والمساقاة جائزة في الأصول، كالنخل والكرم إذا استؤجرت الأرض بأجرة معلومة على النصف مما تخرج من الثمر، أو الثلث، أو نحو ذلك. والباقي للعامل بحق عمله.
ولا يجوز أن يُجعل للعامل مع سهمه أجر. والعمل كله، من السقي، والتأبير، وتسوية النخل، والحفظ، وأجرة العوامل للسقي، والحرث، على العامل دون رب الأرض، وما كان من كراء عمود، وحفر نهر، وإنشاء ساقية وما في معنى ذلك، فعلى رب الأرض. وكذلك ما كان من بناء دولاب وعمارته ومَرَمَّته والخراج، فذلك كله على رب الأرض دون العامل.
وما كان من طريق الماء واستسقائه من دولاب وغيره، وأجرة الأجراء للعمل، فداخل في جملة ما على العامل دون رب الأرض.
وإن وقعت المعاملة على الأرض والنخل على أن يكون البذر من رب الأرض وله من الريع سهم معلوم بحق أرضه، ومن الثمرة سهم معلوم بحق نخله، وللعامل سهم معلوم من الريع والثمرة بحق عمله، جاز ذلك، إذا لم يرتجع رب الأرض بدل بذره، ويكون الكِراب والتقطيع وسائر العمل على العامل.
قال: ولا يقرض رب الأرض العامل شيئًا؛ لأنه يكون قرضا جر منفعة.
والشركة في المزارعة جائزة إذا كانت الأرض لأحدهما والبذر من عنده، والعمل، والنفقة، والعمارة، والكراب، والسعي على الآخر. فإن كانت الأرض لغيرهما، فاستأجراها بأجرة معلومة مدة معلومة، وتشاركا في زراعتها والبذر من
[ ٢٢٢ ]
عندهما، أو كانت الضيعة ملكهما واشتركا في زراعتها على ما قدمت ذكره، فالشركة صحيحة، والريع بينهما على ما اصطلحا عليه. فأما إن كان البذر من أحدهما، والأرض للآخر، والعمل على أحدهما أو عليهما، واتفقا أن الريع بينهما، لم يجز، وكان الريع لصاحب البذر، ولصاحب الأرض أجرة أرضه. وكذلك لو كان البذر من رب الأرض، وتشارطا أن يرتجع مثل بذره ويقتسما ما بقي، لم يجز، وكان الريع كله لصاحب الأرض، وعليه للعامل أجرة مثله.
وإن اكتريا أرضا من غيرهما واشتركا في زراعتها، على أن البذر من أحدهما والعمل على الآخر، لم يجز، وكان الريع لصاحب البذر، وللعامل أجرة مثله في الأظهر من القول عنه. وقيل عنه: يجوز ذلك. وهذا من قوله مبني على جواز الشركة بالعروض.
ولا بأس باستكراء الأرض بالأجر المعلوم من عين أو ورق أو حب معلوم. وقد قيل عنه: لا تكرى الأرض بجنس ما يزرع فيها، مثل أن يكريها ببر ممن يزرعها برا، فإذا آجرها ببر لمن يزرعها شعيرا جاز. وهذا منه على طريق الكراهية لا على طريق الحظر. فإن كانت الأرض ذات نخل وشجر، فاستأجر البياض دون النخل أو الشجر جاز. وإن استأجر الأرض وما فيها من نخل، لم يجز إلا على وجه المساقاة على ما بينت.
قال: ولو زارع رجلا على الثلث، أو الربع، أو عامله على نخل أو شجر، لم يكن للعامل أن يبيع نخله من غيره، ولا أن يبيع سهمه من غيره. وإن فعل، كان البيع باطلا، فإن باع حقه من الزرع بعد بدو صلاحه جاز.
واختلف قوله في الرجلين تكون لأحدهما أرض لا شرب لها وللآخر الماء، فيقول رب الأرض لرب الماء: أنا أزرع أرضي على أن تسقيني من مائك والزرع بيننا. على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى، والأول أظهر.
ومتى حصل للأكَّار من الزرع خمسة أوسق فأكثر، فالزكاة عليه واجبة وقد
[ ٢٢٣ ]
بينته في باب الزكاة.
قال: وما تساقط من الحب وقت الحصاد ثم نبت في العام المقبل وصار زرعا، كان لرب الأرض دون العامل أو المستأجر.
ولو آجر أرضه سنة ممن يزرعها، فزرعها المستأجر، فلم تنبت في تلك السنة شيئا، ثم أنبتت في السنة الأخرى، كان الزرع للمستأجر، ولرب الأرض الأجرة بحساب ما احتبست الأرض. وليس لرب الأرض مطالبة المستأجر بقلع زرعه قبل إدراكه.
ومن آجر أرضا فغرقت، انفسخت الإجارة. فإن ظهر فيها سمك كان لرب الأرض.
ومن حصل له من أرضه من الحب خمسة أوسق فصاعدا، فأخرج عشره، ثم بقي عنده سنتين لا يريد به التجارة، فلا زكاة فيه قولا واحدا إلا أن يبيعه فيستقبل بثمنه حولا، ثم يزكيه إن كان نصابا، فإن نوى به التجارة ولم يبعه حتى حال الحول، فهل عليه أن يقومه ويخرج ربع عشر قيمته أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: أنه يقومه بعد تمام الحول من يوم أراد التجارة ويزكيه. والأخرى: لا زكاة فيه، وإن نوى به التجارة، إلا أن يبيعه ويستقبل بثمنه حولا، ثم يزكيه.
واختلف قوله في الرجل يقول لرجل: جُذَّ نخلي أو احصد زرعي بالثلث منه أو الربع، على روايتين؛ أجاز ذلك في إحداهما بما اتفقا عليه، ومنع منه في الأخرى، وقال: للعامل أجرة مثله، وكره الحصاد والجذاذ ليلا، وأباح اللِّقاط، ونهى أن يمنع منه.
ومن ابتاع تمرا في رؤوس النخل، فأصابته جائحة سمائية أو أرضية من برد أو ريح أو حر أو ما في معنى ذلك، فأهلكته أو بعضه، فللمشتري أن يرجع بالجائحة على البائع. وسواء كانت بقدر الثلث أو أكثر أو أقل؛ لأن النبي ﷺ وضع
[ ٢٢٤ ]
الجوائح، ولم يخص منها قليلا من كثير.
ومن أعرى ثمر نخلات من حائط لا يبلغ قدرها خمسة أوسق، فوهبها لرجل، جاز أن يبيعها بخرصها تمرا كيلا بعد زهوها، ولا يجوز ذلك في خمسة أوسق فأكثر. ولا يكون ذلك من باب ما نهي عنه من المزابنة، لأثر الوارد فيه.
[ ٢٢٥ ]
كتاب