والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلال. كذلك روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا.
والصلح على الإقرار، هضم للحق، وإلزام الذمة ما ليس عليها، فإن تطوع المقَر له بإسقاط بعض حقه على طريق الترك بطيبة من نفسه، أو التزم المنكر بعض ما ادعي عليه بطيبة من نفسه، جاز في الوجهين، غير أن ذلك ليس بصلح، ولا هو من باب الصلح بسبيل. فإن أُلزم المقر له ترك بعض حقه، فتركه عن غير طيبة من نفسه، أو ألزم المنكر بعض الدعوى بغير طيبة من نفسه، لم يطب ذلك للآخذ في الوجهين جميعا.
فأما الصلح الجائز؛ فهو صلح الورثة للزوجة من صداقها الذي لا بينة لها به، ولا علم للورثة بمبلغه، فيصح الصلح فيه لتخليص الميت. وكذلك الرجلان يكون بينهما المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمان الطويل، ولا علم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه، فيجوز الصلح بينهما.
وكذلك من كان عليه حق لا علم له بقدره جاز أن يصالح عليه. وسواء كان صاحب الحق يعلم قدر حقه ولا بينة له به، أو لا علم له بقدره.
ويقول القابض: إن كان قد بقي لي عليك حق، فأنت منه في حل. ويقول الدافع: إن كنت أخذت مني أكثر من حقك، فأنت منه في حل.
والصلح جائز بالنقد والنسيئة.
[ ٢٦٥ ]
ويجوز أخذ الكفيل والضمين والرهن بالصلح، فإن أعطاه ضمينا بألف، فصالح الضمين صاحب الحق على بعض الألف، وأبرأه من باقيه، لم يكن للضمين أن يرجع على المضمون، إلا بقدر ما وقع الصلح عليه.
ومتى اختلفا في قدر الصلح، ولا بينة لواحد منهما، بطل، وعاد إلى أصل الخصومة والدعوى.
ولو غصب رجل أرضا، وفع إلى ربها بعض ثمنها صلحا، وأشهد عليه بذلك، والشهود يعلمون ذلك ويعرفون الحال، لم تسعهم إقامة الشهادة للغاصب بالأرض، وكذلك لو علموا على رجل حقا لرجل قد جحده إياه، ثم صالحه على بعضه وأشهدهم على البراءة، لم تحل لهم إثامة الشهادة بالإبراء، مع علمهم ببقاء شيء من الحق في ذمة المبرأ.
قال: ولو صالحه على ألف درهم، ولم يقل: صحاحا أو مكسرة ثم اختلفا، قُضي بينهما بها ألفا صحاحا، إلا أن يتواضعا على شيء فيلزم ذلك.
ومن صالح على شيء رضيه وطابت به نفسه، لم يحل له الرجوع فيه، ولزمه إمضاؤه. والله أعلم بالصواب.
[ ٢٦٦ ]