قال الله ﷿: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة:٢٨٣].
والرهن جائز في الحاضر والمشاع، والسفر والحضر.
ولا يصح الرهن إلا مقبوضا.
وضمان الرهن من الراهن ما لم يجنِ عليه المرتهن، أو يفرط في حفظه. فإن فعل، فضمانه عليه.
ونماء الرهن رهنٌ معه، إن كان لا يفسُدُ بالبقاء، وإن كان مما يفسد بالبقاء باعه المرتهن، إن كان الراهن جعله وكيلا في البيع، أو الحاكم إن لم يكن الراهن جعل ذلك للمرتهن، وكان ثمنه رهنا.
وولدُ الأمة الرهن الحادث بعد رهنها رهن معها، وكذلك نتاج الماشية.
وما هلك من الرهن بيد أمين، فمن مال الراهن.
ومن رهن سلعتين صفقة واحدة لم تخرج إحداهما من الرهن بقضاء نصف الدين، وكذلك الرهن الواحد يُقضى أكثر ما عليه يكون رهنا بما بقي.
وكذلك لو رهن رجلان دارا لهما عند رجل صفقة واحدة على ألف درهم، ثم جاء أحدهما بخمس مئة درهم فأقبضها المرتهن كانت الدار كلها رهنا على ما بقي، ولم تخرج حصة الدافع من الرهن.
[ ٢٤٤ ]
ولو رهنه عبدا فقُتل العبد، فأخذ مولاه قيمته كانت رهنا مكانه. فإن جنى العبد الرهنُ جنايةً تحيط بقيمته، فهي في رقبته. فإن فداه المولى، فهو رهنٌ بحاله. وإن سلمه بجنايته كان عليه بقدر قيمته تكون رهنا مكانه. فإن مات العبد الرهن كان دين المرتهنبقايا في ذمة الراهن، وليس له مطالبته برهن يكون في يده مكانه. فإن أعتق المولى العبد الرهن نفذ عتقه، ولزمه أن يجعل بقدر قيمته رهنا مكانه.
ورهنُ الشجر دون الأرض والولد دون الأم، والثمرة دون الأصل جاز.
ومتى هلك الرهن هلاكا يتعلق ضمانه بالمرتهن، واختلفا في قيمته، كان القول قول المرتهن في القيمة، مع يمينه عند عدم بينة الراهن على ما يدعيه من القيمة. وإن هلك الرهن بغير جناية من المرتهن عليه كان من مال صاحبه، ودين المرتهن باق بحاله، وله المطالبة. فإن اختلفا في رهنه، فقال المالك: هووديعة، وقال مَن هو في يديه: بل هو رهن عندي، كان القول قول المالك مع يمينه، إلا أن يأتي الآخر ببينة على ما يدعيه من الرهن. وكذلك لو اختلفا في قدر ما عليه من الحق، فقال الراهن: رهنته عندك على مئة. وقال المرتهن: على مئتين. كان القل قول الراهن مع يمينه عند عدم بينة المرتهن على ما يدعيه من الزيادة.
ولا ينتفع المرتهن بشيء من الرهن، إلا ما كان مركوبا، أو محلوبا، فيركب ويحلب بمقدار العلف، بيد أن لا يُعجفه، ولا يُنهكه بالحِلاب والركوب. فإن كانت قيمة اللبن أكثر من قدر العلف، كان الفضل للراهن. وإن كانت قيمة ذلك أقل من قدر العلف، كان الفضل على الراهن.
قال: ولا يحلب ولا يركب إلا بإذن مالكه.
وما عدا ذلك من الرهون إذا احتاجت إلى مؤنة من طعام، أو أجرة مخزن، وما في معنى ذلك، فعلى الراهن.
وكفن العبد الرهنِ إذا مات على الراهن دون المرتهن.
[ ٢٤٥ ]
وبيع الرهن غير جائز؛ لأنه وثيقة بحق المرتهن، فإن اتفقا على بيعه ليقضيه حقه من ثمنه جاز.
فإن كان الدين مؤجلا، فأذن المرتهن للراهن في بيعه قبل محل أجل الدين، فقد خرج بذلك من الرهن، ولا يستحق المطالبة بدينه، إلا عند محل أجله.
ولا يستحق أخذ ثمنه ليكون رهنا في يده، ولا مطالبة الراهن برهن يكون مكانه؛ لأن المرتهن اختار إخراجه من الوثيقة، فإن شاء الراهن تعجيل قضاء الدين قبل محله كان ذلك له، وكان به متطوعا.
ولو وكل الراهن المرتهن في بيع الرهن، إن حل الأجل ولم يقضه، كان له بيعه عند محل أجل الدين، إذا امتنع الراهن من الأداء بعد المحل، وقبض حقه من ثمنه. فإن لم يوكله في بيعه لم يجز له أن يبيعه، وإن حل أجل الدين، إلا بإذن الراهن أو الحاكم. فإن وكله ببيعه، ثم فسخ وكالته قبل محل الأجل بغير علمه، كان فسخا صحيحا.
قال: ولا ينبغي له أن يحتال له ويخدعه، وفيه وجه آخر؛ لأنه ليس له فسج الوكالة، ولا إخراجه عنه؛ لأن فيه إبطال حقه من التصرف واستيفاء الدين. وقد منع أحمد بن حنبل ﵁ من الحيلة في غير موضع من كتبه، والأول هو المنصوص عنه.
ولو تصدق الراهن بالدار الرهن، أو وقفها لم يجز، وكان فعله باطلا. ولو قيل: إن عتق العبد الرهن لا يجوز، كما لم يجز وقف الدار الرهن، كان وجها. ولو رهنه رهنا بدين، وله عنده دين آخر بغير رهن، كان الرهن وثيقة بما رهن به دون غيره، ولم يكن للمرتهن حبسه بالدين الذي لا رهن به.
ويُمنع الراهن من وطء الأمة الرهن، فإن أقدم على ذلك أساء، فإذا أتت بولد خرجت من الرهن، ولزمه أن يأتي بقدر قيمتها لتكون رهنا مكانها.
قال: فإن رهنه رهنا وأذن له في إعارته وإكرائه جاز له أن يعيره ويكريه. والأجرة
[ ٢٤٦ ]
للراهن رهن مع الأصل.
ولا يخرج الرهن بالعارية والإجارة من الرهن على معنى قوله. ولو آجره الراهن بإذن المرتهن خرج من الرهن في أحد الوجهين؛ لأن المرتهن حين أذن للراهن بالتصرف فيه يصير مخرجا بذلك عن عقد الرهن. والوجه الثاني: لا يخرج بذلك من الرهن، كما لو أخرجه المرتهن بإذن ربه، فيكون الأجر في الموضعين رهنا مع الأصل.
[ ٢٤٧ ]