ولا بأس بالسلم في العُروض والرقيق والحيوان، وكل ما يكال ويوزن بصفة مضبوطة معلومة، وكيلٍ معلوم، ووزنٍ معلوم، وعددٍ معلوم، وأجلٍ معلوم بالأهلَّة، موجودٍ عند المحل.
ويُعجل رأس المال نقدًا وقت السَّلم قبل التفرق. فإن عدم شيءٌ مما ذكرتُه بطل السَّلم. روى ابن أبي نَجيح عن عبدالله بن كثير عن أبي المنهال عن ابن عباس ﵁، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يُسلفون في السَّنتين والثلاث، فقال: " مَن سلَّف فلْيُسلِف في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلوم".
فإن شرطَ مكان الإيفاء كان حسنًا، وإن لم يشترطه كان عليه الإيفاءُ في الموضع الذي عقدا فيه السلف بينهما، إلا أن يكونا في بريَّة، فيلزم ها هنا شرطُ مكان الإيفاء. وقد اختلف قولُه في ذلك على روايتين؛ قال في إحداهما: ولو أسلفه واشترط عليه الإيفاء في غير الموضع الذي عقدا فيه السلم لم يجُز. وقال في الأخرى: ولو أسلفه على أن يوفيه في مكان كذا، ثم لقيه دون مكانه فقال: خُذ طعامك مني، وأنا أحمله إلى مكان كذا، فلا بأس به.
ولا يختلف قوله في السلم في المعدود على روايتين؛ فقال في إحداهما: لا يجوز. وقال في الأخرى: يجوز إذا ضُبط بصفة.
[ ٢٠٥ ]
ولا بأس بالسلم في الخُبز، يقول: خُبُز خُشَار أو حويري.
ويجوز السلم في الرؤوس، يقول: رأس ثَنيٍّ معلوم، رأس ضأن، رأس ماعز.
ولا يجوز السلم إلا بالعين والورِق خاصة، ولا يجوز أن يُسلم غيرها في جنسه ولا في غير جنسه.
ولا يجوز أن يسلم عينا في ورق، ولا ورِقا في عين، ولا ذهبا في ذهب، ولا ورقا في ورق.
ولا يُسلف فيما أصله الكيلُ وزنا، ولا ما أصله الوزن كيلا.
ومَن أسلف في شيء لم يصرفه إلى غيره. فإن أسلم في بُر فعدِم البرَّ عند المحِل ووجد شعيرا، فاختار المُسلم أن يأخذ منه مكان البر شعيرا قفيزًا بقفيز، جاز ذلك في إحدى الروايتين. ولم يجز أن يأخذ معه أكثر من ذلك على حال. والرواية الأخرى: يبطل السلم، وليس للمسلم إلا رأس ماله.
ولا يجوز أن يأخذ من غير جنسه ما أسلم فيه، وبهذا أقول؛ لما رواه عطيةُ بنُ سعد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: " مَن أسلف في شيءٍ فلا يصرفه إلى غيره ".
ولو أسلم في جنسين ثمنا واحدا لم يجُز حتى يُبيِّنا ثمن كل جنس. وكذلك لو أسلفه في كُرِّ حنطة خمسةَ دنانير وخمسين درهما لم يجز أن يُفرد بالذهب منه شيئًا معلوما، وبالورق شيئًا معلوما؛ لأنهما جنسان.
قال: ولا يسلم فيما ينقطع أصله. ولا يجوز أن يُسلم في ثمرة نخلة بعينها، ولا في ثمرة قَرَاح بعينه، ولا في زرع قَراح بعينه، أو قرية بعينها. فإن فعل، فالسلمُ
[ ٢٠٦ ]
باطل. فإن أسلمه في غلّة من طُسوج بعينه جاز.
وإذا أسلم في شيء لم يجز أن يأخذ بعض ما أسلم فيه عند المحل وبعض رأس ماله.
ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه، ولا هبته، ولا الحوالة به. ولا أن يولِّيه غيره. فإن فعل كان فعله باطلا.
ولا بأس بأخذ الرهن والحَميل في السلم في إحدى الروايتين. وهو قول ابن عباس ﵁. والرواية الأخرى: لا يأخذ رهنًا ولا كفيلًا في السَّلم. وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عمر رضوان الله عليهما.
ولو أسلفه في شيء معلوم فخرج الثمن زيوفًا، فعلى روايتين؛ إحداهما: قد بطل السلم كله، كالصرف. والرواية الأخرى: يَرُدُّ من المُسلم بحساب الزائفةِ، ويصح فيما بقي.
قال: ولو أسلفه دراهم في سَلَم، فثبت أنها مسروقة، بطل السلم.
ولا بأس باللحم إذا ذكر جنسه، وضبطه بالصفة: لحم ضأن، لحم ماعز، ثنيّ، رباع، لحم كتف، لحم فخذ. وما في معنى ذلك. وكذلك لا بأس بالسلم في السمن والزبد إذا ضُبط بصفةٍ: ماعزٍ أو ضأنٍ أو بقر. ولا بأس بالسلم في الحرير والثياب إذا ذكر الجنس، والطول، والعرض: ثوب صفيق، خفيف، بين الثوبين. وكذلك لا بأس بالسلم في الشَّهْد؛ لأنه موزون.
واختلف قوله في السلم في البيض والجوز وما في معنى ذلك على روايتين؛ أجازه في إحداهما إذا أمكن ضبطه بالصفة، ومنع منه في الأخرى.
ولا بأس بالسلم في الرقيق، يقول: عبدًا روميًا، حبَشيًا، خُماسيًا أو سُداسيًا.
[ ٢٠٧ ]
وكذلك الحيوان من الدواب يصفها بجنسها ولونها: ثَنيّ، رُباع، قارح، وما في معنى ذلك. فإن أسلم في صوفٍ قال: صوف ضأن أسودَ، أبيض. وقال بعض شيوخنا: ويسمي صوفَ ضأن بلدِ كذا، لاختلافه في البُلدان.
ولو اختلفا في مكان الإيفاء كانَ القولُ قولَ المسلَم إليه مع يمينه. وكذلك لو اختلفا في الأجل.
[ ٢٠٨ ]