والتوكيل لإثبات الحجج واستيفاء الحقوق جائز، حاضرا كان الموكل أو غائبا. وكذلك التوكيل بالشراء، والبيع والعتق، والطلاق، والقسمة، وسائر الحقوق والعقود جائز.
واختلف عنه: هل يجوز التوكيل باستيفاء الحد والقصاص أم لا؟ على روايتين.
وإقرار الوكيل على موكله غير جائز، وصلحه عنه غير ماض، إلا أن يجعل إليه لامصالحة، فيجوز حينئذ صلحه. وكذلك لو جعل إليه أن يقر عليه، جاز إقراره عليه.
وشراؤه لنفسه من نفسه من مال موكله باطل. وكذلك شراؤه لموكله من نفسه.
واختلف قوله: هل للوكيل أن يوكل به غيره بغير إذن موكله أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى، إلا بإذن الموكل، وبهذا أقول.
فإن وكل الوكيل وكيلا، وابتاع منه لنفسه من مال موكله، أو باعه لموكله من مال نفسه، فإن كان الموكل الأول جعل للوكيل أن يوكل فيما وكله به غيره؛ فالابتياع في الوجهين جائز. وإن كان لم يجعل إليه توكيل غيره؛ فالابتياع في الوجهين غير جائز في إحدى الروايتين، إذا قلنا: إن وكالة الوكيل لا تجوز، إلا بإذن موكله. وإذا قلنا: إن وكالته جائزة، وإن لم يجعل ذلك إليه، كان الابتياع جائزا في الوجهين.
والوكيل أمين ما لم يتعد أو يخن. فإن خالف أو خان كان ضامنا.
[ ٣٦٧ ]
ولو باع الوكيل بالوكالة بيعا، ثم ادعى تلف المال، كان القول قوله، فإن اتُّهم لم يلزمه غير اليمين.
ولو وكله في طلاق زوجته، كان الطلاق بيد الوكيل، ما لم يفسخ وكالته، أو يطأ الموكل قبل إيقاع الوكيل الطلاق، وقد يتوجه أن لا تنفسخ وكالة الوكيل بوطء الموكل قبل إيقاع الوكيل الطلاق، وقد يتوجه أن لا تنفسخ وكالة الوكيل بوطء الموكل، كما لو وكله في بيع دار ثم سكنها الموكل، فإن ذلك يكون عزلا للوكيل من الوكالة.
ومن وُكِّل في شيء مخصوص لم يكن وكيلا في غيره، ولا خصما في سواه.
فإذا أطلق وكالته جاز تصرفه في سائر حقوقه، وجاز بيعه عليه، وابتياعه له، وكان خصما في كل ما يدعيه لموكله ويُدّعى عليه بعد ثبوت وكالته منه.
ولو وكل وكيلا ثم وكل غيره، فهما وكيلاه حتى يخرج أحدهما من وكالته.
ومن وكل وكيلين على الاجتماع لم يجز انفراد أحدهما بالتصرف دون صاحبه، فإن جعل لهما التصرف في حالة الاجتماع والانفراد، جاز تصرفهما على الاجتماع وتصرف كل واحد منهما على الانفراد في الوكالة.
ولو دفع إلى رجل عشرة دراهم، فقال: ابتع لي بها ثوبا. فابتاع له الثوب، ولم ينقد الثمن، فهلك الثوب والثمن في يده، فالوكيل أمين في الثوب، ومن مال الموكل هلك، ويضمن الوكيل للبائع ثمن الثوب، لأنه خالف حين لم ينقده ثمنه عند عقد البيع، فضمن بالمخالفة، إلا أن يكون لم يفرط، مثل أن يبتاع الثوب، والثمن في بيته ويقبضه ويقول للبائع: امض لأفيك الثمن، فيهلك الثوب منه، ويكون الثمن قد هلك من حرزه، فيكون هلاك الثوب والثمن جميعا من الموكل، ويلزمه ضمان الثمن للبائع دون الوكيل.
ولو وكله في قبض ورق له، فصارف عليها الوكيل، لم يجز فعله، إلا أن يكون الموكل جعل إليه المصارفة، فيجوز فعله.
قال: ولو كان له على رجل خمسون دينارا، فوكل المدين صاحب الحق في
[ ٣٦٨ ]
بيع داره أو متاعه، فباعه بورق، لم يجز له أن يصارف نفسه ويأخذ الدراهم بحقه، ولكن يبيعها من غيره بعين، ويستقصي فيها ويحتاط، ثم يأخذ من العين قدر حقه.
فإن وكله في قبض خمسين فقبض مئة، ثم هلك الجميع منه، كان ضامنا للباعث قدر الزيادة، لأنه خالف فيها وقبضها بغير حق.
فإن خلط الوكيل مال موكله بماله فيما لا يتميز، فهلك المالان، لم يضمن، وإن هلك أحدهما ضمن مال موكله، وكان الهالكمن ماله، لأنه لا يعلم هذا الهالك ماله أو مال موكله.
ولو وكله في قبض مال فأخذ به رهنا، وهلك الرهن في يده كان مسيئا، وكان الرهن هالكا من ماله، ولا ضمان على الوكيل ما لم يجن عليه، أو يفرط في حفظه.
ولو وكله في ابتياع سلعة، فابتاعها، ثم باعها بغير إذن الموكل، فعلى روايتين: إحداهما: البيع باطل، والرواية الأخرى: البيع موقوف على إجازة الموكل ورده، فإن أجاز صح، وإن رده بطل.
وكذلك لو باع السلعة وابتاع للموكل بثمنها سلعة أخرى، كان ذلك باطلا في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: موقوف على إجازة الموكل ورده، لحديث عروة البارقي الذي يرويه عبدالله بن أحمد بن أبيه، قال: حدثنا أبو كامل، حدثنا سعيد ابن زيد، حدثنا الزبير بن الخريت، حدثنا أبو لبيد عن عروة بن أبي الجعد البارقي، قال: عرض للنبي ﷺ جَلَب، وأعطاني دينارا، وقال لي: "أي عروة: ائت الجلب فاشتر لنا منه شاة"، فأتيت الجلب فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار، فجئت أسوقهما، قال: أو أقودهما، فلقيني رجل بالطريق، فساومني، فابتعته الشاة بدينار، فجئت بالدينار وجئت بالشاة، فقلت: يا رسول الله هذا ديناركم، وهذه شاتكم. قال: "وصنعت كيف؟ " قال: فحدثته الحديث، فقال: "اللهم بارك له في صفقة يمينه". قال: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن
[ ٣٦٩ ]
أصل إلى أهلي. قال: وكان يشتري الجواري ويبيع.
[ ٣٧٠ ]
باب في