روى أبو الأحوص، عن عبدالله بن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ: "تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، والعلم مرفوع، ويوشك أن يختلف اثنان في الفريضة والمسألة، فلا يجدان أحدا يخبرهما".
فالوارثون من الرجال عشرة: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب والجد للأب وإن علا، والأخ لأبوين أو للأب، وابن الأخ وإن بعد، والعم للأبوين أو للأب، وابن العم وإن بعد، والزوج، ومولى النعمة. والموالي على ذوي الأرحام عنده أبدا.
والوارثات من النساء سبع: الابنة، وابنة الابن، والأم، والجدة، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة.
فميراث الزوج من الزوجة النصف، إن لم تترك ولدا أو ولد ابن. فإن تركت ولدا أو ولد ابن منه أو من غيره، ذكرا كان أو أنثى فله الربع.
وترث هي منه الربع، إن لم يكن له ولد أو ولد ابن. فإن كان له ولد أو ولد ابن منها أو من غيرها فلها الثمن.
وميراث الأب -إذا انفرد- جميع المال. فإن ترك الولد مع الأب ولدا ذكرا، كان للأب معه السدس، والباقي للابن، فإن كانت ابنة كان لها النصف، وللأب السدس بالفرض، والباقي له بالتعصيب.
[ ٣٣٧ ]
وترث الأم من ولدها الثلث إن لم يترك ولدا، ذكرا كان أو أنثى، أو اثنين من الإخوة فأكثر من أي وجه كانوا، إلا في فريضتين: في زوج وأبوين: فللزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. وفي زوجة وأبوين: فللزوجة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للأب.
والابن له جميع الميراث إذا انفرد.
وللابنة منه النصف، والباقي للعصبة.
وللابنتين فأكثر منه الثلثان، وما بقي للعصبة.
وابن الابن في عدم الابن كالابن. وابنة الابن في عدم الابنة كالابنة. وبنات الابن كالبنات عند عدمهن.
ولبنات الابن، واحدة كانت أو أكثر مع ابنة الصلب الواحدة، السدس تكملة الثلثين، والباقي للعصبة.
ولا شيء لبنات الابن مع الاثنتين من بنات الصلب فأكثر، إلا أن يكون بإزائه أو أسفل منهن ذكر فيعصبهن، ويكون الباقي بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن ترك ابنة وابن ابن، كان للابنة النصف، والباقي لابن الابن.
وميراث الأخت للأبوين النصف. وللأختين فأكثر الثلثان.
فإن كانوا إخوة وأخوات، أبوهم واحد وأمهم واحدة، أو كانوا لأب كلهم، فالمال بينهم للذكر ضعف ما للأنثى.
والأخوات مع البنات عصبة، لهن ما فضل عن فرض البنات.
ولا ميراث للإخوة والأخوات مع الأب، ولا مع الولد الذكر، ولا مع ابن الابن.
والإخوة للأب في عدم الإخوة للأبوين، كهم ذكورهم وإناثهم.
[ ٣٣٨ ]
فإن كانت أختا لأبوين. وأختا أو أخوات لأب، فالنصف للأخت لأبوين، ولمن بقي من الأخوات للأب السدس.
ولو كانتا أختين لأب وأم أو أكثر، لم يكن للأخوات للأب شيء، إلا أن يكون معهن ذكر، فيأخذون ما بقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن ترك أخوات لأبوين وأخوات لأب [وابن أخ] كان للأخوات للأبوين الثلثان، والباقي لابن الأخ دون الأخوات للأب.
فإن ترك أختا لأبوين، وأختا لأب، وابن أخ لأبوين أو لأب، كان للأخت للأبوين النصف، وللأخت للأب السدس، والباقي لابن الأخ.
ولكل واحد من الإخوة والأخوات للأم السدس، لا يزاد عليه فرضا، وللاثنين منهم فأكثر الثلث بينهم بالسوية، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. ويحجبهم عن الميراث الولد ذكرا كان أو أنثى، وبنوا الابن، والأب، والجد للأب.
والأخ يرث جميع المال إذا انفرد، كان لأب وأم، أو لأب، وكذلك ابن الأخ. فإن كان مع الأخ ذو سهم بُدئ بذي السهم، ثم كان الباقي للأخ. فإن كانوا إخوة جالا ونساء كان الفاضل عن ذوي السهام بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يفضل عن ذوي السهام شيء، فلا شيء لهم.
فإن كان الورثة زوجا، وأما، وإخوة لأب وأم، [وإخوة لأم]، كان للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، ولا شيء للإخوة للأب والأم؛ لأنهم عصبة يأخذون ما بقي بعد فرض ذوي السهام، ولم يبق شيء فيكون لهم. وهذه المسألة يسميها أهل العلم: المشتركة، وتسمى الحمارية أيضا.
[ ٣٣٩ ]
فإن كان من هو من قبل الأم واحدا، كان له السدس، وكان السدس الباقي للأخوة للأبوين بالتعصيب.
فإن كان مكان الإخوة للأبوين أخت أو أخوات لأب وأم أو لأب ولا ذكر معهن أُعيل لهن، فكان للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، وللأخت للأبوين أو للأب النصف إن كانتا واحدة. وإن كانتا اثنتين أو أكثر كان لهن الثلثان.
وابن الأخ كالأخ عند عدمه، كان لأب وأم أو لأب.
ولا ميراث لابن الأخ للأم مع ذي سهم ولا عصبة. والأخ للأبوين يحجب الأخ للأب. والأخ للأب يحجب ابن الأخ للأبوين. وابن الأخ للأبوين يحجب ابن الأخ للأب. وابن الأخ للأب يحجب العم، والعم للأبوين يحجب العم للأب. والعم للأب يحجب ابن العم للأب والأم. وابن العم للأبوين يحجب ابن العم الأبعد. وابن العم أولى من عم الأب، ثم هكذا أبدا حتى يكون الأقرب أولى.
وكل ذكر يعصب الأنثى التي في درجته، فيأخذان المال بينهما، للذكر ضعف ما للأنثى، كالبنين والبنات، وبني الابن وبنات الابن، والإخوة والأخوات.
فأما ابن الأخ وابنة الأخ فيرثان عمهما، فإن المال لابن الأخ دون أخته. وكذلك العم والعمة في ميراث ولد أخيهما، المال للعم دون العمة. وكذلك ابن العم وابنة العم في ميراث ابن عمهما، يكون المال لابن العم دون أخته.
ومن ترك ثلاثة إخوة متفرقين، كان للأخ للأم السدس، وللأخ للأبوين الباقي، ولا شيء للأخ للأب. فإن كن ثلاث أخوات متفرقات، كان للأخت للأبوين النصف، وللأخت للأب السدس، وللأخت للأم السدس، والباقي للعصبة.
[ ٣٤٠ ]
ومتى انفرد بالميراث ذو سهم يرث بالنسب لا يحوز جميع المال، ولم يكن معه عصبة، كان له سهمه المفروض، والباقي يرد عليه، فيصير له جميع الميراث بالفرض والرد. فإن كان يرث بالسبب دون النسب، كان له سهمه المفروض، ولم يرد الباقي عليه، وكان الفاضل عن سهمه لذي سهم إن كان، أو عصبة، أو لذي رحم، أو لبيت مال المسلمين عند عدم جميع من ذكرت.
ومن لم يكن من العصبات، ولا من ذوي السهام، وكان من ذوي الأرحام، مثل أولاد البنات، وأولاد الأخوات، وبنات الإخوة وبنات الأعمام وولد العمات، والجد أبي الأم، والعم أخي الأب لأمه، والعمات، فإنهم لا يرثون مع ذي فرض مسمى يرث بالنسب، ولا مع عصبته بالإجماع. فإذا لم تكن له عصبة ولا من له سهم مسمى فإنهم يرثون، لحديث راشد بن سعد، عن أبي عامر الهوزني، عن المقدام ابن معدي كرب الكندي، قال: قال رسول الله ﷺ: "من ترك دَيْنا فإلي، ومن ترك مالا فهو لورثته، وأنا ولي من لا ولي له، أفُكُّ عنه وأرث ماله، والخال وارث من لا وارث له يفك عنه ويرث ماله". وبذلك قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين رضوان الله عليهم في جماعة من الصحابة والقرابة والتابعين.
واختلفت الرواية عنه في كيفية توريثهم، فروي عنه: أنهم يورَّثون الأقرب فالأقرب منهم على ترتيب تورث العصبات.
وروي عنه: أنهم يورثون بالتنزيل، فيرث كل واحد منهم بالرحم التي أدلى بها.
ومتى اجتمع قرابتان من ذوي الأرحام: إحداهما من قبل الأب، والأخرى من قبل الأم، كان لقرابة الأب الثلثان، واحدا كان أو أكثر، ذكرا كان أو أنثى، ولقرابة الأم الثلث.
[ ٣٤١ ]
فقرابات الأب: العمات وأولادهن، وبنات الأعمام وأولادهن، وبنات الإخوة وأولادهن. وقرابات الأم: الخال، والخالة وأولادهما، والجد أبو الأم.
واختلف في قوله في تنزيل العمة، فروي عنه: أنه يجعلها بمنزلة الأب، وروي: أنه جعلها بمنزلة العم. فإذا قلنا: إنها بمنزلة الأب لم يرث معها من ذوي الأرحام إلا من حل محل الأم، كالخال والخالة. ومن حل محل الولد من أولاد البنات وأولاد بنات البنين، ويسقط من سواهم معها. وإذا قلنا: إنها بمنزلة العم شاركها سائر ذوي الأرحام إذا ورثناهم بالتنزيل. وإذا ورثنا الأقرب فالأقرب منهم أسقطها بنات الإخوة ومن هو أقرب منها، وشاركت أولاد الأخوات في الميراث.
فإن ترك قرابتين من ذوي الأرحام، إحداهما من قبل الأم، والأخرى من قبل الأب، وقرابة الأب أقرب من قرابة الأم، أو قرابة الأم أقرب من قرابة الأب، فالميراث للقربى منهما في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: الميراث بينهما على ما بينا، ولا تسقط البعدى منهما بالقربى.
فأما إن كانت القرابة من وجه واحد من قبل الأم أو من قبل الأب، وفيهم من هو أقرب إلى الميت، كخالة وابنة خالة أخرى، أو عمة وابنة عمة أخرى، فالميراث للقربى منهما دون البعدى في الصحيح من قوله.
واختلف قوله في تفضيل ذكور ذوي الأرحام على إناثهم في الميراث على روايتين: إحداهما: أنه لا يفضل الذكر منهم على الأنثى، كما قال في الإخوة والأخوات للأم، إلا في الخال والخالة إذا اجتمعا، فإنه قال: للخال الثلثان، وللخالة الثلث، لا أعلم عنه ها هنا خلافا، والرواية الأخرى أنه ورثهم للذكر مثل حظ الأنثيين، كتوريث العصبات.
فإن ترك ابنة أخ وعمة كان المال للعمة دون ابنة الأخ على الرواية التي نزلها فيها منزلة الأب، كان الميت ترك أبا وأخا، وعلى الرواية التي قال فيها: إن العمة بمنزلة العم يكون المال لابنة الأخ دون العمة، كأن الميت ترك أخاه وعمه.
[ ٣٤٢ ]
فإن ترك ابنة أخت وعمة كان المال بينهما نصفين في إحدى الروايتين، كأنهما أخت وعم، وفي الرواية الأخرى: المال للعمة دون ابنة الأخت.
فإن ترك ابنة أخت وخالة، كان للخالة الثلث، ولابنة الأخت النصف، والباقي رد عليهما على قدر سهامهما، فيكون المال بينهما على خمسة أسهم، للخالة الخمسان، ولابنة الأخت ثلاثة أخماس.
فإن ترك ابنة أخ وابنة أخت، كان لابنة الأخ الثلثان، ولابنة الأخت الثلث.
فإن ترك ابنة ابن وابنة أخت، كان المال لابنة الابن بالفرض والرد، ولا شيء، لابنة الأخت.
فإن ترك ابنة أخت لأبوين، وابنة أخت لأب، وابني ابنة أخت أخرى، كان المال بين ابنة الأخت للأبوين وابنة الأخت للأب على أربعة أسهم بالفرض والرد: لابنة الأخت للأبوين ثلاثة أرباعه، ولابنة الأخت للأب ربعه، ولا شيء لابني ابنة الأخت الأخرى.
فإن ترك ابنتي عم وابني عمتين وخالا وخالة، فالثلثان بين ابنتي العم وابني العمتين للذكر مثل حظ الأنثيين في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى: الثلثان بينهم بالسوية لا يفضل ذكرهم على أنثاهم، والثلث للخال والخالة بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين قولا واحدا.
فإن ترك ابنةَ ابنةٍ وابنةَ أخت، كان المال بينهما نصفين.
فإن ترك عمته وخالته، كان للعمة الثلثان، وللخالة الثلث، وكذلك لو ترك ابنة ابنة، وابنة أخ لأبوين أو لأب.
فإن ترك ثلاث عمات متفرقات، كان المال بينهن على خمسة أسهم، للعمة لأبوين ثلاثة أخماسه بالفرض والرد، وللعمة للأب الخمس، وللعمة للأم الخمس بالفرض والرد.
فإن ترك ثلاث خالات متفرقات، كان المال بينهن على خمسة أسهم بالفرض والرد على ما بينا.
[ ٣٤٣ ]
فإن ترك ثلاث عمات متفرقات، وثلاث خالات متفرقات، فالثلثان بين العمات على خمسة أسهم، والثلث بين الخالات على خمسة أسهم.
فإن ترك أختا لأم وابنة أخ لأب وأم أو لأب، كان للأخت للأم السدس بالفرض، والباقي رد عليها، ولا شيء لابنة الأخ.
فإن ترك ولد خال وولد خالة، قال: أجعله بمنزلة أخ وأخت، المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وكذلك لو ترك ابنة عم وولد عمة. وعنه رواية أخرى: أن المال بينهم بالسوية، لا يفضل ذكرهم على أنثاهم.
فإن ترك ابنة ابنة وابنة أخ لأم، كان المال لابنة الابنة بالفرض والرد، ولا شيء لابنة الأخ للأم، لأن الأخ للأم لا ميراث له مع الابنة.
فإن ترك ابنة أخت وخالة، كان المال بينهما على خمسة أسهم بالفرض والرد، لابنة الأخت ثلاثة أخماسه، وللخالة الخمسان.
فإن ترك عمته وحدها، أو خالته وحدها، كان المال لها، وكذلك الخال إذا انفرد.
ولا يرث عبد إلا أن يكون فيه جزء من حرية، فيرث ويحجب بمقدار ما فيه من الحرية، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁. وقد رواه ابن عباس رضوان الله عليه عن النبي ﷺ: أن نصيبه من كل شيء بقدر العتق.
من ذلك: لو ترك أبا نصفه حر وأخا لأب حر، كان للأب النصف وللأخ النصف. فإن كان مع الأب أخ لأم، كان للأب النصف وللأخ للأم نصف السدس، حجبه الأب عن استكمال السدس بما فيه من الحرية، والباقي للمولى.
[ ٣٤٤ ]
ولا يرث قاتل عمد ولا خطأ من دية ولا مال.
ولا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما إلا بالولاء خاصة، كرجل مسلم أعتق عبدا نصرانيا أو يهوديا ثم مات العبد ولم يخلف وارثا سوى مولاه الذي أعتقه. فإن المسلم يرثه بالولاء. قال أحمد ابن حنبل ﵁: الولاء شعبة من الرق. وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عمر، وجابر بن عبدالله ﵃.
ولا ميراث للإخوة للأم، ولا لبني الإخوة للأبوين أو للأب، ولا للعم مع الجد للأب.
ولا يرث إخوة مع أب بحال. وسواء كانت من قبل الأب أو من قبل الأم.
ولا يرث من لا يحجب، إلا الإخوة مع الأبوين، فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ولا يرثون.
والمطلقة في مرض الموت ثلاثا ترث قبل انقضاء عدتها وبعد انقضائها ما لم تتزوج، ولا يرثها الزوج. وإن كان الطلاق أقل من ثلاث، ورثته قبل انقضاء العدة وبعد انقضائها، وورثها هو في العدة، ولم يرثها بعد انقضائها.
والصحيح إذا طلق أقل من ثلاث للمدخول بها، فمات أحدهما قبل انقضاء العدة لم يرثه الآخر.
ومن تزوج في مرضه نكاحا صحيحا توارثا فيه.
ولا ميراث لمرتدة، ولا لمختلعة، ولا لمخيَّرةٍ اختارت نفسها في مرض موت زوجها، ولا للمُمَلَّكة أمرها إذا جاء الفراق من جهتها، ولا لمن أحنثت زوجها في يمين كان حلفها عليها.
ومن طلق غير المدخول بها في مرض موته، كان لها مهر كامل والميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشر. وروي عنه رواية أخرى: لها نصف الصداق، ولا ميراث لها، ولا عدة علها. وروي عنه: لها نصف الصداق والميراث، وعليها
[ ٣٤٥ ]
العدة، وروي عنه رواية رابعة: لها الصداق كاملا والميراث، ولا عدة عليها.
وتورَّث الجدة للأم إذا انفردت السدس، لا تزاد عليه فرضا، وكذلك الجدة للأب. فإذا اجتمعتا، فالسدس بينهما نصفين. فإن كانت التي من قبل الأم أقعد، فالسدس لها قولا واحدا. وإن كانت التي من قبل الأب أقعد، كان السدس بينهما في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى: السدس أبدا للقربى من أي وجه كانت دون البعدى. ولا ميراث لأكثر من ثلاث جدات. فإذا اجتمعن، فالسدس بينهن بالسوية لا يُزدن عليه فرضا، وهن أم أم أم، وأم أم أب، وأم أب الأب.
وقد روى إبراهيم النخعي أن رسول الله ﷺ أطعم من الجدات ثلاثا السدس: جدتَيْ أبيك، وجدة أمك من قبل أمها.
ولم يختلف قوله أن الأم تحجب جميع الجدات من أي وجه كن.
واختلف قوله في الأب: هل يحجب أمه أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: ترث الجدة أم الأب مع ابنها، لحديث الشعبي عن مسروق عن عبدالله في الجدة مع ابنها أنها أول جدة أطعمها رسول الله ﷺ وابنها حي، وبه قال عثمان بن عفان رضوان الله عليه. وقال في الرواية الأخرى: إن الأب يحجب أمه عن الميراث، فلا ترث معه، كما حجبت الأم أمها عن الميراث. وبذلك قال علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت ﵄.
وميراث الجد للأب إذا انفرد جميع المال. وله مع الابن أو ابن الابن السدس، وكذلك مع البنين والبنات، وبني الابن وبنات الابن. فإن كان مع الجد إخوة وأخوات قاسمهم الجد كأنه أخ، حتى يكون الثلث خيرا من المقاسمة،
[ ٣٤٦ ]
فينفرد بالثلث. فإن شركه غير الإخوة من ذوي السهام، فله السدس بالفرض، ولذي السهم سهمه، ثم ما بقي له.
فإن اجتمع الإخوة وذوو السهام مع الجد أخذ ذو السهم سهمه، ثم كان الجد مخيرا بين ثلاثة منازل فيما بقي، فيأخذ أفضلها له: إما مقاسمة الإخوة، أو ثلث ما بقي، أو سدس جميع المال، ولا ينقص من السدس أبدا.
والإخوة للأب معه كالإخوة للأبوين عند عدمهم. فإذا اجتمع الإخوة للأب مع الإخوة للأبوين والجد عادُّوا الذين من قبل الأب والأم بالذين من قبل الأب، فمنعوه بهم كثرة الميراث، ثم كان الإخوة للأبوين أحق بذلك من الإخوة للأب. بيانه: أن يجتمع أخ لأبوين وأخ لأب وجد، فيكون للجد الثلث، ولكل أخ الثلث، ثم يرجع الأخ للأبوين على الأخ للأب، فيأخذ ما في يده، فيصير له الثلثان.
فإن كان مع الجد أخ وأخت لأب وأم، أو لأب، كان للجد الخمسان، وللأخ الخمس، وللأخت الخمس.
فإن كان مع الجد أخت لأبوين، وأخت لأب، قسم المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون للجد سهمان من أربعة، ولكل أخت سهم من أربعة، ثم ترجع الأخت للأبوين على الأخت للأب، فتأخذ ما في يدها لتستكمل النصف.
فإن كان مع الأخت للأب أخوها، قسمت الفريضة من ستة أسهم، للجد سهمان، وللأخ سهمان، ولكل أخت سهم، ثم ترجع الأخت للأبوين على الأخ والأخت للأب، فتأخذ ما في أيديهما تمام النصف، فتصبح المسألة من ثمانية عشر سهما، للجد سنة أسهم، وللأخت للأبوين تسعة أسهم، وللأخ للأب سهمان، وللأخت للأب سهم.
فإن كان مع الجد زوجة وابنة وأم وأخت، كان للزوجة الثمن، وللابنة النصف، وللأم السدس، وللجد السدس، وللأخت ما بقي.
[ ٣٤٧ ]
فإن ترك ابنة وأما وثلاث أخوات وجدا، كان للابنة النصف، وللأم السدس، وللجد السدس، وللأخوات ما بقي.
فإن كان مع الجد زوجة وأم، كان للزوجة الربع، وللأم الثلث، وما بقي للجد.
فإن كان مع الجد زوجة وأم وأخ، كان للزوجة الربع، وللأم الثلث، وما بقي فبين الجد والأخ نصفين.
فإن ترك زوجة وأما وجدا وأختا، فللزوجة الربع، وللأم الثلث، وما بقي فبين الجد والأخت، للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن ترك زوجة وأما وأختين، وجدا، كان للزوجة الربع، وللأم السدس، وما بقي بين الجد والأختين، للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن تركت زوجا وأخا وجدا، كان للزوج النصف، وما بقي بين الجد والأخ نصفين. فإن كان زوجا وأختا وجدا كان للزوج النصف، والباقي بين الجد والأخت، للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن تركت زوجا وجدا وأختين، كان للزوج النصف، وما بقي بين الجد والأختين، للذكر مثل حظ الأنثيين.
وإذا اجتمع من سمي له سهم معلوم في كتاب الله تعالى، وكانت سهامهم أكثر من المال أُدخل الضرر عليهم كلهم، وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم.
ولا يعاول لأخت مع جد إلا في الأكدرية وحدها، وهي: امرأة تركت زوجا وأما وأختا لأبويها، وجدا لأبيها، فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف، ثم يجمع الجد مع نصف الأخت، فيقسم ذلك بينهما
[ ٣٤٨ ]
على ثلاثة أسهم، للجد سهمان، وللأخت سهم، فتصح من سبعة وعشرين سهما: للزوج تسعة أسهم، وللأم ستة أسهم، وللجد ثمانية أسهم، وللأخت أربعة أسهم. ولا يُفرض للجد مع الأخوات في غير هذه المسألة.
فإن تركت أما وأختا، وجدا، كان للأم الثلث، والباقي بين الجد والأخت على ثلاثة أسهم، للجد سهمان، وللأخت سهم. وهذه المسألة تسمى الخرقاء.
فإن كانت بنتا وأختا وجدا، كان للابنة النصف، والباقي بين الجد والأخت على ثلاثة أسهم، للجد ثلثاه، وللأخت ثلثله.
فأما الخنثى المشكل، فله نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، فأما إن سبق البول من أحد الفرجين، فإن له حكمه وليس بمشكل، فإن لم يظهر ذلك بالبول نُظر، فإن حاضت كانت امرأة، وإن أنزل المني كان رجلا، وإن نبتت لحيته فهو رجل، وإن سقط ثدياه فهو امرأة، وإن طلب النساء كان رجلا، وإن طلب الرجال كانت امرأة، وزال الإشكال، فإن عدم جميع ذلك اعتبر بعدد الأضلاع، فإن كانت أضلاعه ستة عشر ضلعا كان رجلا. وإن كانت سبعة عشر ضلعا كانت امرأة. كذلك قال الحسن البصري ﵁. فإن كان أطلس الجنبين كان مشكلا.
فلو توفي رجل وخلف ابنتين، إحداهما خنثى مشكل، كان للابنة التي لا إشكال فيها الثلث، وكان للخنثى المشكل النصف، والباقي للعصبة. فإن لم يكن عصبة، كان الباقي ردا عليهما على قدر سهامهما، فتكون التركة بينهما على خمسة أسهم، للخنثى ثلاثة أسهم، وللابنة سهمان.
[ ٣٤٩ ]
فإن ترك خنثى وأبوين، فالمسألة من اثني عشر سهما، للخنثى سبعة منهم، وللأم سهمان، وللأب ثلاثة أسهم. وبيان ذلك: أن فرض الأم السدس، وللخنثى النصف بمنزلة أنثى، وللأب السدس سهمان، ويبقى سهمان، فهما في حال للأب لو كان الخنثى أنثى، وفي حال هما للخنثى لو كان ذكرا. فلما أشكل كان السهمان بينه وبين الأب نصفين، له سهم وللأب سهم.
ولا ميراث للحميل، وهم: السبي يُسلمون، فيقر بعضهم لبعض بالنسب، أو يدعي بعضهم نسب بعض، فإنهم لا يصدقون، ولا يقبل منهم إلا ببينة عادلة. وهو قول عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم.
فأما اللقيط فهو حر، وولاؤه لجماعة المسلمين، وميراثه في بيت مال المسلمين. هذا هو المنصوص عنه. وحكى بعض شيوخنا أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ولاؤه للملتقط. قال: وروي عن أحمد نحو ذلك. والأول هو الصحيح.
واختلف قوله في ميراث الملاعِنة من ابنها على روايتين: قال في إحداهما: جميع ميراثه لأمه، فن ماتت قبل فعصبته عصبة أمه. واحتج لذلك بما رواه عبيدالله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: قضى رسول الله ﷺ للملاعِنة بجميع ميراث ولدها لما أصابها فيه من النصب. والرواية الأخرى: أن لأمه الثلث من ميراثه والباقي لعصبة أمه. من ذلك: لو أن ابن ملاعنة توفي وخلف أمه وخاله أخا أمه لأبويها أو لأبيها، كان للأم الثلث، وللخال الثلثان. واحتج لذلك بما رواه شريك عن أبي بكر بن أبي الجهم عن خُليد بن سلمى قال: انتفى مني خباب فرافعته أمي إلى عمر بن الخطاب ﵁. قال: فلاعن بينهما عند منبر رسول الله ﷺ وألحقني بأمي، وقال: عصبته عصبة أمه. فنُسبت إلى أمي
[ ٣٥٠ ]
سلمى. والأول عنه أظهر.
فإن كانت مولاة كان لها الثلث، والباقي لمواليها في إحدى الروايتين، وفي الأخرى جميع المال لها.
فإن ماتت أمه قبله، فميراثه لموالي أمه.
فإن ترك ابن الملاعنة خاله وخالته، كان المال للخال دون الخالة، لأنه العصبة دون أخته.
فإن ترك ابنة، وابن ابن، فللابنة النصف، ولابن الابن ما بقي.
وإن ترك ابنته، وأمه، وأخاه، وأخته، فللابنة النصف، وللأم السدس، والباقي للأم بالتعصيب لا بالرد.
فإن ترك ابنته، وأخته، وأخاه، فللابنة النصف، وما بقي فللأخ دون أخته، لأن الابنة تحجب ولد الأم، وأما الأخ فيرث بالتعصيب، لأنه عصبة الأم، والأخت ليست عصبة، كما قلنا في ابنة وابن عم هو أخ لأم: إن للابنة النصف، والباقي له بالتعصيب، فتحجبه الابنة من جهة الفرض، ويرث من جهة التعصيب.
فإن ترك جده وجدته، وخاله وخالته، كان للجدة السدس، والباقي للجد أبي الأم في هذا الموضع.
ولو ترك خال أمه، وخالتها، وجدتها، ومولاها الذي أعتقها، كان للجدة السدس، والباقي رد علياه، لأنها ذات سهم، وذو السهم عنده أحق ممن لا سهم له.
قال إسحاق بن منصور: أخبرنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا معاذ عن أشعث عن الحسن، قال: لا ترث النساء الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن، إلا الملاعنة، فإنها ترث من أعتق ابنها الذي انتفى منه أبوه. قال أحمد ﵁: ما أحسن ما قال.
[ ٣٥١ ]
فإن ترك أمه وأخاه، فلأمه الثلث، ولأخيه السدس، والباقي للأم بالتعصيب.
فإن ترك أخاه وأخته. كان الثلث بينهما نصفين بالسوية، ثم الباقي للأخ دون أخته؛ لأنه عصبة الأم.
وميراث ولد الزنى كميراث ولد الملاعنة، وهو قول علي، وعبدالله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبدالله بن عمر ﵃.
فإن ادعاه مدع فأقرت الأم له به، لم يلحقه بالدعوة ولم يرثه، لا أعلم فيه اختلافا في السلف، لقوله ﷺ: "الولد للفراش وللعاهر الحجر". وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما رجل اعترف بولد حرة، أو أمة لا يملكها، فهو ولد زنى، لا يرث ولا يورث".
ولا ميراث لمرتد، ومن أسلم على ميراث قبل أن يقسم ورث في إحدى الروايتي، ولا يرث في الرواية الأخرى. قال: لأن المواريث قد وجبت لأهلها.
وكذلك العبد يعتق على الميراث قبل أن يقسم يرث في إحدى الروايتين، ولا يرث في الأخرى.
ومن ارتد وقُتل على ردته، أو مات عليها، كان ماله فيئا لبيت مال المسلمين. وكان بعض شيوخنا يرى أن ماله لورثته المسلمين. والأول هو المنصوص عنه.
ولا ميراث للقاتل من الدية، ولا من المال، وسواء كان القتل عمدا أو خطأ، لما رواه عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال: "ليس لقاتل ميراث".
[ ٣٥٢ ]
فإن شهد أربعة على أختهم بالزنى فرجمت، لم يكونوا قاتلين، وورثوها، وكذلك لو شهدوا عليها ورجموها مع من رجمها، ورثوها.
وكذلك الزوج يزني ويرجم، ترثه زوجته وإن رجمته، والمرأة تزني، فترجم يرثها زوجها وإن رجمها.
ومن ضرب ابنه ضربا يسيرا على وجه التأديب فمات، لم يرثه، فإن كان به جرح احتاط إلى بطِّه فبطَّه، فمات، فهل يرثه أم لا؟ على وجهين.
والجنين إذا سقط حيا واستهل، ورِث ووُرِث. فإن لم يستهل لم يرث ولم يورث، لما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبدالله والمسور بن مخرمة، قالا: قال رسول الله ﷺ: "لا يرث الصبي حتى يستهل صارخا"، واستهلاله: أن يبكي، أو يصيح، أو يعطس.
ومن مات وترك حملا لم يقسم الميراث حتى تضع الحمل، فإن اختاروا قسمته قبل الوضع، فأقل ما يوقف حق ذكرين ثم يقسم الباقي. ولو كان في الورثة من يدخل الحمل عليه نقصا من فرض إلى فرض، فطلب ميراثه أعطي أقل النصيبين، كالزوجة تعطى الثمن، والزوج الربع، والأم السدس، والأب يعطى السدس، لأن ذلك لهم مع وجود الولد، ويُمنعون ما يُعلم أن الولد يحجبهم عنه إلى أن تضع المرأة ما بها من الحمل.
وكل شخص أدلى بقرابتين إلى الميت، متى اجتمعتا فيه لم تُسقط إحداهما الأخرى، ويرث بكل واحدة منهما إذا انفردت فيه، وإن يرث بهما جميعا إذا اجتمعتا فيه، كمجوسي ترك أخته وهي أمه، فإنها ترث بأنها أم الثلث. وبأنها أخت النصف، ويكون الباقي للعصبة، فإن عدموا كان ردا عليها.
[ ٣٥٣ ]
فإن تركت مجوسية ابنتها، وهي أختها، كان لها النصف بأنها ابنة، والباقي بأنها أخت، لأن الأخوات عصبة البنات.
فإن تركت ابنتها، وهي ابنة ابنها، كان لها النصف بأنها بنت، والسدس بأنها ابنة ابن تكملة الثلثين، والباقي للعصبة، فإن عُدموا رُد ذلك عليها.
فإن ترك مجوسي أخته، وهي زوجته، ورثت بأنها أخت، ولم ترث بالزوجية شيئا، لأن الزوجية لو انفردت فيها لم ترث بها إجماعا. بيانه: أن يتزوج مجوسي أخته، وله ابن من غيرها، ثم يموت، فإن الابن يحجبها عن الميراث بالنسب، ولا ترث بالزوجية شيئا بالاتفاق.
ولو تزوج مجوسي ابنته فرُزق منها ابنتين ثم مات، كان للبنات الثلاث الثلثان، والباقي للعصبة. فإن ماتت إحدى البنات، وخلفت أمها، وهي أختها لأبيها، وأختها لأبيها وأمها، كان لأختها لأبويها النصف، ولأختها التي هي أمها السدس، بأنها أم حجبت نفسها بنفسها عن الثلث إلى السدس، ولها السدس، بأنها أخت لأب، والباقي للعصبة.
فإن تزوج مجوسي بأمة فرزق منها ابنتين ثم توفي، كان للابنتين الثلثان وللأم السدس، والباقي للعصبة. فإن ماتت إحدى الابنتين وتركت أختها، وهي خالتها، وأمها، وهي جدتها، كان لأختها النصف، ولأمها الثلث بأنها أم، ولا ترث بأنها جدة شيئا؛ لأنها حجبت نفسها بنفسها.
وقد روي عنه رواية أخرى: أنه كان يورث المجوس من وجه واحد بالحلال، وهو أقوى القرابتين. والأول عنه أظهر وأصح وأشهر، لأنه قول عمر وعلي وابن مسعود ﵃، وبه أقول.
وكذلك من أدلى من المسلمين بقرابتين من النسب، أو من السبب يورث بإحداهما بالفرض وبالأخرى بالتعصيب، ورث بهما جميعا، كرجل مات وترك
[ ٣٥٤ ]
ابني عم أحدهما أخ لأم، فإن لابن العم الذي هو أخ لأم السدس بالأخوة، والباقي بينه وبين ابن العم الذي ليس بأخ نصفين. وبذلك قال علي بن أبي طالب ﵁.
وكالمرأة تموت وتخلف ابني عم، أحدهما زوجها والآخر أخوها لأمها، قال: لزوجها النصف، ولأخيها لأمها السدس، ثم الباقي بينهما نصفين. وبه قال زيد بن ثابت.
فلو ترك ابني عم، أحدهما أخ لأم، وابنة، كان للابنة النصف، والباقي لابني العم بينهما نصفين بالتعصيب، ولا يرث بالأخوة شيئا، لأن الأخ للأم يسقط مع الابنة.
فأما ميراث أهل الملل بعضهم من بعض، فإن الأظهر عنه: أن الكفر كله ملة واحدة، وأنه يورث اليهودي من النصراني، والنصراني من اليهودي. وقد روي عن رسول الله ﷺ ما يؤيد هذا القول، وهو قوله ﷺ: "الناس حيز ونحن حيز". وقال بعض أصحابنا: إن الأديان أربعة، وإن كل ملة من الكفر لا ترث الأخرى. قال: وكذلك مخرج عندي على المذهب.
قال: وكل من لا كتاب له ملة واحدة. والأول أظهر عنه وأصح.
وقال بعض أصحابنا: فإذا ورثنا بعضهم من بعض لم نورث أهل الذمة من أهل الحرب، ولا أهل الحرب من أهل الذمة، وهذا الصحيح.
فأما الأسير من المسلمين فإنه يرث ويورث.
والكلالة عنده: من عدا الوالد والولد من سائر الورثة. وهو قول أبي بكر الصديق ﵁، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃.
[ ٣٥٥ ]
وقال بعض أهل العلم: الكلالة في اللغة: هو قول الرجل: قد كللت، فأنا كلُّ وكلالة، أي جللوه وأحاطوه به بنسبهم، ومنه سمي الإكليل إكليلا؛ لإحاطته بالرأس وتجلله إياه، فسمي المنعطفون على الرجل بأرحامهم كلالة؛ لتكللهم واجتماعهم في قرابة واحدة. وأنشد عمرو بن أبي عمرو الشيباني يمدح بني هاشم:
ورثتم قناة المُلك غير كلالة عن ابني منافٍ عبد شمس وهاشم
وقال بعض أهل اللغة: الكلالة من القرابة: من انتسب إليك. كما انتسبت إليه، كالإخوة وبني العمومة.
وقال أبو عبيدة: هو مصدر من كلله النسب، أي: أحاط به.
والأب والابن طرفان، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة. ومنه قيل: كلَّ السيف، إذا ذهب حده، وكل البصر؛ إذا أدام نظره، فقيل: كل النسب؛ إذا لم يكن فيه والد ولا ولد، أي ضعف.
فأما الموتى بالغرق، أو تحت الهدم، ولا يعلم أيهم مات قبل صاحبه، فإنه ورث بعضهم من بعض من تِلاد أموالهم دون ما ورثوه بعضهم من بعض.
وبذلك قال عمر بن الخطاب رض الله عنه، وهو في إحدى الروايتين عنه. وهو قول علي بن أبي طالب. وإياس بن عبدالمزني صاحب رسول الله ﷺ، وبه قال عبدالله بن مسعود ﵁.
من ذلك: لو أن أخوين غرقا، أو انهدم عليهما بيت، ولكل واحد منهما ابنة، وتركا ثمانية دراهم بينهما، ورثنا ابنة أحدهما من أبيها النصف مما ترك وهو درهان، وجعلنا الباقي وهو درهمان لأخيه الميت، ثم ورثنا بنت الآخر من مال أبيها الذي خلفه دون ما ورثناه من أخيه النصف، وهو درهمان من أربعة دراهم،
[ ٣٥٦ ]
وجعلنا الدرهمين الباقيين لأخيه الميت، ثم ورثنا ابنة كل واحد منهما مما جعل في يد أبيها النصف، وهو درهم، فيصير في يد كل ابنة ثلاثة دراهم، وما بقي في يد كل واحدة من الميتين، وهو درهم واحد، فهو للعصبة، لأننا لا نورث أحدا منهما من شيء ورثه عن صاحبه.
ولا يختلف القول عنه في وجوب الرد على أهل الفرائض الوارثين بالنسب عند عدم العصبة، فيرد على كل واحد يرث بقدر سهمه. فأما من ورث بسبب، فإنه لا يرد عليه شيئا، ولا يزاد على فرض المسمى له، كالزوج والزوجة.
ولا يختلف قوله في صحة العول والقول به، ونحن نوضحه في باب الحساب وتصحيح المسائل إن شاء الله.
ومن تزوج في مرض موته تزويجا صحيحا، ورثته المرأة.
ومن طلق في مرض موته ثلاثا، ورثته الزوجة ما كانت في العدة، وبعد انقضائها ما لم تتزوج، فإن تزوجت فلا ميراث لها، وإن ماتت قبله لم يرثها.
وإن كان الطلاق أقل من ثلاث في المرض، فأيهما مات قبل صاحبه وقبل انقضاء العدة ورثه الآخر.
فإن ماتت المرأة بعد انقضاء العدة لم يرثها الزوج، وإن مات هو بعد انقضاء عدتها قبل أن تتزوج ورثته.
وإن كان الطلاق في الصحة توارثا جميعا قبل انقضاء العدة، ولم يرث واحد منهما صاحبه بعد انقضاء العدة. وقد ذكرت ذلك في باب الطلاق.
[ ٣٥٧ ]