قال الله ﷿: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة:٢٣٠].
فمن طلق زوجته ثلاثا في لفظ واحد، أو ألفاظ متفرقة، بانت منه، ولم تحل له بملك ولا بنكاح حتى تنكح زوجا غير، وسواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول. فإن طلقها بعد الدخول أقل من ثلاث، فله الرجعة عليها ما لم تنقض عدتها. ولا رجعة له بعد انقضاء العدة، وهو كأحد الخطاب.
وطلاق الثلاث بكلمة واحدة، للطاهر غير المجامعة، طلاق السنة في إحدى الروايتين. والرواية الأخرى: طلاق السنة المستحب: أن يطلقها طاهرا من غير جماع واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإن بدا له مراجعتها في العدة فذاك له، وإلا بانت منه بانقضاء العدة. هذا هو طلاق العدة وطلاق السنة. قال: لأني تدبرت الفرق فلم أجد إلا ذلك. ولو طلقها بعد الدخول في كل طهر لم يصبها فيه طلقة حتى أكمل لها ثلاث طلقات في ثلاثة أطهار، ولم يرتجعها في خلال ذلك، كان مطلقا للسنة أيضا، لا يختلف قوله فيه. ويلزمها بعد الطلقة الثالثة أن تعتد بحيضة واحدة تمام ثلاثة أقراء. فإذا طهرت منها واغتسلت حلت للأزواج. ولو طلقها بعد الدخول واحدة ارتجعها في العدة، ثم طلقها أخرى قبل أن يمسها، فهل تبني على ما مضى من عدتها، أو تستأنف عدة أخرى؟ على روايتين.
ومن طلق أمة طلقة واحدة بعد الدخول، كان له ارتجاعها ما لم تطهر من الحيضة الثانية، وإذا اغتسلت بانت، وكان خاطبا من الخطاب.
وله أن يطلق الصغيرة التي لم تبلغ المحيض، والآيسة من المحيض،
[ ٢٨٨ ]
والحامل، والتي لم يدخل بها متى شاء ما شاء.
وله ارتجاع الحامل في الطلاق الرجعي ما لم تضع حملها، والمعتدة بالشهور ما لم تنقض الشهور الثلاثة، والحرة المعتدة بالأقراء ما لم تطهر من الحيضة الثالثة وتغتسل منها، والأمة ما لم تطهر من الحيضة الثانية وتغتسل منها إن كانت من ذوات الأقراء، وإن كانت صغيرة لم تحض أو آيسة من الحيض ما لم يمض شهران في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: ما لم يمض شهر ونصف.
ولا فرق بين الأمة الحامل والحرة في أن له ارتجاعها ما لم تضع حملها، ولا رجعة له عليهن من بعد ذلك، وهو كأحد الخطاب.
والأقراء: الحيض في الأظهر من المذهب، وعليه العمل. وقد قيل عنه: إن الأقراء الأطهار، فعلى هذه الرواية: إذا طلق الحرة في طهر لم يصبها فيه، فذاك كأحد أقرائها، فإذا حاضت بعد ذلك حيضتين، وطعنت في الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج، وإن كانت أمة، فإذا طعنت في الدم من الحيضة الثانية حلت للأزواج، والأول أظهر عنه، وأصح على أصوله، وبه أقول.
واختلف قوله في الرجعة هل تفتقر إلى الإشهاد أم لا؟ على روايتين. ولو وطئها ونوى به الرجعة، صح.
وينهى عن أن يطلق في الحيض، فإن طلق فيه واحدة، أو ثلاثا وقع الطلاق قولا واحدا. فإن كانت واحدة أُجبر على الرجعة ما لم تنقض العدة، كما أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمر حين طلق زوجته، وهي حائض واحدة أن يرتجعها. وقيل عنه: لا يجبر على الارتجاع. والأول عنه أظهر.
فإن طلقها طاهرا مجامعة كُره له ذلك، ووقع الطلاق، ولم يجبر على الارتجاع فيه إن كان أقل من ثلاث. والتي لم يدخل بها، ولا خلا معها تبينها الطلقة
[ ٢٨٩ ]
الواحدة، ويكون الزوج كأحد الخطاب. ويحرمها الثلاث إلا بعد زوج.
ومن قال للمدخول بها وهي حائض: أنت طالق للسنة. طلقت إذا طهرت من الحيض واغتسلت. وإن قال لها ذلك وهي طاهر مجامعة، فإذا مضى ذلك الطهر ثم حاضت وطهرت واغتسلت، وقع الطلاق عليها.
فإن قال لها وهي حائض: أنت طالق ثلاثا للسنة. وقعت الثلاث جميعا عليها إذا طهرت واغتسلت.
فإن قال لها: أنت طالق للبدعة. طلقت لوقتها إن كانت حائضا أو طاهرا مجامعة. وإن كانت طاهرا غير مجامعة لم تطلق حتى تحيض أو يطأ، فإن وطء حنث بنفس الإيلاج. فإن كان الطلاق أقل من الثلاث انتزع، وكانت له مراجعتها ما كانت في العدة. فإن لم ينتزع واستدام الفعل واعتقد به الرجعة كان رجعة. وإن كان الطلاق ثلاثا حنث بنفس الإيلاج ولزمه الانتزاع. فإن لم ينتزع واستدام الفعل مع العلم بالتحريم لزمه الحد، وإن كان جاهلا بالتحريم أدب ولم يبلغ به الحد.
وإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثا: نصفها للسنة ونصفها للبدعة. طلقت لوقتها ثلاثا، طاهرا كانت أو حائضا.
فإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. بانت منه بالأولى، ولا يلزمها ما بعدها، ولاعدة عليها، وكذلك لو قال لها: أنت طالق فطالق فطالق، وكذلك لو قال لها: أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، لم تطلق إلا بواحدة. فإن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق. طلقت ثلاثا، نص على ذلك. قال: لأنه كلام معطوف بعضه على بعض، فهو كقوله: أنت طالق ثلاثا.
وفيه وجه آخر: أنها تطلق بالأولى، ولا يلحقها ما بعدها، لأن الواو عنده للترتيب، وإنما ينقل إلى الجمع بدليل، فصيرها هنا في معنى الفاز وثم. والأول هو المنصوص عنه.
[ ٢٩٠ ]
فإن قال ذلك كله للمدخول بها، طلقت ثلاثا، إلا في قوله لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق. فإنه إن أراد الثلاث، طلقت ثلاثا، وإن لم يرد عددا طلقت أيضا ثلاثا، وإن لم يرد بقوله ذلك الثلاث، وأراد به واحدة، وقصد بالتكرار تأكيد الأولى وإفهامها أنها قد وقعت بها، طلقت بواحدة، فإن لم يكن له نية في عدد، ولا قصد التأكيد بالتكرار، طلقت ثلاثا قولا واحدا.
ومن قال لزوجته: أنت طالق. فهي واحدة، فإن نوى ثلاثا فهي ثلاث. ولا اعتبار بالنية في صريح الطلاق في الصحيح من المذهب. فإن قال لها: يا مطلقة، وأراد من زوج كان قبله، وكانت كذلك حقيقة، كان القول قوله، ولم تطلق.
فإن قال: أنت طالق إن شاء الله طلقت زوجته، قال: لأن ذلك ليس باستثناء.
والخلع طلقة تبين الزوجة إذا سماها، أو نواها في الخلع قولا واحدا، فإن لم يسم طلاقا ولا نواه، وأراد الفسخ، فقال: قد خلعتك. فهل يكون ذلك طلاقا أم فسخا بغير طلاق؟ على روايتين: إحداهما: الخلع طلقة تبين الزوجة على كل حال، ولا تحل له إلا بنكاح جديد. فإن تزوجها عادت عنده على ما بقي من الطلاق، والرواية الأخرى: تكون فسخا بغير طلاق، فإن تزوجها كانت عنده على ثلاث، وهذا اختياري.
فإذا قال لها بعد تمام الخلع: أنت طالق واحدة أو ثلاثا، لم يلحقها الطلاق لأنها بائن منه. ويصح الخلع على الفدى قولا واحدا، وعلى غير فدى في الأظهر من القول.
فإن قال لها: أنت خلية، أو بريّة، أو بائن، أو بتة، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، ولم يكن تقدم ذلك خصومة ولا مسألة طلاق، وقال الزوج: لم أُرد
[ ٢٩١ ]
الطلاق، بل أردت شيئا آخر قبل قوله في إحدى الروايتين، ولم يقبل في الأخرى، وكذلك لو قال: أردت طلاقا أقل من ثلاث. وإن كان قد تقدم ذلك خصومة ومسألة طلاق، كان كل واحد من هذه الألفاظ ثلاثا ثلاثا في الصحيح عنه، ولا يلتفت إلى قوله فيما يخالف ذلك.
والموهوبة لأهلها إن قبلوها طلقت بواحدة في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى: تطلق ثلاثا، وإن لم يقبلوها لم يقع شيء من الطلاق.
ولو قال لها في الغضب: أنت حرة لوجه الله. ونوى به الطلاق كان ثلاثا. وإن قال ذلك في غير الغضب، وقال: أردت بذلك وصفها بالحرية والفضل، ولم أرد به الطلاق، صُدق، ولم يلزمه طلاق.
فإن قال لها: أنت علي حرام، أعني به الطلاق. لزمه ثلاث. فإن قال: أنت علي حرام، أعني به طلاقا. لزمه واحدة. فإن قال: أنت علي حرام، ولم يزد على هذه اللفظة لم يلزمه طلاق وإن نواه، ولزمه كفارة الظهار، فإن قال لها: يا مطلقة. وقال: أردت به من زوج كان قبل، صدق، وإن لم يوجد ذلك قال: خفت عليه.
ومن قيل له: طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، لزمه طلقة في الحكم. فإن قيل له: ألك امرأة فقال: لا، لم يلزمه شيء.
فإن قال: اعتدي، فعلى روايتين: إحداهما: هي واحدة، يملك الرجعة، والرواية الأخرى: هي ثلاث.
فإن قال: أنت طالق لا رجعة فيها ولا مثنوية، كان كقوله: أنت خلية، أنت برية.
فإن قال: أنت طالق كألف، كانت ثلاثا. فإن قال: أنت طالق مثل هذا البيت، فهي واحدة، وهو أحق بها، قال: إلا أن يكون أراد بذلك التغليظ بأن تبين منه فيكون ثلاثا. فإن قال: أنت طالق غليظة، أو شديدة. كانت واحدة. فإن قال: اذهبي
[ ٢٩٢ ]
فانكحي من شئت، وأراد بذلك الطلاق كانت طلقة. وكذلك لو قال لها: لا حاجة لي فيك، وأراد بها الطلاق، كان طلاقا. ولو قال: استبرئي رحمك، وأراد به الطلاق كانت طلاقا.
والمطلقة قبل الدخول والخلوة، وقد سمى لها صداقا تستحق نصف المسمى إلا أن تعفو هي عنه، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الزوج في الصحيح عنه، قيل عنه: الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، وذلك محمول عندي من قوله على الصغيرة التي في حجره، فأما الكبيرة فلا. وقد روي عن علي بن أبي طالب وجبير بن مطعم أنهما قالا: الذي بيده عقدة النكاح: الزوج.
واختلف قوله في المخيرة قبل الدخول إذا اختارت الفرقة، فهل لها صداق أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: إذا اختارت نفسها فلا صداق لها، وقال في الأخرى: لها نصف الصداق، فإن كانت أمة، فالعفو عن صداقها إلى سيدها؛ لأنه المالك له دونها.
ومن طلق غير المدخول بها، ولم يكن سمى لها صداقها، فلها المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره. قيل: أعلاه خادم، وأدناه كسوة، يجوز لها أن تصلي فيها. وقيل عنه: بل يكون المتاع بقدر نصف صداق مثلها، إلا أن تشاء هي أن تنقصه، أو يشاء هو أن يزيدها.
ومن طلق المدخول بها كان لها المسمى كاملا، أو مهر مثلها عند عدم التسمية. وهل لها مع التسمية واستيفاء المسمى متاع أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: لا متاع لها، وهو الصحيح.
ولا متعة للمختلعة قولا واحدا.
فإن تزوج على غير المسمى، ومات قبل الدخول والفرض له، كان لها
[ ٢٩٣ ]
الميراث و[مثل] صداق نسائها.
وترد المرأة الحرة في النكاح بالجنون، والجذام، والبرص، والعَفَل، والقرن، والفتق، والرتق، وقيل: والكوسج، فترد بهذه الخصال، ولكل واحدة منها. وكذلك الرجل إذا كان مجنونا، أو مجذوما أو أبرص، أو مجبوبا، كان للمرأة فراقه بغير أجل إن شاءت.
فأما العنين فإنه يؤجل سنة من يوم ترافعه، فإن وطء، وإلا كان لها فراقه إن اختارت ذلك. فإن امتنع من طلاقها، فرق الحاكمبينهما إذا طالبت المرأة بذلك. فإن ادعى أنه أصابها فأنكرته، فإن كانت ثيبا كان القول قوله مع يمينه في إحدى الروايتين. والرواية الأخرى: قال: يؤمر بالخلوة معها، ويقال له: طأ، وأخرج ماءك على شيء، فإن خالفته فيه وقالت: إنه ليس بمني، عرض على النار، فإن كان منيا فسيذوب، وإن جمد علم أنه ليس بمني.
وإن كانت بكرا وادعى الوصول إليها، ولم تصدقه نظر إليها القوابل، فإن قلن: إنها عذراء. بطل قوله.
والمفقود يضرب له أجل أربع سنين من يوم ترفع امرأته أمره إلا الحاكم، ثم تعتد عدة وفاة أربعة أشهر وعشرا، ثم لها أن تتزوج من اختارت، ويقسم ماله بين ورثته، فإن جاء الزوج الأول وقد تزوجت، خير بين المرأة وبين الصداق الذي ساقه إليها، فإن اختارها، فهي زوجته بالنكاح الأول، وينزل الثاني عنها. ولا يطؤها الأول
[ ٢٩٤ ]
حتى تعتد من الثاني إن كان أصابها. وإن اختار الصداق فذلك له، وهي زوجة الثاني.
وروي عنه رواية أخرى في زوجة المفقود: أنها تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرا، ثم يقال للولي: طلق بعد ذلك، فعلى هذه الرواية: إذا لم يجئ الزوج بعد مضي المدة، فإن الولي يطلقها ثم أمرناها أن تعتد بعد الطلاق بثلاث حيض لتجمع بين العدتين، عدة وفاة وعدة طلاق، كما قال في المطلقة في مرض الموت: إنها تجمع بين العدتين. قال: فإن تزوجت امرأة المفقود قبل مضي المدة فرق بينها وبين الثاني.
فإن أتت بولد يمكن أن يكون منه كان للثاني.
وقد روي عنه: أنه توقف عن الجواب في المفقود، وقال: قد كنت أقول: إنها تتزوج بعد التربص وقد وهبت الجواب فيها لما قد اختلف الناس فيها، فكأني أحب السلامة. وهذا من قوله يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك من قوله رجوعا إلى أنها لا تتزوج، وتبقى على حكم التربص والانتظار له إلى أن يثبت موته، أو طلاقه، أو يمضي من الزمان ما لا يعيشه مثله، كما قلنا في المتيمم الواجد للماء بعد التلبس بالصلاة: إنه كان يقول: يمضي، ثم رأيت أكثر الأحاديث على أن يقطع، وأنا أقول: يقطع. فصار هذا من قوله رجوعا.
والوجه الثاني: أن المسألة على قولين، لأنه قال: قد هبت الجواب للاختلاف فيها، ولم يقل: وأنا أقول: إنها تتربص أبدا، كما قال في مسألة التيمم: وأنا أقول: يقطع. فالمسألة ها هنا على قولين: الأول: إذا فقدت زوجها تربصت أربع سنين، ثم اعتدت شهرين وخمسة أيام حرا كان زوجها أو عبدا. وعلى الرواية الأخرى: يطلقها الولي بعد مضي المدة، ثم تتربص حتى تحيض
[ ٢٩٥ ]
حيضتين إن كانت من ذوات الأقراء، وإن كانت صغيرة أو مؤيسة، فشهرين في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: شهر ونصف.
والعبد إذا فقد وتحت حرة تربصت به أربع سنين، ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرا، وكان حكمها حكم الحرة التي تفقد زوجها الحر على ما ثبت من الاختلاف فيها عنه.
ولا تخطب المعتدة قبل انقضاء عدتها. ولا بأس بالتعريض لها بالقول المعروف.
ومن نكح بكرا أقام عندها سبعا دون سائر نسائه. وإن كانت ثيبا أقام عندها ثلاثا، ثم ابتدأ القسم.
ولا يجمع بين أختين بملك اليمين في الوطء في الصحيح عنه، ومتى وطئ إحداهما لم يكن له أن يطأ الأخرى، حتى يحرم فرج الأولى عليه بعتق، أو بيع، أو هبة، أو نكاح، ولا يجمع بينهما في عقد النكاح بالإجماع.
ومن وطئ أمة بملك اليمين حرم عليه أمهاتها وإن علون، وبناتها وإن سفلن، وحرمت هي على آبائه كتحريم النكاح.
وكذلك وطء الأمة بين الشريكين.
ولا طلاق لصبي لا يعقل الطلاق قولا واحدا، وذلك إذا كان له عشر سنين فما دونها، فإن كان له اثنتا عشرة سنة فما زاد، ولم يكن قد احتلم، وكان يعقل الطلاق فطلق، لزمه، ووقع الطلاق في الظاهر من قوله. وقد قيل عنه: لا يقع طلاقه ما لم يبلغ الحلم، أو خمس عشرة سنى، وبهذا أقول.
وطلاق المجنون، والمبرسم، والنائم، والموسوس، لا يقع قولا واحدا.
[ ٢٩٦ ]
وطلاق الأخرس الذي يفهم الإشارة ويُفهمها واقع.
ومن كتب طلاق زوجته بيده، ونواه بقلبه وقع قولا واحدا، وإن لم يتلفظ به. فإن كتب بيده ولم ينوه وقع في الظاهر من قوله، وقيل عنه: لا يقع.
ومن وكل رجلين في طلاق زوجته، فطلقها أحدهما، لم يقع طلاقه، فإن طلقها أحدهما ثلاثا، وطلق الآخر واحدة وقعت الواحدة التي اجتمع الوكيلان عليها، إلا أن يكون جعل إليهما أن يطلقها على الاجتماع والانفراد، فيقع ما أوقعه كل واحد منهما.
فإن وكل رجلا في أن يطلق زوجته طلقة واحدة فطلقها ثلاثا، وقعت واحدة.
فإن ملك زوجته أمرها، فقالت: طلقتك ثلاثا، أو أقل، لم يقع شيء.
وطلاق العبد طلقتان لزوجته الحرة أو الأمة. فإن كان نصفه حرا ونصفه رقيقا، كان طلاقه ثلاثا للحرة والأمة.
وطلاق الحر ثلاث للحرة أو الأمة، لأن الطلاق أبدا بالرجال عنده، والعدة بالنساء.
واختلف قوله في العبد يطلق زوجته الأمة طلقتين، ثم يُعتقان جميعا على روايتين: قال في إحداهما: له أن يتزوجها، وتكون عنده على طلقة واحدة، وهو قول عبدالله بن عباس، وجابر بن عبدالله، وأبي سلمة، وقتادة رضوان الله عليهم.
وقال في الرواية الأخرى: قد حرمت عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، لأن أقصى طلاق العبد طلقتان، فإذا وُجدتا منه فقد ارتفع حكم نكاحه، ولم يبق منه شيء، فطريان العتق بعد ذلك لا يحلها له.
وغّا زوج الأبوان الصغيرين، ثم اختارا التفريق بينهما قبل البلوغ، فهل لأبي الغلام أن يطلق عليه أم لا؟ على روايتين.
والمملكة أمرها لها أن تقضي في نفسها ما شاءت، أي وقت شاءت، والقضاء
[ ٢٩٧ ]
ما قضت، ولا يخرج الأمر عن يدها، إلا أن يرتجعه منها، أو يطأها قبل أن تقضي بشيء، فإن طلقت نفسها ثلاثا، فقال الزوج: لم أجعل إليها بالتمليك إلا واحدة، لم يُلتفت إلى قوله، وكان القضاء ما قضت.
والمخيرة لها أن تقضي ما كانا في المجلس، فإن قاما من مجلسهما قبل أن تختار، فقد بطل الخيار. وليس للمخيرة أن تُطلق نفسها إلا واحدة. فإن طلقت نفسها أكثر منها لم يقع ما زاد على الواحدة.
ومن طلق شعر امرأته، أو ظُفرها، أو سنها، لم يقع شيء من الطلاق. وأي شيء طلق منها غير ذلك وقع الطلاق على جملتها.
ومن طلق بعض طلقة لزمه طلقة كاملة. ومن قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا نصفها للبدعة، ونصفها للسنة. طلقت في الحال ثلاثا، طاهرا كانت أو حائضا.
ومن حلف بالطلاق ليفعلن محرما في وقت عينه، نهيناه عن فعله، وأمرناه بالطلاق، لأنه مباح، وفعل المحظور حرام، قيل لأحمد ابن حنبل ﵁: ما تقول في رجل حلف على زوجته بالطلاق ليطأنها في وقت عينه، فإذا هي حائض؟ فقال: ليُطلقها، ولا يطأها، فإن الله تعالى أباح الطلاق، وحظر وطء الحائض.
وإن كان لم يوقت وقتا، ولا أراد قرب الحال، لم يفعل، ولم يحنث إلا بموت أحدهما قبل الفعل. فإن أقدم على فعل ما حلف ليفعلنه من المحظور عصى الله سبحانه، ولم تطلق زوجته. ومن قال لزوجته: أنت طالق رأس الشهر، أو رأس السنة. لم تطلق إلا عند محل الأجل المشروط. وله وطؤها والاستمتاع بها إلى أن يحل الأجل، وأيهما مات قبل محل الأجل ورثه صاحبه. وكذلك لو قال/ أنت طالق إلى الحول. وقد قيل عنه ها هنا: إن الطلاق يقع في الحال. والأول عنه أظهر.
ومن قال للمدخول بها: إذا طلقتك فأنت طالق. فطلقها واحدة طلقت
[ ٢٩٨ ]
باثنتين. فإن كانت غير مدخول بها بانت بطلقة المواجهة دون طلقة الصفة. فإن قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق. ولم يرد قرب الحال، ولا عين وقتا لم يحنث إلا بآخر أوقات الإمكان. وقيل: لايحنث إلا بعد الموت، فأيهما مات قبل إيقاع الطلاق وقع الحنث بموته، وورثه صاحيه إذا كان الطلاق أقل من ثلاث.
وإن قال لها: إذا شفى الله مريضي، أو قدم غائبي فأنت طالق، لم تطلق إلا بقدوم الغائب وشفاء المريض. فإن مات المريض من مرضه ذلك، أو مات الغائب في تلك الغيبة لم تطلق.
ومن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. بكسر الهمزة لم تطلق إلا أن تدخلها بعد اليمين، أو تدخل بعض أعضائها الدار في الظاهر من قوله. وقد ذكرت الخلاف عنه في هذه المسألة من باب الأيمان من كتابي هذا. فإن قال: أنت طالق أن دخلت الدار. بفتح الهمزة، والحالف من أهل اللسان، فإن كان تقد لها دخولٌ إلى تلك الدار قبل اليمين، طلقت في الحال، لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل، وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال، لم تطلق، وإن دخلت الدار بعد اليمين، إذا كان الحالف قصد بيمينه الفعل الماضي دون المستقبل، لأن ذلك بمعنى: إن كنت دخلت الدار فأنت طالق.
وإن كان الحالف جاهلا باللسان وإنما أراد باليمين الدخول المستقبل، فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقت بما حلف به قولا واحدا. وإن كان تقدم لها جخول إلى الدار قبل اليمين، فهل يحنث بالدخول الماضي أم لا؟ على وجهين: أصحهما: لا يحنث. فإن قال: أنت طالق إن لم تدخلي الدار. فأدخلها بعض أعضائها، لم يبر حتى تدخلها بجملتها.
[ ٢٩٩ ]
ومن طلق بقلبه ولم يتلفظ به بلسانه لم يقع طلاق حتى يتكلم له.
ومن طلق بالفارسية وقع طلاقه، ولزمه منه ما نواه وأراده.
وطلاق المكره لا يقع. ولا يكون مكرها إلا أن ينال بشيء من العذاب نحو الضرب، أو الحبس، أو القيد، أو عصر الساق، وما في معنى ذلك. فأما التواعد فليس بإكراه.
ومن قال لزوجته: أنت طالق، ولانية له في عدد، طلقت منه ثلاثا في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى: إن نوى ثلاثا كانت ثلاثا، وإن لم ينو عددا، فهي واحدة.
وطلاق السكران الزائل العقل واقع في إحدى الروايتين، وغير واقع في الأخرى. وطلاق كل زائل العقل بغير سكر لا يقع قولا واحدا.
ومن طلق زوجته طلقة واحدة، ثم ارتجعها في العدة أو بعد انقضائها قبل أن تنكح زوجا غيره، عادت إليه على ما بقي من طلاقها قولا واحدا. وإن كانت تزوجت قبل ارتجاعه لها من أصابها، ثم طلقها، ثم تزوجها الأول، فهل تعود إليه على ما بقي من الطلاق، أم يملك عليها ثلاث طلقات مستقبلات؟ على روايتين.
ومن طلق بلسانه، واستثنى بقلبه وقع طلاقه، ولم ينفعه الاستثناء، حتى يتكلم به موصولا باليمين بلا فصل يمكنه الكلام في مثله.
ومن قال: كل امرأة أتزوجها طالق، أو إن تزوجت فلانة، فهي طالق. فلا حكم لهذه اليمين، ومتى تزوج لم تطلق الزوجة باليمين المتقدمة، وقد يتوجه على معنى قوله، أن نطلق منه باليمين المتقدمة، لأنه قال فيمن قال لزوجته: إن تزوجت عليك فلانة، فهي طالق، أو قال: كل امرأة أتزوجها عليك طالق. فمتى تزوج عليها طلقت الثانية بنفس العقد عليها في إحدى الروايتين، قال: لأن هذه اليمين لها، يعني لزوجته الأولى. وفي الرواية الأخرى: لا فرق بين أن يحلف لزوجته، أو يقول: كل امرأة أتزوجها طالق، فإنها لا تطلق إلا بطلاق يُستأنف بعد العقد، فتصير
[ ٣٠٠ ]
المسألتان على قولين.
ومن طلق واحدة من نسائه ثلاثا، ثم جهلها عينا، أقرع بينهن، فمن وقع عليها سهم الطلاق أخرجها. فإن كان هو تولى الإقراع بينهن بنفسه، فوقع سهم الطلاق على واحدة فأخرجها، ثم تيقن أن المطلقة غيرها أخرج المطلقة ورد تلك، إلا أن تكون قد قضت العدة منه، وتزوجت غيره، فلا سبيل له عليها وهو شيء قد فات، ويخرج الأخرى التي تيقن أنها المطلقة.
وإن كان الحاكم أقرع بينهن، فأخرج إحداهن بالقرعة وجعلها المطلقة فلا ترجع إليها، لأنها حرمت عليه بالطلاق الثلاث، ولم يُعد المخرجة إلى حباله تزوجت أو لم تتزوج، لأجل حكم الحاكم، وفي هذا قوله، دليل على أن لحكم الحاكم تأثيرا في التحريم.
ومن قال: امرأتي طالق، وله زوجات، ولم ينو بالطلاق واحدة منهن بعينها، وقع على كل واحدة منهن طلقة. وكذلك لو كان الطلاق ثلاثا، طلقن كلهن ثلاثا ثلاثا.
ومن قال لزوجتيه: إحداكن طالق. ولم ينو واحدة منهن بعينها، كان له صرف الطلاق إلى من شاء منهن في إحدى الروايتين، وفي الرواية الأخرى قال: يقرع بينهن، فيخرج المطلقة منهن بالقرعة.
ومن طلق في مرض موته وقع طلاقه، وورثته امرأته في العدة وبعد العدة ما لم تتزوج. فإن التمست الزوجة منه الخلع، فخلعها في مرض موته لم ترثه في العدة ولا بعدها، لأن الفرقة جاءت من قِبلها.
وكذلك لو خيرها، فاختارت فراقه لم ترث، إن مات من مرضه ذلك. وكذلك لو ارتدت، أو فعلت عفلا تحرم به عليه، لم ترثه، لأنها هي السقطة لحقها من
[ ٣٠١ ]
الميراث.
ومن قال لزوجته: أنت طالق إن عملتِ كذا. لم تطلق إلا بوقوع الصفة. فإن قال: إن لم أفعل كذا فأنت طالق، فإن أراد قرب الحال، فلم يفعل ما حلف عليه حتى مضى من الزمان ما يقدر على الفعل فيه حنث، فإن عين وقتا لم يحنث إلا بمجيء الوقت قبل الفعل، وإن لم يُرد قرب الحال، ولا عين وقتا، فاليمين على التراخي، ولا يحنث إلا بآخر أوقات الإمكان، فإن مات قبل الفعل ورثته، وسواء كان الطلاق ثلاثا أو واحدة.
وإن كانت هي الميتة، لم يرثها إن كان الطلاق ثلاثا، فإن قال: إذا لم أفعل كذا فأنتِ طالق، فاليمين على الفور، وقال بعض أصحابنا: إنها على التراخي، والأول أظهر، فإن قال: متى لم أفعل كذا فأنت طالق. فاليمين على الفور قولا واحدا.
ومن قال لزوجته وهي حامل: إن ولدت غلاما فأنت طالق واحدة، وإن ولدت جارية فأنت طالق ثلاثا. فولدت غلاما، ثم ولدت جارية طلقت واحدة بوضع الغلام، ولم يلحقها الطلاق بوضع الجارية، لأن عدتها تنقضي بوضع الجارية، وتحصل بذلك البينونة، فلا يلحقها بعد ذلك طلاق، ويصير الزوج كأحد الخطاب.
[ ٣٠٢ ]