باب
فضل العلم والتفقه في الدين وذكر العام والخاص
وما ظاهره العموم والمراد به الخصوص وما ظاهره
الخصوص والمراد به العموم وذكر الأصول
التي عليها مدار الفقه وما في معنى ذلك
قال الله ﷿ (فلولا نفر من كل فرقة
وروى سفيان بن عيينه عن عبد الملك بن عمير عن ابن عبد الله بن مسعود عن أبيع ﵁ أن النبي صلى الله علية وسلم خطب بالخيف من منى فقا ل «نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لافقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لايغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله ﷿ وصيحة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحوط من وراءهم»
وروى محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدثنا سعيد بن عُفير قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن أبن شهاب قال حدثني حميد بن عبد الرحمن قال سمعت معاوية خطيبا فقال: سمعت النبي صلى الله علية وسلم يقول (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»
[ ٩ ]
فالفقه يدور على ثلاثة أصول متفق عليها:
كتاب الله ﷿ وسنة رسول الله صلى الله علية وسلم وإجماع الأمة
وأصل رابع مختلف فيه وهو القياس وهو عندنا أصل صحيح يعمل به عند عدم هذه الأصول الثلاثة لأن القياس هو رد الشي إلى نظيره من أحد هذه الأصول التي ذكرتها.
وليس من حادثة تحدث ولا من نازلة تنزل بأحد إل وفي كتاب الله تعالى حكمها إما نصا وإما دليلا قال الله ﷿ «ما فرطنا ..) الإنعام ٣٨) وقال الله تعالى (وأنزالنا إليك الذكر) النحل ٤٤)
فالقرآن أصل علم الشريعة نصه ودليله والحكمة بيان رسول الله صلى الله علية وسلم فكل ما صح عنه علية الصلاة والسلام بالنقل الصحيح أنه قاله أو فعله وجب المصير إليه إلا أن يقوم الدليل أنه أراد به الندب دون الإيجاب أو يقوم الدليل أنه خاص له صلى الله علية وسلم أو لمن أمره به دون غيره فلا نُعدي به موضح الخصوص إلا بدليل قال الله ﷿ (وما آتاكم الرسول) الحشر ٧) وقال (فلا وربك لايؤمنون بينهم) النساء ٦٥)
وقال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) النجم (٣ - ٤)
والأمة المجتمعة حجة على من خالفها أو شذ عنها
وخبر الواحد يوجب العمل والعمل
والأصل: كل ما تمكن بنفسه وتفرع عنه غيره
والفرع: مالم يعلم بنفسه
والعلم: معرفة الشيئ المعلوم على ماهو به
والكلام على ظاهره وعمومه حتى يقوم دليل الخصوص فيه
[ ١٠ ]
والأسماء المفردة ثلاثة:
عام لاخصوص فيه كقول: شيء قال الله ﷿ (إن الله بكل شيء عليم) الأنفال ٧٥) (إن الله على كل شيء قدير) البقرة ٢٠)
والثاني: عام من وجه خاص من وجه قال الله جل اسمثه (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (التوبة٥) و(قاتلوا الذين لايؤمنون بالله) إلى آخر الآية (التوبة ٢٩) هذا عام في جميع المشركين إلا من استثناه منهم من أهل الكتاب وقال ﷿: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (المائدة٣٨) فهو عام فيمن سرق ربع دينار فأكثر من حرز خاص فيما دون ذلك.
والثالث: خاص لاعام فيه كقولك: زيد وعمرو قال الله ﷿ (محمد رسُولُ الله) الفتح ٢٩) فهذا خاصُ.
وإن أقل العموم شيئان وأقل الخصوص واحد.
والمطلق: مالم يُقيد
والمقيد ماضم إليه وصف قال الله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (وأمهات نسائكم) (النساء٢٣) فأطلق وقال في الربائب (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) النساء ٢٣ فقيد.
والعموم: مالو كُلف إمضاؤه لصح.
والمجملُ: مالو كٌلف إمضاؤه لم يصح حتى يُفسر.
وأوامر الله ﷿ ورسوله ﷺ على الوجوب إلا ما قام الدليل على الندب وأفعالُ النبي ﷺ عل الوجوب عندنا إلا ما قام دليل الندب والإرشاد فيه.
والأوامر على ضروب:
أمرُ حتم كقول: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) البقر ١١٠) و(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) النساء ٥٩) و(واتقوا الله) النساء ١) يفي ذلك
[ ١١ ]
وأمرٌ وعيد كقوله (اعملوا ماشئتم) فصلت ٤٠) وقولة (قمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف ٣٩)
وأمر تعجيز كقوله (قل كونوا حجارة أو حديدا) الإسراء ٥٠)
وأمر جزاء كقوله (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) الزخرف ٧٠)
أي: هذا ثواب لكم وقوله (وقيل ادخلا النار مع الداخلين) التحريم ١٠)
أي: هذا عقابكم.
وأمرُ إباحة كقوله تعالى (وإذا حللتم فاصطادوا) المائدة ٢) (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) الجمعة ١٠) وقوله ﷿ (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) البقرة ١٩٤)
وأمرُ إرشاد كقوله تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم) البقرة ٢٨٢) (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) البقرة ٢٨٣)
وفي القرآن أي أولها ندبُ وآخرها حتم وكذلك في السُنة كقوله تعالى (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) الأنعام ١٤١) وقوله تعالى (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) النور ٣٣) ومن أصحابنا من قال: إذا علم السيدُ في عبده خيرا وجب عليه أن يكاتبه إذا اختار العبدُ ذلك وسأل مولاه وقال تعالى: (لاجناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن) البقرة ٢٣٦) فهذه الآيات أولها ندب وأخرها حتم.
ومن السنة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هُجرا) و: (انتبذوا في الظُروف واجتنبوا كُل مسكر)
[ ١٢ ]
والقياس قياسان: جلي وخفي.
فالجلي: مالاتجاذب فيه قال الله تعالى (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) الإسراء ٢٤) (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) الزلزلة ٧ - ٨) ونهي عن الثوب المصبوغ بالورس للمحرم لكان الممسك أشد نهيا.
والخفي ماتتجاذبة الأصول كالجناية على العبد فالعبد في شبة من الأحرار وشبة من الحيوان فأشبة الأحرار من جهة أنه أدمي وأنه مخاطب عن العبادات وأنه يجري فيما بينهم القصاص ويجب على قاتله الكفارة وأشبه الحيوان من جهة أنه مال.
والكلام عند أهل النظر أربعة خبر، واستخبارا، وأمر ونهي.
والنسخ رفع ماثبت من الحكم مثل قوله تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) النساء ١٥) نسختها: (والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) النور ٢) ومثل قولة تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواج متعا إلى الحول غير إخراج) البقرة ٢٤٠) نسخها قوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) البقرة ٢٣٤) ومثل قوله: (الوصية للوالدين والأقربين) البقرة ١٨٠) نسخها قوله (يوصيكم الله في أولادكم) النساء ١١)
السنة لاتنسخ القران عندنا ولكنها تخص وتبين وقد روي عنه رواية أخرى أن القران يُنسخُ بالمتواتر من السنة.
والمكنيُ: مثل قوله تعالى (وسئل القرية التي كنا فيها) يوسف ٨٢) يريد: أهلا و(وكم قصمنها من قرية) الأنبياء ١١) أي: أهلها ومن أصحابنا من منع
[ ١٣ ]
أن يكون في القرآن مكني وحمل كل لفظ وارد في القرآن على الحقيقة والأول أمكنُ لأن قولة تعالى (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) الإنعام ٣٠) يقتضي ظاهر هذا أن يكون هذا الخطاب من الله ﷿ للكفار حقيقة ولا أعلم خلافا بين أصحابنا أن الله تعالى لايكلم الكفار ولا يحاسبهم فعلم بذلك أالمراد بالآية غير مافي ظاهرها.
والعام يراد به الخاص مثل قوله (وأوتيت من كل شيء) النمل ٢٣) ولم تؤت ملك سليمان ولا خٍلقة الرجل وقال (تدمر كل شيء بأمر ربها) الأحقاف ٢٥) ولم تدمر السماء فدل القياس على الخصوص.
والخاص يرادُ به العام كقوله: (يا أيها النبي اتق الله) الأحزاب ١) وهو يريد الكل وقال تعالى (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) النساء ٢٣) وهو يريدهم وحلائل البنين من الرضاعة.
والخصوص من العام كقولة تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) المائدة ٣٨) ثم خص من سرق أقل من ربع دينار من حرز أو غير حرز أو أكثر من ربع دينار من غير حرز وكقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) التوبة ٥) وقال (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) البقرة ٢٢١) ثم استثنى محصنا أخل الكتاب وقال: (وماذبح على
[ ١٤ ]
النصب) المائدة ٣) (وما أهل به لغير الله) البقرة ١٧٣) ثم قال (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) المائدة ٥)
[ ١٥ ]