى الحلول كان القول قول المقر في الأجل، مع يمينه عند عدم بينة مدعي الحلول.
ومن أقر بحق، وقال: إن شاء الله، كان إقراره صحيحا، ولزمه من أقر به، ولم يرفعه عنه الاستثناء.
ومن مات وعليه دين مؤجل حل دينه، وقد روي عنه أنه لا يحل، ويكون إلى أجله إذا وثق الورثة للغريم.
ومن أقر لامرأة أجنبية بحق في مرضه، ثم تزوجها، ثم توفي، ثبت الإقرار لها، لأنه أقر وهي غير وارثة. فإن أقر لزوجته في مرضه بحق، ثم طلقها، ثم مات من مرضه ذلك، لم يجز إقراره لها إلا أن تجيزه الورثة.
قال: ولو قالت امرأة في مرض موتها: قد قبضت صداقي من زوجي، أو: لا مهر لي عليه، لم يقبل قولها إلا ببينة تشهد على قبضها ذلك منه، أو على إقرارها في صحتها بقبضها منه مهرها.
[ ٣٣٤ ]
ومن أقر لرجل بحق عند السلطان، ثم رجععنه، وادعى أنه كان مكرها، لم يقبل قوله، وأخذ بما أقر به، إلا إن أتى بالبينة على ما يدعيه من الإكراه.
قال: ولو ادعى عند القاضي على رجل ألف درهم، فأقر له بثلاثين دينارا لزمه ما أقر به إذا قبل ذلك منه المقر له، ولم يكن إقراره بذلك جوابا عن الدعوى، ولزمه الجواب عما ادعي عليه.
واختلف أصحابنا فيمن أقر لرجل، فقال: له علي درهم ودرهم ودرهم، على طريقين: منهم من قال: يلزمه ثلاثة دراهم، لأنه كلام معطوف بعضه على بعض، فهو بمنزلة قوله: له علي ثلاث دراهم، ومنهم من قال: يلزمه درهمان، لأن إقراره بهما غير محتمل، وإقراره بالثالث محتمل، والأول أوجه.
فإن قال: له علي درهم بل درهم، لزمه درهمان عند بعض أصحابنا، وقال بعضهم: لا يلزمه إلا درهم واحد.
فإن قال: له علي كُرُّ حنطة لا بل كر شعير، قال بعضهم: يلزمه كُرَّان: أحدهما حنطة، والآخر شعير، وقال بعضهم: يلزمه المقر به أخيرا، وهو كر شعير، ولا يلزمه الحنطة.
فإن قال: له علي درهم فدرهم، أو درهم ثم درهم، لزمه درهمان قولا واحدا.
وإقرار العبد المأذون له في التجراة جائز، وما ادَّان فعلى مولاه دونه، ولا يُحبس العبدبه، وإن لم يكن مأذونا له فإقراره غير جائز، وما ثبت أنه ادانه ففي رقبته، أو يفديه السيد، فإن لم يفده بيع في ديونه، فإن زادت ديونه على قدر قيمته، لم يلزم السيد أن يفديه بأكثر من قيمته.
ويحبس من عليه الحق إذا التمس ذلك صاحب الحق ولم يخرج منه المقر. فإن ادعى المقر الإعسار، لم يقبل قوله إلا ببينة.
ولا يجوز حبسه بعد ثبوت البينة بعسرته، ولا وقت الحبس. ومتى أقام البينة على العسر سُمعت وأطلق، وقال بعض أصحابنا: أرى إحلافه مع بينته أنه
[ ٣٣٥ ]
معسر غير قادر على ما عليه من الحق، ولا مال له، قال: لأن البينة تشهد بالظاهر من حاله، وقد يجوز أن يكون له مال لا يعلمه الشهود.
وإن علم صاحب الحق أنه معسر لم يحل له حبسه، ولزمه إنظاره إلى ميسرته، فإن لم يفعل كان ظالما. قال الله ﷿: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].
[ ٣٣٦ ]