ومن أعتق بعض عبده عتق جيعه. فإن أعتق شعر أمته أو ظفرها أو سنها لم تعتق، كما قلنا في الطلاق.
ومن أعتق شركا له في عبد قوم عليه حصة شريكه منه إن كان موسرا قولا واحدا، وإلا عتق ما عتق إن كان معسرا، ورق ما بقي.
وفي استسعاء العبد لباقي مواليه روايتان: قال في إحداهما: يسعى في فكاك رقبته، وقال في الأخرى: لا يُستسعى. وهل تعتبر القيمة إن كان المعتق موسرا يوم أعتق أو يوم يقع التقويم؟ على وجهين. فإن كان عبدا بين جماعة عتقوه جميعا معا عتق، وكان ولاؤه بينهم بالحصص.
ومن أعتق حاملا كان جنينها حرا بعتقها قولا واحدا. فإن أعتق الحمل دونها عتق الجنين ولم تعتق. فإن أعتقها دون جنينها عتقت دون ولدها في الظاهر من قوله. ويتوجه أن يعتق الولد بعتقها، ولا يصح استثناؤه؛ لأنه بضعة منها، كبعض أعضائها؛ ولأنه نهي عن بيع الحمل دون أمه؛ لدخول الغرر والجهالة فيه. ونهي عن استثناء المجهول من المعلوم، وكذلك هذا. والأول هو المنصوص عنه.
ولا يعتق في الرقاب الواجبة من فيه جزء من حرية، ولا أقطع اليدين، ولا إحداهما، ولا أقطع الرجلين ولا إحداهما، ولا أعمى، ولا أعور، ولا تجزئه في كفارة القتل إلا الرقبة المؤمنة، السليمة من العيوب قولا واحدا. وهل تجزئه الكتابية في
[ ٤٣٨ ]
سائر الكفارات الواجبات سوى القتل أم لا؟ على روايتين.
وليس للسفيه المحجور عليه، ولا الصبي إتلاف أموالهما. فإن أعتق المحجور عليه فعتقه باطل في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى قال: إن أعتق البالغ المحجور عليه نفذ عتقه؛ لأنه استهلاك. وبالأول أقول.
فإن أعتق الصبي وله أقل من عشر سنين، كان عتقه باطلا قولا واحدا. وكذلك الجارية إذا كان لها أقل من تسع سنين. فإن كان للغلام عشر سنين فصاعدا، وللجارية تسع فصاعدا، فعتقا وهما يعرفان العتق ويعقلانه، صح عتقهما في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: لا يقع عتقهما حتى يبلغا الحلم. وبهذا أقول.
ومن قال لعبده: أنت حر، عتق عليه. وكذلك لو قال له: أنت لله، صار حرا، وكذلك لو قال له: لا ملك لي عليك. فإن قال: لا سبيل لي عليه، فهل يعتق أم لا؟ على روايتين.
ومن أعتق نسمة مسلمة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار. وقيل عنه: إذا عتق الرجل أمتين أعتق الله بكل عضوين منهما عضوا منه من النار.
وأفضل الرقاب أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها. ومن قال لعبد غيره: أنت حر في مالي. فلم يجز ذلك المولى، لم يعتق العبد قولا واحدا. وإن أجاز المولى ذلك، فالأظهر عنه أنه لا يعتق. ويتوجه أن يعتق بالإجازة، كما قال في النكاح الموقوف على الإجازة في إحدى الروايتين عنه.
فإن قال الرجل: أعتق عبدك وعلي ثمنه. فعتقه المولى نفذ عتقه، وكان له الثمن على الآمر، والولاء للمعتق. فإن قال له: أعتق عبدك هذا عني، وعلي ثمنه. ففعل عتق، وكان على الآمر ثمنه، وولاؤه للمعتق عنه.
ولو قال: أنت حر رأس الشهر. لم يعتق حتى يحل الأجل. وله بيعه قبل أن
[ ٤٣٩ ]
يحل الأجل إن شاء.
ومن أعتق عبدا واستثنى خدمته شهرا أو سنة كان جائزا؛ فقد أعتقت أم سلمة زوج النبي ﷺ سفينة على أن يخدم النبي ﷺ.
واختلف قوله: هل للمعتِق أن يبيع خدمة عبده التي استثناها أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى. فإن قال: إذا خدمتني سنة فأنت حر. لم يعتق حتى يوفي خدمة السنة ثم يعتق. فإن مات السيد قبل تمام السنة، كان العبد ميراثا لورثة السيد. فإن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر. فمتى أوجبه بالبيع عتق.
فإن قال ذمي لعبده: إذا خدمت البيعة سنة فأنت حر. فخدمها بعض السنة ثم أسلم، فقد اختلف قوله ههنا على روايتين: قال في إحداهما: على العبد أجرة ما بقي من خدمة السنة، وهو حر، وقال في الأخرى: إذا أسلم فقد عتق ولا يرجع المولى عليه بشيء.
وكذلك اختلف قوله في الرجل يقول لعبيده: أيكم يأتيني بخبر كذا، فهو حر. فأتاه بذلك الخبر اثنان معا أو أكثر، على روايتين: قال في إحداهما: قد عتق واحد منهم فيقرع بينهم، فمن قرع منهم صاحبه عتق. وقال في الأخرى: قد عتقوا جميعا.
فإن قال لجاريته: إذا خدمت ابني هذا حتى يستغني، فأنت حرة. لم تعتق حتى يكبر الغلام ويستغني عن الرضاع، ويحتمل أن لا تعتق حتى يستغني عن الرضاع، وعن أن يُلقم الطعام، وعن أن ينجى من الغائط.
ومن أعتق صبيا أو شيخا لا حرفة له، ولا وارث له غير سيده، لزم مولاه الإنفاق عليه والقيام بجميع مؤنته مما لا غنى به عنه، لأنه وارثه.
[ ٤٤٠ ]
فإن قال لعبده: قد عتقتك على أن تعطيني ألفا. فقال العبد: لا أرضى، عتق ولم يلزمه شيء من الألف، فإن قال له: قد عتقتك على ألف. فقال: لا أرضى، لم يعتق.
ومن أعتق عبدا من عبيده بغير عينه، أقرع بينهم، فأخرج المعتق بالقرعة. وكذلك لو قال: أعتقوا عني أحد عبدي هذين. فتشاحا أقرع بينهما فمن وقع عليه منهما سهم حرية عتق.
ولا اعتبار بالنية في العتق في الظاهر من قوله، فإن قال لعبيده: أنتم أحرار، وفيهم من لا يريده بالعتق ولا قصده عتق جميعهم، وإن كان قد نوى بالعتق بعضهم.
وقد روي عنه أنه اعتبر النية في العتق وأنه لا يعتق منهم إلا من أراده بالعتق دون من لم يرده، فقال في رجل قال: كل مملوك لي حر. وله عبيد وأشقاص من عبيد بينه وبين غيره، قال: يعتق عليه كل مملوك له خاصة، ولا يعتق ما له من الأشقاص إلا أن يقصدهم ويريدهم بالعتق.
ومن قال: كل عبد لي حر، وله عبيد ومكاتبون ومدبرون، فإذا قلنا: إن النية غير معتبرة في العتق، فقد عتق جميعهم. وإذا قلنا: إنها معتبرة فيه. فإن كان نوى عتق جميعهم، أو لم تكن له نية في عتق بعضهم دون بعض، عتق جميعهم، وإن نوى عتق بعضهم، عتق من نواه منهم دون من لم ينوه.
ومن قال لعبيده: أقدمكم عندي حر. عتق منهم من له في ملكه سنة. واحتج لذلك بقوله تعالى: ﴿والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم﴾ [يس: ٣٩].
[ ٤٤١ ]
فإن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله. عتق.
ولو دفع عبد إلى رجل مالا، فقال له: ابتعني من مولاي وأعتقني. فإن ابتاعه المأمور بمال من عنده وأعتق صح الشراء ونفذ العتق قولا واحدا، وولاؤه للمعتق. وعليه رد ما أخذه من العبد من المال إلى مولاه. وإن اشتراه المأمور بعين المال الذي دفعه العبد إليه وعتقه، فعنه في ذلك روايتان: أظهرهما: أن الشراء والعتق باطلان، والعبد للمولى والمال جميعا. والرواية الأخرى: قال: الشراء والعتق جائزان ويغرم المعتق للمولى الثمن الذي ابتاع به العبد؛ لأن الذي قبضه المولى منه كان ملكا له، وولاء العبد للمعتق، والولاء لمن أعتق.
وإن اختلف الدينان، كمسلم عتق عبدا يهوديا أو نصرانيا، فمتى مات العبد ولا وارث له، ورثه المولى بالولاء، ولا يجوز هبة الولاء ولا بيعه.
ومن أعتق عبدا وله مال، فماله للمعتق في إحدى الروايتين. وفي الأخرى: المال للعبد، بخلاف ما قلنا في البيع.
ومن أسلم على يد رجل لم يستحق بذلك ميراثه، وكان ماله لبيت مال المسلمين إن لم يكن له وارث. وولاء ما أعتقت المرأة لها، وكذلك من أعتق من أعتقته أو كاتبته أو كاتب من كاتبته. ولا ترث ولاء من أعتق غيرها من أب أو غيره من سائر قراباتها من الأنساب والأسباب غير ما ذكرنا. وقد قيل عنه: إن ابنة المعتق ترث ولاء من أعتقه أبوها خاصة إذا لم يكن للأب عصبة؛ لحديث ابنة حمزة. والأول عنه أظهر.
وولاء معتق ابن الملاعنة له، وبعد وفاته لأمه؛ لأنها عصبته، وعصبة أمه عصبته أيضا.
[ ٤٤٢ ]
واختلف قوله في المرأة تشتري أباها فتعتقه ثم يموت، ويخلفها وابنة أخرى، فروي عنه: أن للابنتين الثلثان بينهما نصفين، والباقي للعصبة. فإن لم يكن له عصبة، فالباقي رد عليهما.
وقد قيل عنه: لهما الثلثان، ثم الباقي لابنته المعتقة له عند عدم العصبة
ولم يختلف قوله في العبد يتزوج مولاة قوم أو حرة الأصل، فيولدها أولادا ثم يعتقه مولاه: أن العبد يجر أولاده. فإن مات الأب وخلف أولاده ثم ماتوا ورثهم معتق أبيهم إن لم يكن لهم عصبة، فإن مات العبد بعد أن يعتق وخلف أباه وأولاده، فهل يجر الجد ولاء أولاد ابنه أم لا؟ على روايتين.
وولاء السائبة لجميع المسلمين.
والولاء للأبعد من عصبة الميت الأول. فإن ترك المعتق ابنين فورثا ولاء مولى أبيهما، كان بينهما نصفين، فإن مات أحدهما عن بنين رجع الولاء إلى أخيه دون بنيه؛ لأن الولاء للكبر. فإن مات أحدهما وترك ابنا، ومات الآخر وترك عشرة بنين فالولاء بينهم على أحد عشر سهما، لكل واحد منهم سهم واحد من أحد عشر سهما. وليس ذلك كقسمة المواريث.
فإن مات عبد وخلف أخا معتقه، وجد معتقه كان الولاء بينهما نصفين. فإن خلف أبا معتقه، وابن معتقه كان للأب السدس، وللابن ما بقي. وكذلك لو ترك جد معتقه، وابن معتقه كان للجد سدس الولاء، وللابن ما بقي.
ولو اشترك جماعة في عتق عبد جاز، وكان الولاء بينهم على قدر أنصبائهم منه، فإن كان أحدهم عتق نصفه، وثلاثة أعتقوا النصف بينهم بالسوية، كان
[ ٤٤٣ ]
ميراثه بينهم على ستة أسهم، لمعتق النصف ثلاثة أسهم، وللشركاء الثلاثة النصف، ثلاثة أسهم لكل واحد منهم سهم.
فإن مات العبد ولم يترك عصبة ولا ذا سهم، ولا كان لمعتقه عصبة، ورثه الرجال من ذوي أرحام معتقه دون نسائهم.
[ ٤٤٤ ]
باب