قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ الآية [النساء: ٥ - ٦].
ففي الآية الأولى دلالة على جواز الحجر على الكبير السفيه، وفي الثانية دلالة على جواز الحجر على الصغير.
وقد روي عن عبدالله بن عباس ﵁ أنه قال: ويحجر على السفيه. وهو مذهب عثمان، وعلي، والزبير، رضوان الله عليهم.
قيل لأحمد ابن حنبل ﵁: ويُحجر على الرجال؟ قال: أي لعمري، لولا الحجر لذهب أموال الناس.
وبيع المحجور عليه، وهبته، وشراؤه، وصدقته، باطل قولا واحدا.
وإقراره بالحقوق لا يصح إذا كان الحجر عليه لسفه.
وفي عتقه روايتان: إحداهما: لا يقع عتقه ولا ينفذ، والرواية الأخرى: يقع؛ لأنه استهلاك.
وطلاق المحجور عليه يقع، وإقراره بما يوجب حدا، أو قصاصا يلزمه.
وعقوده كلها في حال الحجر عليه غير جائزة، إلا في النكاح إذا كان محتاجا إليه.
وشراؤه للشيئ اليسير بالدرهم ونحوه جائز.
ولا يحجر على أحد من السفهاء غير الحاكم إلا الأب، فله الحجر على ابنه
[ ٣٦٤ ]
السفيه، وإن كان بالغا، حاكما كان الأب أو غير حاكم. وقد روي عنه في الأب إذا كان خرفا أو سفيها: أن للابن أن يحجر عليه. وذلك محمول من قوله: إذا كان الابن حاكما.
قال: ومن أنفق ماله في الفساد وفي ابتياع المغنيات رأيت أن يحجر عليه، ويُمنع من ذلك أشد المنع. فإن كان يشتري الجواري للتسري والتمتع بهن، لم يمنع من ذلك.
ولم يختلف قوله في الغلام إذا بلغ الحلم وأونس منه الرشد: أنه يدفع إليه ماله إذا اختاره، ويُفك حجره كما قال الله تعالى.
وإن استظهر عليه بعد بلوغه بالحول والحولين، ليختبر ويظهر منه ما يستدل به على إيناس رشده فلا بأس.
وإن دفع إليه شيئا من ماله بعد البلوغ لبتجر به، وينظر كيف ضبطه وحفظه لماله، ثم يفك حجره بعد ظهور رشده كان حسنا، اتباعا لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء: ٦] وهو الاختبار لهم.
ويُشهد عليه إذا دفع ماله إليه، كما قال الله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ الآية [النساء: ٦].
فأما الجارية إذا كانت محجورا عليها، فبلغت، وأُنس بها الرشد، فهل يدفع إليها مالها، كما قال في الغلام أم لا؟ اختلف قوله فيه، والظاهر عنه: أن حكم الجارية حكم الغلام. قال: وينبغي أن يحفظ عليها مالها، وقل امرأة يقع في يدها شيء إلا وأفسدته. قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥] النساء والصبيان. فينبغي أن يحفظ عليها. واحتج لذلك بحديث هشيم عن زكريا عن الشعبي عن شريح قال: عهد عمر بن الخطاب ﵁ أن لا أجيز
[ ٣٦٥ ]
لجارية عطية حتى تحيل في بيت زوجها حولا، أو تلد بطنا، وهذا من قوله محمول على الاختبار والاحتياط، لأن الغالب من أحوال النساء قلة الضبط.
فأما من تحقق رشدها، وعرف صلاحها، وضبطها، وحفظها لمالها، وإصلاحها له، فإنه يدفع إليها عند وجود ذلك منها وظهوره عنها، نكحت أم لا، ولدت أو لم تلد.
ولا معنى لقول من يقول: إذا تم الغلام خمس وعشرون سنة فقد خرج من الحجر، لأنه هذا يوجب أن يدفع إليه ماله، وإن كان سفيها، والله تعالى نهى عن ذلك.
قال أحمد ابن حنبل ﵁: لا يدفع إليه حتى يؤنس منه الرشد وإن شمط.
فأما العبد المحجور عليه؛ فمن عامله عالما بحاله، فهو المتلف لماله، ولا مطالبة له عليه ما دام رقيقا، فإن عتق أتبعه به.
ومن عامل عبدا مأذونا له في التجارة وداينه كان ذلك على مولاه، لأن عليه غرمه. ويلزمه جميع ما يثبت على العبد من الديون، وإن كان ذلك أكثر من قيمته في الأظهر عنه. وقد روي عنه رواية أخرى: أنه لا فرق بين أن يكون العبد مأذونا أو غير مأذون في أن جميع ما ادان في رقبته، ولا يلزم السيد أن يفديه بأكثر من قيمته أو يُسلمه.
[ ٣٦٦ ]