كره أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ القضاء وشدد فيه؛ للحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ، قال: "من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين".
ولما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليأتين على القاضي العدل ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة".
وروي أيضا عن مكحول أنه قال: لأن أُقام فتضرب عنقي أحب إلي من أن أكون قاضيا.
فإن افتقر أهل بلد إلى رجل منهم ليس في بلدهم أعلم منه، ولا من يقوم في الحكم مقامه لديانته وعلمه ومعرفته وصناعته، ودعت الحاجة إليه، فقد رخص فيه في هذا الموضع، وقال: لا بد للمسلمين من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟!
وذكر أحمد معاذ بن معاذ العنبري، فقال: كان قرة عين مع ما يلي به من القضاء.
وكره أن يسأل الإنسان القضاء وإن كان من أهله، فإن أجبر عليه عند الحاجة إليه كان أسهل، للحديث الذي يرويه أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل عليه ملك يسدده".
[ ٤٨٤ ]
ويجب على كل من ولي القضاء أن يقدم كتاب الله ﷿ أمامه، ويجعله نصب عينيه، ولا يقضي في نازلة بما يخالفه مع وجود الحكم فيه. فإن لم يجد ذلك، فبسنة رسول الله ﷺ. ثم عند عدمهما بما أجمع المسلمون عليه، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة. فإن لم يجد شيئا من ذلك اجتهد رأيه، فحكم بما تقوم الدلالة عنده أن الحق فيه، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. كذلك روى محمد بن إبراهيم التيمي عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع سول الله ﷺ يقول: "إذا حكم أحدكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر".
وكذلك روى أبو سلمة عن أبي هريرة.
وليحذر العدول عن ذلك، فقد روى سعيد بن عبدالعزيز عن إسماعيل بن عبدالله، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: ويل لديان من في الأرض من ديان من في السماء، يوم يأتونه إلا من أمَّ بالعدل، ولم يقض على رغبة ولا رهبة، وجعل كتاب الله ﷿ مرآة بين عينيه.
وروى الحسن بن عرفة قال: حدثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى
[ ٤٨٥ ]
على جهالة، فهو في النار، ورجل عرف الحق فقضى بغيره، فهو في النار".
ولا يحل لمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم أن يتقلد الحكم، لذلك قال أحمد: لا يجوز الاختيار، إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة مميز.
فإن أراد أن يختار نظر إلى أقرب الأمور وأشبهها بالكتاب والسنة، فيعمل به.
قال: وينبغي أن يكون عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن.
والنوازل على ضربين: منصوص ومدلول، فما كان منها منصوصا لا يجوز خلافه. ومن حكم بما يخالف النص نقض حكمه. وسواء كان النص من كتاب أو سنة أو إجماع.
والمدلول على ضربين: ضرب متفق على تأويله، فهو كالمنصوص، لا يسوغ خلافه. وضرب اختلف في تأويله السلف رضوان الله عليهم على مذهبين، والناس فيه إلى اليوم قائلان.
فيجب على الحاكم اعتبار النوازل المتحاكم إليه فيها، فما كان منها منصوصا، فقد كفي مؤنة الاجتهاد فيه. وكذلك ما كان منها مدلولا متفقا على تأويله. وما كان منها مختلفا في تأويله لزم العمل فيه بما دلته الدلالة على صحته، وادان لله تعالى بأن الحق فيه، فلم يسعه العدول عنه إلى غيره، ولا أن يحكم بخلافه وإن كان مذهبا لغيره، لأنه يرى أنه غير صحيح، ويعتقد أن الحق في سواه، ومتى فعل ذلك كان عاصيا عادلا عن الحق، آثما مستحقا للوعيد. وإن كنا لا ننقض حكمه، كما ننقضه إذا خالف المنصوصات، لوجود الخلاف في المدلولات، غير أن الله تعالى يعلم منه أنه اتبع الهوى، وحكم بما يرى أن الحق في غيره.
[ ٤٨٦ ]
وقد قال أحمد ابن حنبل ﵁ في كتاب المتأولين، في من صلى في جلود الثعالب المدبوغة وهو يرى أن الدباغ يطهر أهب الميتة: إن صلاته صحيحة. قال: ولا بأس أن يأتم به من يرى خلاف رأيه ممن يذهب إلى أن الدباغ لا يطهر أهب الميتة. قيل له فإن صلى في جلود الثعالب المدبوغة من يرى أن الدباغ لا يطهر أهب الميتة يجوز الائتمام به؟ فقال: سبحان الله؛ يصلي فيما يعتقد أنه ميتة، صلاته باطلة، وصلاة من ائتم به غير جائزة. وكذلك مذهبه في جميع المتأولين. وإنما عينت هذه المسألة تنبيها على مذهبه في غيرها، وقد بينت مذهبه في المتأولين في كتاب الصلاة من كتابي هذا بما أغنى عن إعادته.
فيجب على الحاكم النظر لنفسه، والاحتياط لدينه، والاجتهاد في فكاك رقبته، وإعطاء الجهد من نفسه في طلب الحق والعمل به، اتباعا لقول الله ﷿: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ الآية [المائدة: ٤٩]. وحذرا من قوله ﷿: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦].
وقد روى ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا جلس القاضي في مكانه هبط عليه ملكان يسددانه، ويوفقانه، ويرشدانه ما لم يجُر، فإذا جار عرجا وتركاه".
[ ٤٨٧ ]