والذكاة في الحلق، والنحر في اللَّبَّة.
والذكاة: قطع الحلقوم، والمريء، والوَدَجَين. فإذا قطع ذلك وأنهر الدم أُكلت.
فإن ذبحها فأبان رأسها غير متعمد أكلت قولا واحدا، فإن ذبحها من قفاها فلم تمر السكين على موضع الذبح حتى ماتت، لم تؤكل قولا واحدا. فإن مرت السكين على موضع الذبح وهي حية أكلت، وقد أساء في ذلك. وقد روي عنه: أن كل ذبيحة تذبح من غير مذبحها لغير تردّ ولا مانع من الذبح في المذبح، لا تؤكل.
والبقر والغنم تذبح، والإبل تنحر. فإن نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر أكلت. وقد روي عنه رواية أخرى: أنه توقف عن ذبح البعير. والأول عنه أظهر.
وذكاة الجنين ذكاة أمه إذا تم خلقه، أشعر أو لم يشعر، فإن خرج حيا ثم مات في الحال أكل. وإن تباقى أقل القليل فلا بد من تذكيته. فإن مات قبل أن يذكى لم يؤكل.
ولا ينبغي أن تسلخ الذبيحة حتى تموت وتبرد، ولا يقطع رأسها قبل السلخ. فإن فعل أساء وأكلت. ولو قطع منها بعد الذبح قطعة وهي تختلج كرهتُ ذلك، ولم تحرم.
قال: وأكره نفخ اللحم. وقد روى كليب الأودي عن علي بن أبي طالب رضي
[ ٣٧٦ ]
الله عنه أنه مر باللحامين فقال: من نفخ فليس منا.
ولا يفرِسُ الذبيحة، والفَرْس: كسر عنقها عقيب الذبح قبل أن تموت، فإن فعل أساء وأكلت. والمنخنقة بحبل وما في معناه، والمتردية من جبل، والتي تتردى في بئر فيقع رأسها في الماء ولا يمكن إخراجها منه، والموقوذة بالبندق، أو بالعصا، أو الحجر، والنطيحة، وأكيل السبع إذا ماتت، أو بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش لمثله لم تؤكل. وإن قطع منها ما يقطعه من المذكى.
وما ندَّ من الإبل والبقر واستوحش فلم يقدر عليه، فحكمه حكم الصيد، إن طعنه فأسال دمه أو رماه بسهم فجرحه، وذكر اسم الله عليه فمات من ذلك أكل؛ لحديث رافع بن خديج عن النبي ﷺ: "ما غلبكم من هذه البهائم فاصنعوا به ما يُصنع بالوحش".
وما سقط في بئر لا ماء فيها ولم يقدر على ذبحه ولا نحره جرحه حيث أمكن من بدنه وسمى الله عليه وأكله.
ومتى ترك مسلم التسمية على الذبيحة ناسيا أكلت قولا واحدا. فإن تركها عامدا لم تؤكل في الصحيح من قوله. وقيل عنه: تؤكل.
وما عقره الذئب أو السبع وأدرك حيا ولم يتيقن أنه يموت من ذلك العقر ذكي وأكل.
قال أحمد ﵁: إذا مصعت بذنبها، وطرفت بعينها، وحركت يدها أو رجلها بعد الذبح وانهار الدم أكلت، إلا أن يكون السبع أو الذئب شق جوفها وأخرج حشوتها، فإنها لا تؤكل وإن ذكاها.
وكذلك لو نطحت شاة شاة، فشقت جوفها وأخرجت قُصبها -يريد بذلك
[ ٣٧٧ ]
معاها- لم تؤكل، وإن أدرك ذكاتها.
وذبائح اليهود والنصارى تؤكل إذا ذكروا اسم الله عليها إلا البعير، فلا تصح فيه ذكاة اليهودي. ولا تؤكل ذبيحة المجوسي على حال. فإن ترك يهودي أو نصراني التسمية على الذبيحة عامدا أو ساهيا، فإنها تؤكل. وقد قيل عنه: إنهما إن تعمدا ترك التسمية عليها لم تؤكل.
ولا بأس بذبيحة الأخرس إذا نظر إلى السماء وأشار بيده إليها بالتوحيد لله تعالى.
واختلف قوله في ذبيحة الأقلف على روايتين: أجازها في إحداهما، ومنع منها في الأخرى.
قال: والمجنون إذا ذبح في حال زوال عقله لم تؤكل ذبيحته.
ولا تؤكل ذبيحة المرتد على حال.
قال: ويُجتنب أكل ما ذبحه اليهود والنصارى لكنائسهم وأعيادهم. ولا يؤكل ما ذُبح للزهرة.
قال: والسامرة من أهل الكتاب، فلا بأس بأكل ذبائحهم.
[ ٣٧٨ ]
واختلف قوله في ذبيحة الصابئ، والأظهر من قوله: أنها تؤكل؛ لأنهم يسبتون، فهم بمنزلة اليهود، ولهم كتاب.
وتؤكل ذبيحة نصارى العرب. ولا بأس بذبيحة الصبي والمرأة إذا أطاقا الذبح.
وتوجه الذبيحة إلى القبلة. ولو انحرف عنها قليلا أساء وأكلت. وتوارى السكين عنها، ولا يُظهرها إلا عند الذبح. كذلك أمرنا رسول الله ﷺ أن نواري الشفرة. ولا يحد الشفرة وهي تنظر إليه، ويقول عند تحريك يده: بسم الله والله أكبر، كما ذكرنا في الأضاحي.
ولا تجوز الذكاة بالسن ولا بالظفر منزوعين، ولا متصلين بالخلقة، وتجوز بغير ذلك.
ولا بأس بالذبح بالليل والنهار.
قال: ولو ذبحها فوقعت بعد الذبح في ماء فماتت لم يأكلها، وكذلك لو ذبح طائرا فوقه في ماء، أو تردى من جبل لم يأكله، لأن الماء والتردي أعان على خروج نفسه، لأنه تردى وفيه بقية روح، ولم تزهق نفسه.
ولا بأس أن يأكل المضطر من الميتة بقدر ما يزيل الاضطرار، ويأمن معه الموت قولا واحدا. وهل يأكل منها حتى يشبع أم لا؟ على وجهين.
ولا ينتفع بجلود الميتة دبغت أو لم تدبغ، لأن الدباغ لا يطهرها. ولا تباع، ولا تؤكل، ولا يستجمر لها. ولا يصلى في جلود السباع ولا عليها وإن دبغت. وما لا يؤكل لحمه لا تعمل الذكاة في طهارة جلده، كما لا تعمل في إباحة لحمه.
[ ٣٧٩ ]
ولا بأس بصوف كل ميتة تعمل الذكاة في إباحتها. وكذلك شعرها ووبرها وريشها، لأنه طاهر لا روح فيه لا يحله موت. وله أخذه منها حية وميتة، فإن كان عليه نجاسة وجب غسله، وإن لم تصبه نجاسة أحببت غسله من غير أن تجب.
وناب الفيل وعظامه نجسة أخذت منه حيا أو ميتا.
وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح جميعه، ولم يؤكل، ولا يباع. فإن كان جامدا طرحت وما حولها، وأكل ما بقي.
واختلف أصحابنا في الاستصباح بالدهن النجس، فأجازه بعضهم، ومنع منه بعضهم. وبالمنع أقول.
ولا بأس بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم. ولا تؤكل شحوم ما ذكوه في إحدى الروايتين، وتؤكل في الأخرى.
ولا يؤكل ما ذكاه مجوسي بكلبه. فإن أخذ مسلم كلب مجوسي غير معلم فعلمه المسلم واصاد به أكل صيده أيضا. وقيل عنه: لا يؤكل، لأن تعليم المجوسي كذكاته. ولا بأس بأكل ما اصاده المجوسي من السمك والجراد.
[ ٣٨٠ ]