ولا يتم الحبس حتى يخرجه المحبس عن يده. فإن مات قبل إخراجه وحيازته بطل وكان ميراثا.
ومن وقف جميع ماله في صحته على وارث وغير وارث جاز. وإن وقف في مرض موته جاز ذلك في ثلثه. وسواء وقفه على وارث أو أجنبي. ولا يحل ذلك محل الوصية التي لا تجوز لوارث.
قال: ومن أوقف وقفا على ولده، وولد ولده، ونسله، وعقبه، أو على أجانب، وجعل آخره بعد انقراضهم لفقراء المسلمين ومساكينهم، وأخرجه إلى غيره عن يده في حال إيقافه، كان وقفا صحيحا على ما شرط قولا واحدا.
فإن وقفه على قوم، ولم يجعل آخره للمساكين، فعلى روايتين: إحداهما: يكون وقفا على أقرب عصبات الميت المُوقِف بعد انقراض من وُقف عليه.
والرواية الأخرى: يرجع بعد وفاة الموقف عليه إلى ورثة الموقِف ملكا بينهم على الفرائض. فإن وقفه على نفسه أيام حياته، فإذا مات فعلى المساكين، كان باطلا، ولم يكن وقفا صحيحا، وكان باقيا على ملك ربه، فإذا توفي كان لورثته.
فإن وقف وقفا وشرط لنفسه سُكنها أيام حياته، أو شرط لنفسه النفقة من بعض أرفاقه، أو شرط النظر لنفسه أيام حياته، أو صرف غلَّته فيما جعهل وقفا عليه، جاز، بعد أن يخرجه عن يده إلى يد غيره، ثم يرتجعه لينظر فيه، كما اشترط.
وكذلك لو اشترط لأولاده أو لبعضهم سُكنى الوقف، أو سُكنى بعض أيام حياته جاز ذلك.
[ ٢٣٨ ]
ومن اشترط لنفسه تغيير وقفه متى شاء عن الوقف، أو بيعه عند الحاجة، أو الرجوع فيه، كان باطلا، ولم يكن وقفا صحيحا.
ومن وقف وقفا جعل آخره للمساكين، وأخرجه عن يده، فقد خرج عن ملكه، وانقطع ملكه منه على ما بينت، فلا يباع ولا يوهب ولا يُملك ولا يورث، وليس لأحد أن يجع فيه، ولا أن يغيره عن حالته التي وُقف عليها.
ومن وقف وقفا على ولده، وولد ولده لصلبه، لم يدخل فيهم البنات. ولو وقف على ولده ونسله وعقبه، وله أولاد، ثم رُزق بعدهم أولادا، دخل من حدث له من الولد في الوقف، وشاركوا فيه من قبلهم من ولده.
ولو قال: هذه الضيعة وقف على ولدي. فمات الأولاد الموقوف عليهم، وتركوا نسودة حوامل، فكل ما كان من أولاد الذكورمن ذكر وأنثى، فالضيعة وقف عليهم، وما كان من ولد البنات فليس لهم في الوقف شيء. وكذلك لو جعلها وقفا على ولده، وولد بنيه لم يكن لولد البنات فيها شيء. فإن قال: ولدي وولد ولدي فهي على ولد الذكور والإناث، وعلى ولد ولده الذكور والإناث.
ولو وقف ضيعة أو نخلا على ولده وولد ولده، فحصل فيها زرع قد استحصد، أو تمر قد أبرت، ثم رزق ولدا آخر بعد الحصاد والتأبير، فلا حق للولد الحادث في الزرع ولا في الثمرة. وإن كان قبل تأبير الثمرة وقبل حصاد الزرع شرِك الولد الحادث من كان قبله من الولد في الزرع وفي الثمرة.
ولو حبس حبسًا على ولده الصغير، كانت حيازتع له صحيحة إلى أن يبلغ، وكان والده قيما له به ما دام صغيرا.
فإن وقفا وقفا على ولده، وفيهم ذكور وإناث وبيّن قدر ما لكل واحد
[ ٢٣٩ ]
منهم، كان ذلك بينهم على ما شرط، فإن لم يبين قدر ما لكل واحد منهم، كان الذكور والإناث فيه سواء، لا يفضل ذكر عن أنثى، إذا كان قال: وقفا على ولدي الذكور والإناث، فإن قال: بينهم على فرائض الله ﷿. كان للذكر منهم ضعف الأنثى. فإن فضّل بعضهم على بعض كان بينهم على ما شرط. فإن ماتوا ولهم أولاد، كان ما كان وقفا عليهم، وعلى أولادهم، وإن ماتوا ولا ولد لهم رجع الوقف إلى عصبة الموقف وقفا عليهم. فإن لم يكن للموقِف عصبة ولا ولد، وكان الواقف جعل آخر الوقف بعد انقراض الموالي للمساكين، كان وقفا على مساكين المسلمين أبدا كما شرط. وإن لم يكن آخره للمساكين بيع الوقف، وجُعل ثمنه في المساكين، وعلى الرواية الأخرى: يرجع ملكا لورثة الواقف.
ولا يجوز وقف العين والورق والثياب، وما في معنى ذلك، ولا بأس بوقف السلاح والخيل.
والوقف لا يباع ولا يوهب، ولا تُغير شروطه، ولا يُناقل به، إلا أن يخرب ولا يَرُدَّ شيئا، ولا يتمكن أربابه من عمارته، فيجوز حينئذ بيعه، ويُجعل ثمنه في وقف مثله. وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو والطراد جاز بيعه، وصرف ثمنه في مثله يكون حبيسا. وكذلك المسجد إذا خرب موضعه، ولم يبق له مجاور يصلي فيه، وخيف هلاكه، جاز أخذ آلته وبُني بها مسجد في موضع عامر يُصلى فيه. وكذلك ما تكسر من خشبه، ولم يصلح للعمل بيع واشتري بثمنه آلة تصلح للعمل، فجعلت في المسجد.
ومن مات من أهل الوقف، رجع ما كان له منه على من شرط الواقف رجوعه إليه من بعده من ولد أو غيره.
ومن وقف وقفا على بطن أعلى، وجعل غلته بعد انقراض البطن الأعلى على البطن الأسفل، ولم يشارك البطن الأسفل البطن الأعلى في شيء من غلة الوقف مع وجودهم، أو وجود بعضهم.
والولاية على الوقف إلى من جعلها الموقف من أرباب الوقف، أو من غيرهم،
[ ٢٤٠ ]
فإن أخلاه من وال، كان النظر فيه إلى الحاكم.
وإذا حصل لأهل الوقف من غلته خمسة أوسق فصاعدا، لكل واحد منهم، كانت الزكاة عليه واجبة قولا واحدا. فإن كان الذي حصل من الوقف خمسة أوسق، فقُسم بين جماعة أهل الوقف، فهل فيها زكاة أم لا؟ على وجهين.
فإن وقف وقفا على مساكين المسلمين وفقرائهم، فلا زكاة عليهم فيما يحصل لهم منه. قال: لأن ذلك صار جميعة لجماعة المساكين، فلا أرى عليهم فيه صدقة، إلا أن يوفق الرجل على ولده، أو على قوم أغنياء، فتجب الزكاة على من تبلغ حصته منهم خمسة أوسق فما زاد.
قال: ومن وقف وقفا على قوم، وشرط أنَّ من مات منهم رجع نصيبه من الوقف إلى ورثة الموقِف، كان جائزًا على من شرط، وكان ما يرجع إلى الورثة من ذلك وقفا على سُبُله المشروطة.
ولا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الموقف أمر الوقف إذا كان أمينا. ولهم مساءلته عما يحتاجون إلى عمله من أمر وقفهم، حتى يستوي علمه فيه وعلمهم. قال: ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف، لتكون نسخة في أيديهم وثيقة لهم.
وإن كان الموقف جعل للناظر في الوقف أجرا على قيامه به ونظره، وكان الوقف يحتاج إلى أجر أمناء وغيرهم، وكلفة النظر فيما جُعل للقيم من الأجر على نظره، فإن كان ذلك زائدا على قدر أجر مثله، كانت المؤنة التي تلزم الأمناء وغيرهم عليه مما جُعل له، دون أرباب الوقف، حتى يصير الباقي له مقدار أُجرة مثله. فإن احتيج إلى كلفة بعد ذلك كانت من غلة الوقف، إلا أن يكون الواقف شرط له ذلك خالصا. وشرط أن ما يلزم من الكلفة للوقف للأمناء وغيرهم من جُملة غلة الوقف دون ما جعلها للقيم، فيكون ذلك على ما شرط.
[ ٢٤١ ]
قال: وإن كان الوالي على الوقف غير أمين، ولم يرضَ به أرباب الوقف لم تنتزع يده، ولكن يجعل الحاكم معه أمينا يحتاط على الوقف ويحفظ غلته.
ووقف المشاع جائز، كما يجوز وقف الحاضر، لا فرق بينهما عنده.
وإذا جعل الرجل بيتا من داره مسجدا، فأذن فيه وأقام، ودعا الناس إلى الصلاة فيه، خرج بذلك عن ملكه، وانقطع ملكه عنه، وصار لله ﷿، ولم يعد إلى ملك من كان له أبدا، قيل له: فإن بنى في دار مسجدا ونوى أن يصلي فيه حياته، فإذا مات كان ميراثا لورثته؟ قال: لا يجوز ذلك، إذا أذّن فيه ودعا الناس للصلاة فيه، خرج عن ملكه، ولم يعد إليه ولا إلى ورثته، ولا تأثير للنية في ذلك بعد الأذان والصلاة فيه، قد صار لله ﷿.
وكذلك من بنى سقاية وجعلها للسبيل، أو سبَّل أرضا وجعلها مقبرة، وأذن في الدفن فيها، لم يعُد ذلك إلى ملكه أبدا.
قال: ومن غرس في مسجد نخلة كرهتُ ذلك، فإذا فعل، فثمرتها لمساكين الدرب. وكذلك لو كانت نَبْقة، أكل ثمرتها مساكين الجيران.
ويخرج أهل المسجد من عندهم ما يحتاج المسجد من بواري وغيرها، فأما إن وقف على المسجد نخلا، أو حوانيت، فإن غلة ذلك بعد عمارته تكون مصورفة إلى عمارة المسجد، كما شرط الوقف.
قال: وما كان من خُلقَان بواري المسجد تُصُدق به على المساكين، إنما هو لله ﷿، فلا يأخذه أحد.
[ ٢٤٢ ]