قال الله ﷿: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ الآية [التوبة: ٧٣] و[التحريم: ٩]، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ الآية [التوبة: ١٢٣].
فالجهاد من فروض الكفايات، يحمله من قام به عن غيره.
وغزو البحر أفضل من غزو البر. ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوة من العدو حتى يُدعى إلى الإسلام، إلا أن يعجلوا عن ذلك، بأن يغشوا المسلمين فيقاتلوا حينئذ.
ومن بلغته الدعوة لم يجب أن يدعى ثانية، وقوتلوا حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولا تقبل الجزية إلا من اليهود والنصارى والمجوس، ولا يقبل من سواهم إلا الإسلام، أو السيف.
والفرار من العدو من الكبائر إن كان مثلي عدد المسلمين أو أقل، إلا أن يتحرف المسلمون للقتال أو يتحيزوا إلى فئة، فلا يحرجوا. فإن كان من مثلي المسلمين ولم يطيقوا قتالهم لم يحرج من انهزم منهم.
ويقاتل العدو مع كل بر وغير بر من الولاة. ولا يخرج أحد للقتال، ولا يبارز إلا بأمر الإمام أو الأمير، وإن فعل كان عاصيا، ولم يكن له في الغنيمة حق. إلا أن يفجأهم من العدو ما إن تأخروا عن الخروج إليه هلكوا، فيجب ههنا أن يقاتلوه، ولا إذن في هذا المقام لأمير ولا لغيره.
ويقتل الرجل أباه وابنه، وأخاه وذا قرابته في المعترك، ولا يحرج، لقوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].
[ ٣٩٦ ]
ومن أسر من الأعلاج فالأمير فيه مخير، إن شاء قتلهم، وإن شاء من عليهم فأطلقهم بعوض وبغير عوض، وإن شاء فادى بهم، وإن شاء قتلهم. أي ذلك فعل رأى أنه أحظ للمسلمين وأنكى للعدو، فله فعله.
ولا يُقتل أحد بعد أمان، ولا يُخفر لهم عهد. ولا تقتل النساء والرهبان والصبيان، والأحبار، إلا أن يقاتلوا فيقتلوا في المعترك. وكذلك لو علم من الراهب أنه يدل على عورات المسلمين قتل. فإن لم يعلموا ذلك منه، ووقع في أنفسهم أنه يدل عليهم لم يقتل، وحملوه معهم، لأنه قد روي في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ حبس في تهمة.
ولا يقتل الشيخ الكبير الفاني الذي لا قدرة له على القتال، ولا الزمن، ولا المقعد.
ويجوز أمان أدنى المسلمين على أنفسهم. وأمان المرأة والمملوك جائزان، ولا يجوز أمان الصبي إلا أن يكون مراهقا.
ولو أن علجا أدل المسلمين على قلعة على أن له جارية سماها، فلما انتهوا إليها صالحهم صاحب القلعة على أن يفتحها لهم ويخلوا بينه وبين أهله ففعلوا، فإذا أهله تلك الجارية، كان المستحق للجارية الأول، وللثاني قيمتها. ويتوجه أن تكون الجارية لزوجها، ولا يفرق بينهما، ويكون للأول القيمة.
ومن منعه السلطان من الغزو معه فغزا، لم يسهم له.
وما غنم المسلمون من العدو بإيجاف فليأخذ الإمام خمسه، فيقسمه على خمسة أسهم: سهم له يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، وسهم
[ ٣٩٧ ]
لبني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف أين كانوا، للذكر ضعف ما للأنثى، الغني منهم والفقير سواء، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأربعة أخماس الغنيمة يقسمها الأمير بين الجيش الذين شهدوا الوقعة؛ للفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه. وللراجل سهم. ويسهم لفارس الهجين سهمان، سهم له، وسهم لهجينه في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى أنه يسهم لفارس الهجين ثلاثة أسهم، كما يسهم لفارس الجواد العتيق. والأول أظهر. ويسهم لفارس البعير سهمان، سهم له وسهم لبعيره، ولا يسهم لبغل ولا حمار. ويسهم لفرسين، ولا يسهم لأكثر منهما، ثبتت الرواية أن النبي ﷺ أسهم للزبير خمسة أسهم، أربعة أسهم لفرسيه، وله سهم.
ويسهم للأجير إذا قاتل. وقيل عنه: لا يسهم له.
ويسهم لمن شهد القتال، ولمن تخلف عنه في شغل المسلمين من أمر جهادهم. وكذلك يسهم للطليعة وللرسول وإن لم يشهدوا القتال. أسهم النبي ﷺ لعثمان بن عفان ﵁، ولم يشهد بدرا، وكان استأذن النبي ﷺ في المقام على زوجته ابنة النبي ﷺ، وكانت عليلة.
ولا يسهم لعبد، ولا امرأة ولا لصبي، ويرضخ لهم.
وإن قاتل العبد على فرس أسهم للفرس، وكان ذلك للسيد، ورضخ للعبد.
والذمي إذا قاتل مع المسلمين أسهم له في إحدى الروايتين، وفي الأخرى يرضخ له.
واختلف أصحابنا في قسمة الغنائم في دار الحرب؛ فمنهم من منع من ذلك، وقال: لا يقسم إلا في المأمن. ومنهم من أجاز ذلك. قال: وفي الأمن أحب إلي.
[ ٣٩٨ ]
ولم يختلف قوله في جواز أكل الطعام والعلف من الغنيمة قبل أن تُقسم إذا احتيج إليه. ومن تعلف من بلاد العدو أخذ منه قدر الحاجة، ورد الباقي على الجيش، وكذلك الطعام. وإن خرجوا إلى العسكر ومعهم العليق والعليقان، والطبخة والطبختان من اللحم ومن الدارصيني، فهل يلزمه أن يرده في المغانم أم لا؟ على روايتين: إحداهما: يرده استحبابا. وإن أخذه فقد رخصوا فيه. والرواية الأخرى: إذا خرجوا إلى المعسكر طرحوا كل ما معهم حتى الوتد فما فوقه.
وقد قيل عنه: إذا أخذ الطعام من بلد العدو رد قيمته من الغنائم. والأظهر عنه أنه لا يلزمه قيمة ما أكل عند الحاجة إليه، وهو الصحيح من قوله.
ومن أسلم من العدو على شيء في يده من أموال المسلمين فقد ملكه، ولا ينتزع من يده، قضى بذلك عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل ﵄.
وما أحرزه العدو من أموال المسلمين ثم أخذه المسلمون في المغانم، فأدركه ربه قبل أن يقسم، فهو أحق به بغير ثمن. وهو أحق به بعد القسم بالثمن. وقد روي عنه رواية أخرى: أنه إذا قسم فقد ملكه من حصل له، ولا شيء لربه فيه. وبذلك قال أبو عبيدة بن الجراح.
ومن اشترى من أموال المسلمين شيئا من المغانم لم يأخذه ربه إلا بالثمن. ويتوجه أن لا يكون له فيه حق على الرواية التي تقول: إنه لا حق له فيه بعد القسم.
ومن ابتاع من المغانم في بلاد العدو شيئا ثم غلب العدو عليه، فلا ثمن على من ابتاعه. وإن كان قد قبض من الثمن رد عليه.
وما أخذه مسلم من صيد أو حجارة في دار الحرب، فإنما أخذه بقوة من معه من المسلمين، فليرده في المقسم.
ولو أخذ المشركون أم ولد مسلم، ثم سباها المسلمون فقسمت، ثم عرفها
[ ٣٩٩ ]
سيدها أخذها بالثمن.
ومن قال لجارية من السبي قبل القسم: أنت حرة، لم تعتق، فإن حصلت له بعد ذلك بالقسمة عتقت عليه، لأنه قال فيمن أعتق حصته من السبي وقيمة ماله ديناران أقل أو أكثر: إنه يعتق عليه قدر حقهمن ذلك. فعلى هذا إذا أعتق حصته من السبي، فتعينت في عبد أو عبيد عتق جميعهم. فإن تعينت في بعض عبد عتق عليه منه ما ملك، وقوم عليه ما بقي إن كان موسرا. وإن كان معسرا لم يعتق منه إلا قدرحقه.
وإن كان في السبي أبواه أو ذو رحم محرم مسلما كان أو كافرا، عتق عليه إن كان بقدر حصته، وإلا عتق منه بقدر حصته منه.
ولا يفرق في السبايا بين الولد ووالديه، صغيرا كان أو كبيرا، ولا بين كل ذي رحم محرم. وسواء كانوا رجالا كلهم أو نساء، أو رجالا ونساء. قد اشترى عثمان ابن عفان ﵁ أبياتا وأمر ألا يفرق بينهم.
وما قدر عليه الأسير من أموال العدو فله أخذه، ولا ربا بينه وبينهم في دار الحرب، فإن ائتمنوه على شيء من أموالهم لم يجز له أن يخونهم فيه، وإن استخدموه بغير ائتمان لم يحرج فيما خانهم فيه، أو أخذه من أموالهم.
وإن أكرهوه على ترك العبادات بذل دمه ولم يتركها. فإن أكره على شرب الخمر ولم يمتنع من العبادات لم يحرج بشربها. وإن أكره على شربها، ومنع من العبادات بذل نفسه، ولم يشربها، ولم يدع العبادات. فإن أكره على الزنى لم يأته. وإن فعله لم يسقط الحد عنه. قال أحمد ﵁: الزنى لا يكون فيه إكراه، لأنه لا يتأتى إلا بالشهوة والاختيار. وإن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يحرج وكان مؤمنا.
ومن أتى من المسلمين حدا في دار الحرب أقيم عليه إذا خرج إلى دار
[ ٤٠٠ ]
الإسلام. ولا تقام الحدودفي الجيش ببلاد العدو.
ولا تحرق بلادهم، ولا منازلهم، ولا أموالهم، ولا تقطع أشجارهم إلا أن لا يجد بدا من ذلك فيكون له فعله، أو يكونوا قد فعلوا ذلك بالمسلمين عند ظفرهم بهم، قال: ولم يثبت الحديث المروي أن النبي ﷺ حرق نخل بني النضير.
ومن أصاب مسلما في دار الحرب لايعلم إسلامه، كان عليه عتق رقبة مؤمنة في ماله، ولا دية عليه.
ومن قتل مستأمنا فعليه ديته.
ومن دخل من المسلمين أرض العدو بأمان لم يخنهم، ولم يبتع منهم درهما بدرهمين.
قال: ومن غزا على فرس فغنم عليه، ثم باعه، فغزا المشتري عليه، وغنم، فالغنيمتان بينهما، إلا أن يعرف كل واحد منهما غنيمته فتكون له دون صاحبه، ومن أمنه الإمام فهو على أمانه حتى يرده إلى مأمنه.
ولو دخل التاجر الحربي إلينا بأمان فقتل، فعلى قاتله الدية، يوجه بها إلى ورثته. وإن كان له مال أو عروض من تجارته في بلادنا أنفذ ذلك إلى ورثته. كذلك فعل عمر بن عبدالعزيز ﵁.
ومن وقع على جارية من المغنم لم يحد، وكان عليه مهر مثلها، ويرفع عنه منه بقدر حصته منها. فإن حملت منه كانت أم ولد له، وعليه قيمتها. ويحط عنه من القيمة بقدر نصيبه منها.
ومن غزا ومعه مدبر، فقتل السيد، فقاتل الدبر مع المسلمين نظر، فإن كان
[ ٤٠١ ]
يخرج من الثلث، فهو حر بموت سيده ويقسم له. وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث. واختلف قوله فيما له من الغنائم، فقيل عنه: يرضخ له. وقيل: يعطى من سهم الحر بقدر ما فيه من الحرية، ويرضخ له بقدر ما فيه من الرق حسب اجتهاد الإمام. وهذا هو الصحيح، وهو أقيس على مذهبه، وأطرد على أصوله. فما كان سهم الحرية فللعبد، وما رضخ له بحق العبودية فلورثة مولاه.
وإن كان غزا على فرس لسيده فسهم الفرس لورثة السيد. ولو خرجت سرية فأخطأ منها رجل الطريق، أو قصرت به دابته فرجع إلى الجيش وغنمت السرية، لم يشاركها فيما لم يشهده معها، ويتوجه أن يشاركها، لأن أحمد قد قال: ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، وتشركه فيما غنم. والأول هو المنصوص عنه.
ولو لقي مسلم علجا يَجنُبُ فرسا فقتله، كان سلبه له غير مخموس، فأما الفرس، فإنه غنيمة لا يختص القاتل به دون الجيش. فإن كان العلج على الفرس فاقتتلا وقتله المسلم، كان سلبه وفرسه له غير مخموس.
ومن قال لعلج: قف، أو ألق سلاحك. فقد أمنه.
ولا بأس أن يفادى الجماعة بالواحد، ولا يفادى بالعين والورق.
ومن اشترى أسيرا من العدو، وأخرجه إلى دار الإسلام، لزم الأسير أن يرد عليه بمثل ما اشتراه به. وأنفقه عليه إلى أن أوصله إلى مأمنه، وسواء اشتراه بأمره أو بغير أمره.
ولا يشتري المشركون من سبايا المسلمين شيئا، ولايباع نصراني من نصراني، ولا يهودي من يهودي. ومن فعل ذلك رد البيع. كذلك أخذ عمر بن الخطاب ﵁ على نصارى الحيرة حين كتب لهم الأمان.
[ ٤٠٢ ]
وإذا بارز مسلم مشركا بإذن الإمام، فاستظهر المشرك عليه، لزم المسلمين معونته على المشرك، قد أعان المسلمون بعضهم بعضا يوم بدر.
ولو أطلق المشركون أسيرا من المسلمين واستحلفوه أن لا يهرب منهم وفى لهم، ولم يهرب منهم. وقال بعض أصحابنا: له الهرب منهم، إذا قدر. والأول هو المنصوص عنه. وكذلك لو أطلقوه ليمضي إلى بلده على مال ينفذه إليهم، وأحلفوه على ذلك وفى لهم، وبعث إليهم ما وافقهم عليه. ولو حلف لهم أنه يخرج إلى بلاد الإسلام ثم يعود إليهم أحببت أن يفي لهم، لحديث حذيفة حين أحلفوه أن لا يقاتلهم، فأمره النبي ﷺ بالوفاء.
فإن خرج علج بمسلم يطلب به الفداء فداه الإمام من بيت المال. فإن لم يفعل، اشتراه المسلمون، ولم يرد إلى بلاد العدو بحال، ومن لم يؤخذ عليه العهد ألا يهرب، فليهرب متى قدر.
لايقيم ذمي بالحجاز، ولا بأس أن يدخله مجتازا.
ولو لقي المسلمون تجارا مشركين ليس معهم سلاح، ولا آلة قتال، لم يبدؤوهم بالقتال، ولم يعرضوا لهم إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال. قال بعض أصحابنا: فإن كان معهم السلاح دل على أنم ليسوا تجارا، وغنموا.
ومن دخل من أهل الحرب بتجارة إلى بلاد المسلمين بويع، ولم يسأل عن شيء.
ولو ركب قوم من العدو البحر، فحملتهم الريح فألقتهم في بعض سواحل المسلمين، فقالوا: نحن تجار، فإن عرفوا بالتجارة ولا سلاح معهم قبل قولهم. وإن يعرفوا بالتجارة وكان معهم آلة الحرب لم يقبل قولهم، ولم يغنموا، ولم يقتلوا، وحبسوا. وإنما منع أحمد ﵁ من قتلهم للشبهة. والحدود تدرأ
[ ٤٠٣ ]
بالشبهات. وأجاز حبسهم بالتهمة، لأن النبي ﷺ حبس في تهمة.
والنفل بعد الخمس، كما جاء في الحديث: "في البداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس".
ومن نفل فليرد ذلك على أهل السرية، إذ بقوتهم صار إليه. ومن قتل قتيلا من العدو مقبلا على قتاله، فله سلبه غير مخموس، والدابة وما عليها من آلتها، والسلاح، وثياب بدنه من السلب. فإن كان مع السلاح عين أو ورق، فهل هو من السلب أو لا؟ على روايتين.
ونقل بعض أصحابنا في الدابة رواية أخرى: أنها ليست من السلب.
وفي الرباط فضل كبير، وذلك بقدر خوف أهل ذلك البلد، وكثرة تحرزهم من عدوهم.
ولا يغزون أحد بغير إذن أبويه المسلمين إلا أن يفاجئ العدو مدينة قوم، أو يغير عليهم، ففرض على كل من فيه فضل للقتال أن يقاتله ويدفعه، ولا إذن للأبوين في مثل هذا.
ومن سُبي من أطفال العدو مع أبويه كان على دينهما. ومن سبي منهم وحده كان مسلما قولا واحدا. ومن سبي مع أحد أبويه كان أيضا مسلما في الصحيح من قوله.
ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت، وتشاركه فيما غنم.
ومن قاتل من أهل الذمة مع المسلمين فسبي حتى قدر المسلمون عليه رد
[ ٤٠٤ ]
إلى ما كان عليه من الذمة، ولم يسترق. وما أخذه العدو من أموالهم وعبيدهم رد عليهم قبل القسم إذا أخذه المسلمون، ولم يرد عليهم بعده. وإذا فودي بالمسلمين، فودي بعدهم بمن أسر من أهل الذمة.
ومن نقض العهد من أهل الذمة حورب، ولم تسب ذراريه، ولم يسترقوا. ومن ولد له منهم بعد نقض العهد استرق ولده.
ومن غل من المغانم حرق رحله إلا المصاحف وذوات الأرواح.
ومن جاء من المدد لمعونة المسلمين قبل إحراز الغنائم أسهم له. ولا يسهم له بعد إحرازها.
وما أخذ من أموال العدو بغير إيجاف، فهو فيء يأخذ الإمام خمسه، فيفرقه فيمن فرق فيه خمس مال الغنيمة، وأربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين الأحرار بالسوية بينهم، غنيهم وفقيرهم سواء.
وللإمام أن يهادن أهل الشرك إذا ضعف المسلمون عن قتالهم نظرا للمسلمين. ولا يجاوز بالهدنة مدة الحديبية التي هادنهم عليها رسول الله ﷺ، وهي عشر سنين. فأما إذا كان في المسلمين فضل وقوة على قتالهم ولم يضعفوا عنهم، فلهم أن يهادنوهم، ولا يجاوزوا بالهدنة أربعة أشهر، لقوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ الآية [التوبة: ١ - ٢]. ولما روي أن النبي ﷺ جعل لصفوان بعد فتح مكة أربعة أشهر.
ومن جاءتنا من نساء أهل الحرب مؤمنة لم ترد إليهم على حال، فإذا انقضت عدتها جاز للمسلم أن يتزوجها، لقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا
[ ٤٠٥ ]
ترجعوهن إلى الكفار﴾ الآية: [الممتحنة: ١٠]. وهل على المسلم الذي يتزوجها أن يرد على من كان زوجها من الكفار المهر الذي كان ساقه إليها أم لا؟ على روايتين.
فأما الزكاة فلا يجاوز بها الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، وهم المكاتبون، والغارمون، وهم المدينون، وفي سبيل الله، وهو في الغزو، وابن السبيل، وهو المنقطع به الذي له اليسار في بلده. وقد عدم في هذا الوقت المؤلفة والعاملون عليها. ومن ملك من هؤلاء خمسين درهما أو قيمتها عينا، فهو غني لا تحل له الزكاة.
وليس بواجب صرف الزكاة إلى جميع الأصناف حتى لا يجوز أن يقتصر بها على فريق منهم، بل لو دفعها جميعها إلى صنف واحد منهم أو صنفين أو أقل أو أكثر أجزأته، كان من بقي منهم موجودا أو معدوما.
ولا يجوز أن يخرجها عن هذه الأصناف، وإن فعل لم تجزه. ولم يعط من الزكاة لواحد أكثر من خمسين درهما إلا أن يكون غارما، فيقضي منها دينه، ثم يعطى منها بعد ذلك خمسون درهما. ولا يبنى منها مسجد، ولا يكفن منها ميت، والأفضل أن تدفع إلى الإمام ليتولى إخراجها في أهلها، فإن تولى ربها إخراجها بنفسه أجزأته.
ومن كان له دين على فقير لم يجز أن يحاسبه به من زكاته، ويحلله منه. ثم إن اختار بعد قبضه أن يتصدق به عليه ويجعله من زكاته جاز.
[ ٤٠٦ ]
ولا يجوز صرف الزكاة في الحج عن بعض أصحابنا. وقال بعضهم: الحج من السبيل، ويجوز صرف الزكاة فيه.
[ ٤٠٧ ]