قال الله جل وعز: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ [المائدة: ٣٨].
فمن سرق ربع دينار ذهبا عينا فصاعدا، أو ورقا ثلاثة دراهم فضة، أو ما قيمته يوم السرقة ربع دينار فأكثر، أو ثلاثة دراهم فضة من العروض، قطع إذا سرق ذلك، وهتك الحرز، فأخرج ذلك منه.
وتقطع في السرقة اليد اليمين من السارق، رجلا كان أو امرأة، حرا أو عبدا، من الزند ثم تحسم. فإن عاد فسرق ثانية قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت. فإن عاد فسرق ثالثة، فهل تقطع يده اليسرى أم لا؟ على روايتين.
وكذلك لو سرق رابعة قطعت رجله اليمنى، في إحدى الروايتين. وإذا قلنا بقطع اليد اليسرى والرجل اليمنى، احتججنا له بأن أبا بكر الصديق ﵁ قطع بعد يد ورجل يدا. قال أحمد: إليه أذهب. والرواية الأخرى قال: لا يقطع منه أكثر من يد ورجل، ويدع له ما يأكل به ويتوضأ به للصلاة. وهو قول علي بن أبي طالب ﵁. فإن سرق بعذ ذلك أدب، وحبس، ولو سرق ألف مرة
[ ٤٧٩ ]
ولم يقطع، ثم قدر عليه بعد ذلك لم يقطع منه إلا يده اليمنى فحسب.
ومن أقر بسرقة ما يوجب القطع قطع ما لم يرجع عن الإقرار. ولا يقطع حتى يقر مرتين. فإن رجع عن الإقرار قبل القطع لم يقطع، وأغرم ما أقر بسرقته، إذا طلب ذلك المسروق منه. فإن قامت البينة عليه بسرقة ما يوجب القطع وجحد، لم يلتفت إلى جحوده وقطع.
فإن أقر عند شهود بسرقة أو بزنى، ثم جحد عند الحاكم، فقامت البينة على إقراره، فهل يقطع أو يقام الحد عليه أم لا؟ على روايتين إحداهما: تقام الحدود عليه من القطع والحد، ولا يُلتفت إلى جحوده بعد قيام البينة على إقراره.
والرواية الأخرى: لا تقام الحدود عليه وإن شهد الشهود على إقراره، كما لو أقر ثم رجع أو جحد.
ومن جمع المتاع في الحرز ولم يخرجه منه، ثم قدر عليه، لم يقطع. ومن أخرج المتاع من البيت إلى الدار، والدار حرز لمثله، لم يقطع. وإن لم تكن الدار حرزا عند ربها، فهل يقطع أم لا؟ على روايتين: قال في إحداهما: يقطع، وقال في الأخرى: لا يقطع، ما لم يخرج المتاع من الدار.
والنباش إذا أخذ في القبر قبل إخراج الكفن منه لم يقطع، فإن أخذ بعد إخراجه من القبر قطع، كما لو جمع اللص المتاع في الحرز، ثم أخذ قبل إخراجه لم يقطع، وإن أخذ بعد إخراج المتاع من البيت قطع.
وإذا اشترك جماعة في إخراج نصاب من الحرز قطعوا. وكذلك لو دخل بعضهم الحرز، وقام بعضهم خارج الحرز، فأخرج إليهم ما قيمته ربع دينار فأكثر، فكلهم سراق، وعلى جماعتهم القطع، من دخل الحرز ومن لم يدخله.
وقد روي عنه رواية أخرى في رجل سرق من شريكين أو من رجلين ليسا مشتركين خمسة دراهم أو ما قيمتة خمسة دراهم من حرز أنه قال: لا يقطع حتى يسرق من كل واحد منهما قيمة ربع دينار. فعلى هذه الرواية: إذا اشترك جماعة في
[ ٤٨٠ ]
سرقة لم يقطعوا حتى يحصل لكل واحد منهم قيمة ربع دينار فأكثر.
ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع.
ولا قطع على من سرق من بيت المال.
ولا قطع على مختلس، ولا على منتهب، ولا خائن، ولا غاصب.
ولا قطع في ثمر معلق في رؤوس النخل، ولا في كثر، وهم الجمار في النخل، ويؤدب ويغرم القيمة تضعف عليه، إن أخذ ما قيمته درهم ألزم درهمين، فإن آوى ذلك الجرين، وهو الحرز، فأخرج منه ما قيمته ربع دينار قطع، روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما تقول في الثمر المعلق؟ قال: "غرامته، ومثله معه وجلدات نكال". قال: "فإذا آواه الجرين فما بلغ ثمن المجن فعليه القطع".
ولا قطع في الغنم الراعية تسرق من السرح حتى تسرق من مراحها. ولا قطع على من سرق من المغنم، بل يؤدب ويحرق جميع رحله إلا المصحف وذوات الأرواح. ولا قطع على من سرق من ذي رحم محرم. ولا قطع على الزوج يسرق من زوجته، ولا عليها إذا سرقت منه. وقيل عنه: إن كان لكل واحد منهما حرز لماله، منفرد به دون صاحبه، ففتح أحدهما حرز صاحبه، وسرق منه ربع دينار فأكثر قطع. وقيل عنه: لا يقطع أحدهما ما سرق من صاحبه على كل حال.
ولا قطع في محرم، ولا قطع على العبد يسرق من سيده.
ويقطع المستعير إذا جحد العارية ثم أقر بها، وكان ذلك متكررا من فعله، معروفا من حاله؛ بحديث المدلجية.
[ ٤٨١ ]
ولا يشفع الإمام في حد الزنى والسرقة إذا رفع ذلك إليه؛ لأن ذلك من حقوق الله تعالى، فأما حد القذف، فهو حق للمقذوف، فله إسقاطه إن كان قد رفع إلى الإمام.
ويتبع السارق بمثل ما فات من السرقة إن كان له مثل، أو بقيمته عند عدم المثل.
ولا قطع على من سرق أقل من ربع دينار، أو أقل من ثلاثة دراهم، أو من المتاع ما قيمته أقل من ثلاثة دراهم من حرز، أو من غير حرز، ولا على من سرق ربع دينار فأكثر من غير حرز.
ولا قطع على السارق من الحمام إلا أن يكون قد جعل على المتاع حافظا.
ولا قطع على من سرق من خان مشترك له يد فيه، ولا من موضع مستطرق عليه حافظ؛ لأنه ليس بحرز.
ولا قطع على سارق السارق. بيانه: أن يسرق رجل متاعا من حرز يجب في مثله القطع، ويضعه في حرزه، فيفتح حرز السارق سارق آخر ويأخذ منه المتاع المسروق، ثم يُقدر عليه، والمتاع معه، فلا قطع عليه؛ لأنه سرق من غير مالك، ويرد المتاع إلى ربه.
ولا يجب القطع إلا باجتماع أشياء: أن يكون السارق بالغا، عاقلا، ويسرق من حرز ربع دينار فأكثر، من مالك صحيح الملك، ويحضر المالك ويدعي المسروق، فإن عدم شيء من ذلك، فلا قطع.
ولو سرق أقل من ربع دينار ذهبا وقيمته أكثر من ثلاثة دراهم ورقا لم يقطع.
قال: ولو قال رجل لرجل: قد سرقت منك عشرين درهما، لم يقطع، وضمن العشرين درهما.
ولو وجد رجل مع عبد كيسا فيه دراهم، فقال: سرقتها مني؟ فقال العبد: نعم، هذه دراهمك سرقتها منك، فحضر سيد العبد، فأكذب عبده، وقال: بل هذه
[ ٤٨٢ ]
دراهمي، كان القول قول السيد، والدراهم له، ولا قطع على العبد.
قال: ويقطع الطرار إذا كان يطر سرا، ويأخذ المال. وقد روي عنه رواية أخرى: أنه سئل عن الذي يأخذ من كم الرجل وجيبه ويطر؟ فقال: لا يقطع. هذا بمنزلة المختلس، وليس هذا بحرز.
ومن سرق عبدا صغيرا من حرز قطع. فإن سرق حرا صغيرا من حرز وغير حرز لم يقطع.
وإذا قطعت يد السارق علقت في عنقه. كذلك روي عن النبي ﷺ في حديث فضالة بن عبيد: أنه علق اليد في عنق السارق، وهو قول علي ابن أبي طالب ﵁. وإن لم يفعل فلا بأس.
ولو كانت يمين السارق شلاء قطعت في إحدى الروايتين. وسواء كان يحركها، أو لا يحركها. والرواية الأخرى، قال: الأشل بمنزلة الأقطع اليد، فلا تقطع يمينه الشلاء، وتقطع رجله اليسرى.
وقد روي عنه في السارق يسرق المتاع، ثم يتوب لنفسه من قبل أن يقدر عليه، أنه قال: لا يقطع، ويرد ما سرق إلى ربه.
[ ٤٨٣ ]