قال الله ﷿: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩].
فإذا خرجت فئة على الإمام العادل، وبغت عليه، ونصبت إماما، أو خرجت عن طاعته، وأظهرت مشاققته، اجتهد في استصلاحها وردها عن بغيها بأرفق الأمور، وسئلت: ماذا نقمت، وما دعاها إلى الخروج؟ فإن ذكرت ما يوجب مظلمة أزيلت، وإن لم تذكر شيئا من ذلك أمرت بالعود إلى طاعة الإمام، فإن أبت لم تقاتل حتى تؤذن بالقتال. فإن أقامت على البغي بعد ذلك حل قتالها.
قال أحمد ابن حنبل ﵁: السلطان ولي من حارب الدين كالخرمية ونحوهم.
فإذا قوتل البغاة، فمن قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين. ولا تخمس أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا تباح أموالهم، ولا يجاز على جريحهم.
ومن قعد من الفئة الباغية عن القتال لم يقاتل ولم يقتل. كذلك روي عن علي ابن أبي طالب ﵁ أنه قال: ألا لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح.
[ ٥١٧ ]
وإن رجع البغاة عن البغي بعد القتال قبل منهم، كما لو رجعوا قبل القتال. وما أصابوه من دم أو مال في حال المعترك لم يطلبوا به، إلا أن يوجد المال بعينه.
ومن قتل من أصحاب الإمام العادل كان شهيدا.
وما جباه البغاة من خراج بلد تغلبوا عليه احتسب بذلك الإمام لأهل البلد إذا قدر عليه، ولم يعد عليهم به.
ولا ينقض من أحكامهم ما لم يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع.
قال أحمد: وكذلك يقاتل الإمام الحرورية إذا دعت إلى دينها وما هي عليه. فأما إذا اجتمعت فئة ممتنعة غير متأولة لا تدعو إلى نفسها، ولا إلى الإمام، فأصابت مالا أو دما، فليس حكمها حكم الفئة الباغية، بل حكمها حكم قطاع الطريق على ما بينت من أمرهم، لا يسقط عنهم ما أصابوا من الأموال والأنفس.
والخوارج كلاب أهل النار. كذلك قال أحمد بن حنبل ﵁، لحديث فيهم من عشرة أوجه: "الخوارج كلاب أهل النار". والحكم فيهم ما قال علي بن أبي طالب ﵁ حين سمع رجلا في ناحية المسجد يقول: لا حكم إلا لله، فقال علي ﵁: كلمة حق أريد بها باطل. لكم علينا ثلاث: أن لا نمنعكم مساجد الله تذكرون فيها اسم الله ﷿، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال.
ولو كان على البغاة وال من قبل الإمام العادل، فقتلوه من قبل أن ينصبوا إماما، كان عليهم في ذلك القصاص في معنى قوله. وهو قول علي ﵇.
[ ٥١٨ ]
ولو أسر بالغ من الرجال الأحرار من الفئة الباغية، وحبس إذا خشي منه، ليكف شره عن المسلمين، جاز.
ولو خاف الإمام العادل الضعف كان له تأخير قتالهم حتى تمكنه القوة عليهم.
ولو استعان أهل الفئة الباغية بأهل الحرب على قتال أهل العدل، قتل أهل الحرب وسبوا، ولا تكون استعانة البغاة بهم على قتال أهل العدل، أمانا لهم.
قال أصحابنا: ولو كان لهم أمان فقاتلوا أهل العدل، كان نقضا لأمانهم.
فإن استعان أهل البغي بأهل الذمة على قتال أهل العدل، فقاتلوا معهم، فعلى وجهين: أحدهما ذلك نقض لعهدهم؛ لأن من قاتل المسلمين من أهل العهد فقد عاد حربيا. والوجه الآخر: لا يكون ذلك نقضا لعهدهم. والأول أظهر، إلا أن يدعوا الجهل، فيقولوا: كنا نرى إذا حملتنا طائفة من المسلمين على أخرى أن قتالها مباح، كما إذا حملنا المسلمون على قتال قطاع الطريق. أو قالوا: لم نعلم أن من حملونا على قتالهم مسلمون، فلا يكون هذا نقضا للعهد وجها واحدا. ويؤخذون بكل ما أصابوا من دم أو مال.
وإن قتل رجل من أهل العدل ذا رحم محرم من أهل البغي، أو قتله الباغي في المعترك، قال بعض أصحابنا: إنهما يتوارثان. وحكاه عن أحمد ولم يسم ناقل المسألة عنه.
والذي يقتضيه المذهب عندي: أن العادل إذا قتل الباغي في المعترك ورثه؛ لأن التأويل يسعه، كما لو أقاده بوليه لم يكن القود مانعا من الميراث. وكما قال أحمد فيمن شهد على ذي رحم محرم منه بالقتل أو الزنى فقتل بشهادته: إنه لا يكون بذلك قاتلا ويرثه.
ومن أريد ماله أو دمه أو حريمه، فله أن يقاتل ويدفع عن نفسه، وإن أتى ذلك الدفع على نفس من أراده، وإن قتل هو كان شهيدا، قال رسول الله صلى الله عليه
[ ٥١٩ ]
وسلم: "من قتل دون ماله، فهو شهيد".
[ ٥٢٠ ]