قال الله ﷿ (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) الآية الجمعة ٩)
وروى سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال «يا أيها الناس توبرا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له ترزقوا وتنصروا وتجبروا واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة فريضة واجبة إلى يوم القيامة من تركها وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها وجحودا لها فلا جمع الله له شمله ولا أتم له أمره ألا لا صلاة له ألا لازكاة له ألا لاحج له ألا لا صوم له إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا أعرابي مهاجرا ولا فاجر مؤمنا إلا أن يخاف سيفه أو سلطانه) فالسعي إلى الجمعة فريضة وذلك عند جلوس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنين في الأذان ويحرم حينئذ البيع وكل ما شغل عن السعي محرم ومتى عقد في هذا الوقت مخاطب بالجمعة بيعا كان باطلا فإن عقده مقيم ليس بمخاطب بالجمعة فعلى روايتين إحداهما البيع صحيح لأن الله تعالى أنما أمر بترك البيع عند النداء لها من كان مخاطبا بحضورها مأمورا بالسعي إليها والرواية الأخرى البيع باطل فإما المسافر أو المقيم في قرية لايلزمه السعي منها إلى الجمعة لبعد مابينهما من المسافة فإن عقد في هذا الوقت بيعا كان جائزا قولا واحدا.
والجمعة تجب بالمصر والجماعة الأحرار الذين تبلغ عدتهم أربعين رجلا
[ ٩٧ ]
وقيل عنه: لاتنعقد الجمعة بأقل من خمسين رجلا والمقام وإذن الإمام في الصحيح من المذهب. والخطب فيها واجبة قبل الصلاة ويجلس الإمامُ إذا رقي المنبر حتى يؤذن المؤذنون ثم يقوم فيخطب فإن جلس في وسط الخطبة جاز وإن سردها ولم يجلس فيها فكل موسع قد روى أبو عوانة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال رأيت رسول الله ﷺ يخطب قائما ثم يقعد قعدة لا يتكلم وقد سرد الخطبة جماعة من الصحابة ﵃ ولم يجلسوا فيها منم المغيرة وبه قال أُبي بن كعب وقد روي أن النبي ﷺ كان يجلس بين الخطبتين فالأمران جائزان.
ويستقبله الناس وينصتون له في حال خطبته ثم تقام الصلاة عند فراغه من الخطبة وينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة في الأول منهما بفاتحة الكتاب وسورة الجمعة وفي الثانية بفاتحة الكتاب و(سبح اسم ربك الأعلى) وما قرأه فيهما بعد أُم الكتاب فجائز.
ويجب السعي إلى الجمعة على أهل المِصر وعلى من بينه وبين المصر ثلاثة أميال فأقل وقيل عنه يجب السعي إليها على من يقدر على إيتان المصر وفعل الجمعة والعود إلى منزله من يومه ولا تجب على من لم يقدر على ذلك. قال ابن عمر تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله فإن كانت قرية فيها أربعون رجلا وبينها وبين المصر أكثر من ثلاثة أميال وقد أذن لهم الإمام في إقامة الجمعة في قريتهم خطب بهم أحدهم وصلى بهم الجمعة وأجزأتهم في إحدى الروايتين وفي الرواية الأخرى إن كانوا خمسين رجلا جاز أن يصلوا الجمعة فأما أقل فلا وإن لم يكن الإمام أذن لهم في إقامة الجمعة فهل يصلونها
[ ٩٨ ]
جمعة أو ظهرا؟ على روايتين.
وللجمعة وقتان وقت جواز وهو قبل الزوال وقيل في الساعة الخامسة ونحوها ووقت وجوب وهو بعد الزوال وهي مخصوصة بذلك وقد روى وكيع السُلمي قال شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق ﵁ فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار وشهدتها مع عمر بن الخطاب ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد انتصف النهار ثم شهدتها مع عثمان بن عفان ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره.
ومتى ابتدأ بهم الجمعة في وقتها وطول إلى أن خرج وقت الظهر وهو فيها أتموها جمعة وأجزأتهم.
ولا تجب الجمعة على عبد ولا على مسافر ولا على امرأة ولا صبي ولا مريض ولا محبوس لحديث أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مسافرا أو عبدا ومن استغنى بلهوا أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد» ومن حضرها من هؤلاء وصلاها أجزأته عن فرضه.
وقد روي عن أحمد ابن حنبل ﵁ في العبد رواية أخرى: أن الجمعة تجب عليه كالحر وكغيرها من الصلوات.
ولا يركع بعد صعود الإمام المنبر من كان في المسجد ويركع من دخل في ذلك الوقت ركعتين خفيفتين قبل أن يجلس.
والغسل للجمعة مسنون والتبكير إليها ومس الطيب لها ولبس أحسن
[ ٩٩ ]
الثياب مستحب حسن.
ولو خطبهم - وهم أربعون- فانفضوا أو بعضهم قبل فراغ الإمام من الجمعة صلوها ظهرا.
وكل مكلف مخاطب بالعبادات ففرضه الجمعة سوى من ذكرنا.
فمن صلى الظهر في بيته يوم الجمعة ممن عليه حضورها قبل صلاة الإمام لم تُجزه الظهر قولا واحدا ولزمه السعي إلى الجمعة فإن أدركها وصلاها مع الإمام فهي فرضه وإن لم يدركها أعاد الظهر وكذلك لو لم يسع إليها بعد أن صلى الظهر حتى فاتته لزمه إعادة الظهر بعد صلاة الإمام لم يجزه غير ذلك.
فإن كان إمام يؤخر الجمعة إلى أن يخرج وقتها وصلى الظهر في بيته من يريد إتيان الجمعة ثم أتى الجمعة فإن أدركها صلاها مع الإمام والأولى فرضه وإن لم يدركها أجزأته الظهر ولم تلزمه إعادتها وقد جل على ذلك ما رواه همام عن أبي عمران الجوني عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال كيف تصنع إذا أدركت أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت كيف تأمرني أن أصنع قال صل الصلاة لوقتها واجعل صلاتك معهم نافلة»
والسفر يوم الجمعة قبل الصلاة مكروه إلا في الجهاد خاصة فإنه مباح عندي لحديث مقسم عن أبي عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وجهة عبدالله بن رواحة الإنصاري وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة فتخلف عبدالله بن رواحة قال رسول الله ﷺ ماخلفك؟ قال الجمعة يارسول الله أجمع ثم أروح فقال رسول الله ﷺ «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» فراح منطلقا.
ولو ترك الخطبة في الجمعة لم تجزهم جمعة وأعادوها ظهرا.
[ ١٠٠ ]
ولم يختلف قوله أنه لايجوز أن يخطب الرجل ويصلي بهم غيره لغير عذر واختلف قوله فيه إذا كان لعذر مثل أن يحدث الإمام بعد فراغه من الخطبة فهل له أن يستخلف من يصلي الجمعة أم لا؟ على روايتين فإذا قلنا لا يستخلف صلاها ظهرا وإذا قلنا يستخلف فهل تجب على الثاني إعادة الخطبة أم يجزئه أن يصلي بهم ولا يخطب وتجزئهم خطبة الأول؟ على روايتين.
وكذلك اختلف قوله في الإمام يُصْرَف بعد خطب ويُولى غيره هل يُتمُ بهم الذي خطب بعد أن عُزل أم لا؟ على روايتين إذ قلنا لاتفتقر الجمعة إلى إذن الإمام جاز وإذا قلنا تفتقرُ لم يجز وإن صلى بهم الثاني فهل يبني على خُطبة الأول ويصلي بهم أم يفتقر إلى استئناف خُطبة؟ على روايتين.
ومن زُحم يوم الجمعة فلم يقدر على الركوع والسجود في ركعة وقدر عليه في ركعة أضاف إليها أخرى وأجزأته جمعة ومن لم يقدر على ذلك في الركعتين فليصلها ظهرا فإن قدر على السجود على ظهر رجل وفعل أجزأه ومن أدرك من الجمعة ركعة كاملة أضاف إليها أخرى وكانت له جمعة ومن أدرك أقل من ركعة أو أدركهم جلوسا في التشهد فقد فاتته الجمعة فليصل الظهر أربعا كذلك إذا أدركهم بعد فراغ القراءة أو قال إذا أدركهم جلوسا صلى أربعا ونقل هبيرة بن يريم وأبو الأحوص عن عبدالله من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها ركعة أخرى ومن فاته الركعتان فليصل أربعا.
ومن دخل مع الإمام في صلاة الجمعة ثم ذكر بعد أن يحرم بها أو عند قيامه إليها أن عليه صلاة الفجر فعلى روايتين قال في إحداهما يُتمُّ الجمعة ثم يقضي الفجر ثم يعيد الجمعة أربعا وقال في الأخرى يصلي الجمعة ثم يقضي الفجر ولا يعيد الجمعة وهو الصحيح لأن وقت الجمعة ضيق وهي صلاة تؤدى ولا تقضى وقد قال في غيرها من الصلوات إذا ضاق وقتها عن القضاء والأداء بدأ بصلاة الوقت حتى لايضيع الوقتين ففي الجمعة أولى.
[ ١٠١ ]
وكذلك الإمام يذكر أن عليه صلاة بعد دخوله في الجمعة يتم الجمعة ثم يقضي التي ذكرها وهل يعيد الجمعة أم لا على روايتين قد أجزأته فلا يعيدها وكذلك من صلى خلفه والرواية الأخرى عليه بعد قضاء المنسية أن يصلي الظهر أربعا لأن الجمعة لم تجزه ويجب على المأمومين على هذه الرواية إعادة صلواتهم ظهرا لأن من قوله إن صلاة المأمومين منعقدة بصلاة الإمام فإذا بطلت صلاته بطلت صلاتهم.
وإن كان ذكر المنسية عند القيام إلى الجمعة قبل التحريم بها فالأولى هاهنا أن يستخلف من يصلي بهم الجمعة ثم يصلي التي عليه ثم إن أدرك الجمعة صلاها مع الإمام وإلا صلى الظهر فإن لم يفعل وصلى بهم الجمعة فعلى روايتين كما بينا والله أعلم.
[ ١٠٢ ]