قال الله ﷿ (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) العمران ٩٧) وقال تعالى (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا نافع لهم) الآية الحج ٢٧ - ٢٨)
فحج بيت الله تعالى الحرام بمكة فريضة على كل حر مسلم بالغ صحيح عاقل استطاع إلى ذلك سبيلا مرة احدة في عمره.
وكذلك العمرة واجبة على كل من وجب عليه الحج مرة في العمر قال الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة) البقرة١٩٦) وقال رسول الله ﷺ «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» وفي كتاب النبي ﷺ إلى ابن حزم «ألا أن العمرة هي الحجة الصغرى» وبذلك قال ابن عباس ﵁ وقال جابر بن عبدالله ليس أحد من خلق الله ﷿ إلا وعليه عمرة واجبة.
والسبيل: الطريق السابلة السالمة غالبا والزاد والراحلة المبلغان إلى مكة وإلى العَوْد إلى منزله مع نفقة عياله لمدة سفرة.
وكذلك المرأة والمحرم من شرط استطاعتها فمن عجز عن ذلك ففعل الحج غير واجب عليه قال علي بن أبي طالب ﵁: لما نزلت (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) آل عمران ٩٧) قالوا يارسول
[ ١٥٦ ]
الله أفي كل عام؟ فسكت ثم قالوا أفي كل عام؟ قال «لا ولو قلت نعم لوجبت» فأنزل الله ﷿ (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) الآية (المائدة ١٠١) وقال الحسن ولما نزلت (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قالوا يارسول الله وما الاستطاعة؟ قال (الزاد والراحلة)
ومن ملك منزلا يسكنه وخادما لاغنى له عن خدمته أو منازل يؤجرها بقدر كفايته وكفاية عياله ولا مال له غير ذلك لم يلزمه بيع ذلك للحج فإن كان له ما يفضل عن قدر كفايته وكفاية عياله باعه وحج به.
وفرض الحج أربعة فروض وهي الإهلال بالحج والوقوف بعرف وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة وروي عنه أن السعي بين الصفا والمروة ليس بواجب وروي عنه أن فرض الحج فرضان وهما الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة وماعداهما مسنون حتى إنه سئل رجل حج فوقف بعرفة وطاف طواف الإفاضة وانصرف ولم يأت بغير ذلك فقال؟ عليه دم شاة وحجة صحيح.
وعلى من حج أو اعتمر والميقات بينه وبين مكة أن يحرم من الميقات ومن لم يكن الميقات بينه وبين مكة أحرم من دويرة أهله.
وميقات أهل المدينة ذو الحليفة وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة وميقات أهل اليمن يلملم وميقات أهل الطائف ونجد قرن وميقات أهل العراق والمشرق ذات عرق وهذه المواقيت لأهلها ولكل من
[ ١٥٧ ]
اجتاز عليها ممن يريد حجا أو عمرة.
ويحرم الحاج والمعتمر بإثر صلاة مكتوبة أو نافلة استحبابا ويغتسل عند الإحرام الرجُل والمرأة طاهرا كانت أو حائضا أو نفساء ويتطيب قبل أن يحرم ويتجرد من مخيط الثياب وينوي – والنية هي العزم والقصد للفعل – فإن أراد الإفراد بالحج قال اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتممه ويلبي فيقول لبيك الله اللهم لبيك لبيك بحجة تمامها عليك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
ويستحب الاشتراط وهو أن يقول بعد التلبية إن حبسنى حابس فمحلي حيث حبسنى ثم لايزال يلبي في دبر الصلوات وعند كل نشز وهبوط وعند التقاء الرفاق وإذا غطى رأسه ناسيا إلى أن يرمي جمرة العقبة فإذا رماها قطع التلبية وأخذ في التكبير.
وإذا دخل مكة فليدخل من الثنية العليا من باب الأبطح فإذا أراد الخروج فليخرج من الثنية السفلى من دبر مكة ويستلم عند دخوله الحجر الأسود يُقبله بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم قبلها ثم يطوف بالبيت على يساره وهو متوضئ سبعة أشواط ثلاثة خببا وأربعة مشيا ويُقبل الحجر في كل شوط ويستلم الركن اليماني بفيه فإن لم يستطع فيده ويقبلها ولا يقبل من الأركان إلا الأسود واليماني.
وإن طاف محدثا لم يُجزه وتوضأ وأعاد وإن عكس الطواف لم يجزه وأعاده غير معكوس.
فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين ثم استلم الحجر وهذا يسمى طواف الورود
[ ١٥٨ ]
ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء ثم يسعى إلى المروة فإذا أتاها وقف عليها للدعاء ثم يسعى إلى الصفا يفعل ذلك سبع مرات يفتتح بالصفا وتختم بالمروة فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربع وقفات على المروة.
ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يُفضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله.
فإذا زالت الشمس يوم عرفة راح إلى مصلاها وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الإمام وإن فاته مع الإمام جمع في رحله ثم يخرج إلى موقف عرفة فيقف بها مع الإمام إلى غروب الشمس ولا يقف ببطن عُرنة ثم يدفع الإمام إلى مزدلفة فيصلي معه بالمزدلفة المغرب والعشاء والصبح ثم يقف معه بالمشعر الحرام ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى فإذا بلغ بطن محسر سعى إن كان ماشيا أو حرك دابته إن كان راكبا فيرمي جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف يكبر مع كل حصاة ولا يقف عندها ثم ينحر هديا إن كان معه ثم يحلق وقد حل له كل شيء إلا النساء ثم يأتي بالبيت فيطوف سبعا وهذا طواف الإفاضة وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج ثم يركع ركعتين وقد حل له النساء وغيرهن ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام فإذا زالت الشمس من كل يوم رمى الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عندها ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك يكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف.
فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجة وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف.
فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف.
[ ١٥٩ ]
ومن رمى بحجر قد رُمي به لم يُجزه ومن رمى بذهب أو فضة لم يُجُز قولا واحدا وإن رمى بغير الحصى فعلى روايتين إحداهما لايُجزئه إلا الحجارة فليُعد الرمي والرواية الأخرى يجزئه مع الكراهية.
ومن نفر قبل الوداع رجع فودع ماكان قريبا فإن بعد مضى ولم يرجع وعليه ذم يذبحه بمكة.
وليس على النساء رمل ولا اضطباع ولا سعي ولا صعود على الصفا والمروة ومن أهل بالحج من أهل مكة لم يكن عليه سعي ولا رمل ومن اعتمر فعليه في العمرة كما ذكرت في الحج إلى تمام السعي من الصفا والمروة ثم يحلق وقد حل من العمرة.
والحِلاَقٌ في الحج والعمرة أفضل والتقصير يجزئ فمن فعله فليقصر من جميع شعره فأما المرأة فسنتها التقصير فلتقصر من جميع شعرها مقدار الأنملة.
وعلى المحرم أن يجتنب في حال إحرامه النساء والطيب والكُحل المطيب والدواء الذي فيه طيب رطبا كان أو يابسا وقتل الصيد ولبس مخيط الثياب كالقميص والعمامة والبرنس والقباء والدواج فإن اضطر إلى طرح الدُّواج على كتفيه لم يدخل يديه في كميه وكذلك القباء وقد روي عنه رواية أخرى أنه قال ولا يلبس المحرمُ الدواج ولا شيئا يُدخل يديه فيه ولا يلبس الثياب ولا السراويل.
وإن أحرم في قميص خلعه ولم يشقة وكذلك الجُبة.
[ ١٦٠ ]
ولا يغطي رأسه ولا يحلقة إلا من ضرورة ويفتدي بصيام ثلاثة أيام إن شاء متتابعة وإن شاء مفترقة أو إطعام ثلاثة مساكين لكل مسكين نصف صاع تمر أو يذبح شاة.
ومن لبس المخيط افتدى واختلف قوله فيمن لبس الثياب وغطى رأسه مكانه على روايتين: قال في إحداهما عليه فدية واحدة وقال في الأخرى في الرأس فدية وفي البدن فدية ولم يختلف قوله أنه إذا فرق لُبسته أن عليه لكل لُبسة كفارة ويخلع مالبسه فإن لبس فكفر ثم عاد فلبس فكفارة ثانية وكذلك من وجب عليه كفارة من طيب أو غيره فكفر ثم عاد إلى مثل ذلك فعليه كفارة أخرى فإن لم يكفر حتى عاود الفعل فليس عليه إلا كفارة واحدة.
وله أن يلبس الهميان والمنطقة ويدخل السُّيُورَ بعضها في بعض ولا يعقدها إلا أن لا يجد من ذلك بدا لحفظ ماله ونفقته فليفعله ولا فدية عليه وبه قال ابن عباس ﵁.
وفي قطع شعرة واحدة وفي شعرتين مد وفي ثلاث شعرات فصاعدا دم وقيل عنه في خمس شعرت فصاعدا دم وكذلك الأظفار ولو حلق رأسه لغير ضرورة فعليه الفدية وليس بمخير فيها فيلزمه دم وإن تنور فعليه فدية على التخيير ولو حديث به علة احتاج معها إلى لُبس المخيط لبس وكفر كفارة واحدة سواء كانت العلة في رأسه وفي بدنه أو في إحداهما فإن حدثت به علتان مختلفتان إحداهما في رأسه وأخرى في بدنه فلبس ثوبا لأجل العلة وغطى رأسه لأجل الأخرى فكفارتان وإن انكسر ظفره فقصة فلا فدية عليه وبه قال عبدالله بن عباس.
[ ١٦١ ]
ولا بأس أن يحلق المحرم رأس حلال ويقلم أظفاره ولا فدية عليه فإن حلق الحلالُ رأس المحرم أو قلم أظفارة بأذنه فالفدية على المحرم في ماله وإن فعل ذلك الحلالُ بالمحرم وهو نائم أو أكرهه عليه فعلى وجهين أحدهما الفدية على الحلال دون المحرم والوجه الآخر الفدية على المحرم ويرجع بها على الحلال.
وللمحرم أن يقتل الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والأسود البهيم والسبع والذئب والحدأة والغراب الأبقع والزُنبور والقرد والنسر والعُقاب والبق والبعوض والحلم والقردان وكل ماعدا عليه أو آذاه ولا فدية عليه.
ويكره له قتل القملة ولا يقتل النملة في حل ولا حرم ولا يقتل الضفدع وما قتل من الصيد مما لا يؤكل لحمه فلا فدية عليه فيه ورى عن النبي ﷺ حفصة وعبدالله بن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري أنه قال «خمس يُتقلن في الحل والحرم» وقالت حفصة في حديها «خمس فواسق فاقتلوهن في الحل والحرم الحية والفأرة والحدأة والكلب العقور والغراب الأبقع وثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأمر بقتل الزنبور ونهى رسول الله ﷺ
[ ١٦٢ ]
عن قتل الذر ولا بأس أن يُقرد المحرم بعيره فعل ذلك جماعة من الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم أجمعين.
وللمحرم أن يدخل الحمام فعله أبو سعيد الخدري ولا بأس أن يحتجم ويقطع العرق إذا احتاج إلى ذلك ولا يقطع شعرا قد احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم.
ولا يغتسل المحرم بماء زمزم لقول العباس بن عبد المطلب: ألا لا أُحلها لمغتسل ولكنها لكل شارب حل وبل.
ولا تحج المرأة حج فرض ولا تطوع إلا مع ذي محرم منها وكل من لا تحل له بحال من النسب والسبب فهو لها محرم والزوج محرم لها وهي تحل له بكل حال.
وليس لزوجها أن يمنعها من حجة الفرض وله أن يمنعها من حجة التطوع.
وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ولا تحج المرأة حج فرض «لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُسافر سفرا فوق ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أخوها أو أبوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها» وليس العبد محرما لمولاته لأنه قد تعتقه فتحل له بالنكاح ولا تحج المرأة مع زوج أختها لأنها قد تحل له.
لو حجت امرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها وعظم الإثم عليها ولا تحج امرأة في عدتها نم الوفاة ولا من الطلاق الرجعي.
[ ١٦٣ ]
ولها أن تحج في عدتها من الطلاق البائن وليس على الزوج الخروج معها لحج إلا أن يختار فإن كان لها محرم غيره كان لها أن تخرج معه لحجة الفرض ولا اعتراض للزوج عليها وقال أحمد ﵁: أستحب لها أن تستأذنه فإن كان غائبا أن تكتب إليه فإن أذن خرجت وليس ينبغي أن يمنعها من أداء الفرض.
قال ولو أحرمت بالحج فقال زوجها: أنت طالق ثلاثا إن حججتِ. فإنها بمنزلة المُحصر تطوف بالبيت وبالصفا والمروة وعليها الحج من قابل وبه قال عطاء.
وللمحرمة أن تلبس الحُحلي والمعصفر والمخيط من الثياب والسراويل والخفين غير مقطوعين ولا فدية عليها وإحرامها في وجهها فلا تُغطية ولا تتبرقع. فإن احتاجت سدلت على وجهها لحديث مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه.
ولا تلبس القفازين ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا طيب كذلك روى عبدالله ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب ومامس الزعفران والورس من الثياب ومتى غطت وجهها أو تبرقعت افتدت ولها أن تُظلل عليها في المهمل قولا واحدا وليس لها أن تكتحل بما فيه طيب.
والحائض تأتي بجميع المناسك غير أنها لا تطوف بالبيت ولا تدخل المسجد حتى تطهر وتغتسل لما روى عبدالرحمن بن قاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت لبينا بالحج حتى إذا كنا بسرف حضتُ فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكري فقال لي «مايُبكيك ياعائشة؟» فقلت حضتُ ليتني لم
[ ١٦٤ ]
أكن حججت فقال سبحان الله إنما ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم انسُكي المناسك كلها غير أن لا تطوفي بالبيت» وذكر الحديث بطوله.
فإن حاضت قبل طواف الإفاضه لزم أمير الحاج انتظارها حتى تطهر ثم تطوف وإن حاضت بعدما أفاضت لم يجب انتظارها وجازلها أن تنفر وإن لم تودع ولا شيء عليها كذلك روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ ذكر صفية بنت حُيي فقيل إنها قد حاضت فقال رسول الله ﷺ «لعلها حابستنا» فقالوا يارسول الله إنها قد أفاضت قال «فلا إذا»
فأما المستحاضة فتفعل جميع المناسك تطوف بالبيت وبالصفا والمروة بعد أن تتوضأ كما يفعل من به سلس البول وتصلي.
ولا يلبس المحرم الخفين إلا عند عدم النعلين وهل يقطعهما أسفل من الكعبين أم لا؟ على روايتين: إحداهما يقطعها لما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال سأل رجل النبي ﷺ فيما يترك المحرم من الثياب فقال «لايلبس القميص» وذكر حديث طويلا قال فيه «ولا الخفين إلا لمن لا يجد النعلين فمن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين» فمن لم يقطعهما فعليه دم والرواية الأخرى له أن يلبس الخفين ولا يقطعهما ولا فدية لأن في قطعهما فسادا ولما روته صفية بنت أبي عبيد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما.
وكان ابن عمر يفتي بقطعهما قال: فلما أخبرته بهذا رجع
[ ١٦٥ ]
ولا يلبس السراويل والتُبان إلا أن يعدم المئزر فيلبس السروايل ويفتدي ويزيل ما على نعله من قيد أو عقب فإن لم يفعل فعليه دم ويتقلد بالسيف عند الضرورة فأما لغير ضرورة فلا.
ولا يشم الريحان في إحدى الروايتين لأنه من الطيب وإن فعل افتدى والروية الأخرى: ليس الريحان من الطيب فله شمه ولا فدية عليه.
وله أن يأكل الأترج والتفاح والموز والطيخ ومافي معنى ذلك ولا بأس بنبات الأرض مما لا يتخذ طيبا.
ولا يظلل على رأسه في إحدى الروايتين فإن فعل افتدى لما روي عن عبدالله بن عمر قال أضح لمن أحرمت له والرواية الأخرى: له ذلك ولا فدية عليه لما رواه زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين قالت حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت بلالا وأسامة وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره به من الحر حتى رمى الجمرة.
والتمتع عند أحمد بن حنبل ﵁ أفضل من القران والإفراد هو اختيار النبي ﷺ فمن قرن بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد كالمفرد سواء غير أنه يقول في تلبيته لبيط بعمرة وحجة تمامها عليك بعد أن ينوي القران وعليه دم شاة وإن تمتع بالعمرة إلى الحج بدأ فأحرم بعمرة في شهور الحج وحل منها في شهور الحج بالطواف والسعي ثم قصر من شعره وقد حل من عمرته ثم لا يخرج من مكة إلى مايقصر في مثله الصلاة.
[ ١٦٦ ]
وينشئ الحجة من عامه وهو متمتع عليه دمُ المتعة إن وجد وإلا صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
فإن دخل في الصوم عند عدم الهدي ثم وجد هديا لم يلزمه الخروج من الصوم ومضى فيه وأجزأه ولو سها عن الهدي إلى أن وصل بلده لزمه إنفاذ هدي ينحر بالحرم لايجزئه غير ذلك.
ومن أحرم بعمرة في غير شهور الحج وأحل منها في شهور الحج أو في غير شهور الحج فليس بمتمتع وإن حج ن عامه لأن العمرة عند صاحبنا في الشهر الذي يهل بها فيه لافي الشهر الذي يحل منها فيه.
وشهور الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
ومن اعتمر في شهور الحج وحل من عمرته في شهور الحج ثم خرج من مكة إلى ماتُقصر في مثله الصلاة قبل إهلاله بالحج لم يكن متمتعا وإن حج من عامه ذلك.
ومن أدخل الحج على العمرة قبل أن حيل من العمرة صار قارنا ولا يجوز إدخال العمرة على الحج.
ولا يجوز التمتع لأهل حاضري المسجد الحرام ولا لمن منزله دون القصر إلى مكة لقوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) البقرة ١٩٦)
وعمرة القران لاتجزئ عن العمرة الواجبة في إحدى الروايتين وتجزئ عنها في الأخرى وعمرة التمتع تجزئ عن العمرة الواجبة قولا واحدا.
ومن أراد العمرة من غير المتمتعين وكان قد أتى بالعمرة الواجبة فليخرج إلى أقرب الحل إلى مسجد عائشة ﵂ فيحرم بالعمرة من التنعيم ومن كان منزله دون المواقيت إلى مكة فميقاته لحجة وعمرته الواجبه من دويرة أهله
[ ١٦٧ ]
على مابينا.
ومن أراد العمرة من أهل مكة فليخرج إلى أقرب الحل فيحرم بها ومن كان بمكة من غير أهلها وأراد العمرة الواجبة فليخرج إلى الميقات ليحرم بها فإن لم يخرج إلى الميقات وأحرم بها دونه أجزأته العمرة وعليه دم كما قلنا فيمن جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم دون الميقات بالحرم أن عليه دما.
وكل دم وجب على المحرم من جزاء الصيد أو لشيء أصابه بمكة أو بالحرم أو لشيء تركه من أمر الحج بالحرم فلا يذبحه إلا بالحرم قولا واحدا لقوله تعالى (هديا بالغ الكعبة) المائدة ٩٥) وقال (والهدي معكوفا أن يبغ محله) الفتح ٢٥) وقال (ثم محلها إلى البيت العتيق) الحج ٣٣) وكذلك الكفارة بالإطعام فأما الصوم فيجزئه بكل مكان وروي عنه أن مالزم المحرم م حلق رأس أو لبس ثوب وما في معنى ذلك فله أن يخرج الكفارة بحيث حلق أو لبس والأول عنه أظهر فأما إن صاد الصيد بعد الإحرام في حل أو حرم فلا يخرج جزاءه إلا بالحرم.
وكذلك ما وجب من الصدقة في الحرم وقد روي عنه أن مالزم المحرم من كفارة حلق الرأس أو لبس الثياب فله إخراج الكفارة لذلك أي بحيث حلق أو لبس من حل أو حرم والأول أظهر.
فأما الصوم فيجزئه بكل مكان.
ومن حج بمال حرام لم يجزه ذلك عن حجة الإسلام في الصحيح من المذهب وقيل عنه تجزئه مع الكراهية والأول عنه أظهر،
ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل من فقهاء المسلمين ومحله الحرم وهو مخير بين أن يفيده بالنظير أو يُقوم النظير دراهم فيتصدق بها أو يقوّم بالدراهم طعاما ويصوم عن كل مُدَّ يوما فإن بقي أقل من نصف صاع صام له يوما واختلف قوله هل يقوم الصيد أو الجزاء على
[ ١٦٨ ]
روايتين إحداهما يُقوم المتلف والأخرى يقوم الجزاء.
وكلما أصاب المحرم صيدا حكم عليه في العمد والخطأ جميعا وقد قيل عنه يحكم عليه في أول صيد يصيبه فإن عاد لم يحكم عليه والأول أصح.
ولو أشار محرم إلى صيد فقلته محرم آخر كان الجزاء عليهما وقيل بل على كل واحد جزاء كامل فإن دل محرم حلالا على صيد في الحرم فقلته الحلالُ فالجزاء عليهما فإن كان الصيد في الحل فالجزاء على المحرم وهو قول علي وابن عباس ﵄.
فإن قتل نعامة فعليه بدنه وفي حمار الوحش بدنة وفي بقرة الوحش بقرة وفي الثيتل بقرة وفي ضبع شاة وفي الظبي جذعه وفي الأرنب عناق وقيل جفرة وفي اليربوع جدي وقيل عنه جفرة وفي الضب جدي.
ولو أخرج في الحرم الجزاء حاملا فولدت ثم ماتت وأولادها كان عليه جزاؤها وجزاء أولادها فإن أخرج الجزاء عنها وعن أولادها قبل هلاكهم ثم ماتت وأولادها لم يلزمه جزاء ثان وأجزاه الأول وكان بمنزلة من كفر قبل الحنث وفي الأبل بقرة وكذلك في الوعل وفي الغزال عنز وفي الوبر شاة وفي السنور حكومة وفي الثعلب وروايتان إحداهما أنه صيد وفيه شاة والأخرى ليس بصيد ولا شيء فيه وفي صغار أولاد الصيد صغار أولاد المفدى به وبالكبيرة أحسن.
ولو صاد المحرم صيدا فأمسكه حتى حل من أحرامه لزمه إرساله واجبا فإن تلف في يده أو ذبحه بعد الإحلال فعليه جزاء ولا يحل له أكله وكذلك لو أحرم وفي يده صيد لزمه إرساله فأما ماكان في منزله من الصيد فليس عليه إرساله بعد الإحرام
[ ١٦٩ ]
ولا يأكل المحرمُ م صيد صاده ولا دل عليه ولا أشار ولا من صيدٍ صيدَ لأجله وله أن يأكل من صيد لم يصده ولم يُشر إليه ولم يدل عليه ولم يُصد لأجله لما رواه عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه أنه كان في قوم محرمين وهم يسيرون فرأوا حمارا فركب فرسه فصرعه قال: فأكلوا فسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال «أشرتم أو أصدتم أو قتلتم؟» قالوا لا قال كلوا».
وإذا صاد صيدا أعور أو مكسورا فداه بمثله وبالصحيح أحسن ويفدي الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وهو قول علي بن أبي طلب رضي لله عنه فإن اضطر محرم فقدر على صيد وميتة أكل من الميتة ولم يصد الصيد فيأكله والدجاج الأهلي ليس بصيد قولا واحدا وفي الدجاج السندي روايتان إحداهما أنه صيد فإن أصابه محرم فعليه الجزاءُ والأخرى ليس بصيد ولا جزاء فيه.
وإذا اشترك جماعة في صيد كان على جماعتهم جزاء واحد في الأظهر عنه. وقيل عنه: على كل واحد منهم الجزاء وصام بعضهم لزم من صام منهم صوم كامل.
ومن رمى صيدا في الحل فأصاب صيدا في الحرم لزمه الجزاءُ لأنها جناية يده وكذلك لو رمى من الحرم فأصاب صيدا في الحل فإن أرسل كلبه في الحل فأصاب صيدا في الحرم فلا جزاء عليه إلا أن يكون أرسله قريبا من الحرم. فإن أرسل كلبه في الحرم فأصاب صيدا في الحل فالأظهر عنه لاجزاء عليه وقيل عنه عليه الجزاءُ وهو اختياري.
ولو قتل محرم صيدا في بلد حلال فعليه جزاؤه وقيمته لصاحبه.
ولا يقطع من شجر الحرمين مكة والمدينة لأن رسول الله ﷺ منع منهما فهما
[ ١٧٠ ]
في الحرمة سواء إلا ماخصه ﵊ برخصة فجائز أخذه وقطعه. وما سواه فعلى أصل التحريم. فأما الإذخر فمباح وقد روى جابر بن عبدالله أن رسول الله ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يارسول الله إن أصحاب نضح وأصحاب عمل وإنا لا نستطيع أن ننتاب أرضا غيرها فأرخص لنا فقال رسول الله ﷺ «القائمتان والوسادة والعارضة والمسد) وكل هذا آله الحرث وماسواه فمحرم.
وفي الشجرة الكبيرة وهي الدوحة بدنة وقيل عنه بقرة وسواء كان القاطع لها محلا أو محرما وفي الصغيرة شاة وكذلك في الغصن الكبير ولا ينتفع بما قطع من حطبها فإن انكسر منها غصن أو عود بغير فعل آدمي جاز الانتفاع به وكذلك ماتساقط من الورق بنفسه ولو قطع غصنا في الحل من شجرة أصلها في الحرم أو غصنا في الحرم من شجرة في الحل فعلية في الحالين الجزاء.
وما اصاد المحرم من الصيد مما لايؤكل لحمه فلا جزاء فيه.
والعمد والسهوُ في قتل الصيد وقطع الشعر وقص الظفر الصحيح في وجوب الفدية سواء لأنه إتلاف.
وفي بيض النعامة قيمته وكذلك بيض كل ما يؤكل لحمه من الطير وفي الجرادة تمرة حكم بذلك عبدالله بن عمر وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل أصاب ثلاث جرادات لو تصدقت بقبضة من طعام لرأيت ذلك قد أجزأ
[ ١٧١ ]
عنك وقيل عنه لا شيء فيها لأنها من صيد البحر وروي عن أبي هريرة أنه قال أصبنا رِجلا من جراد فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم فقيل له إن هذا لايصلح فذُكر ذلك للنبي ﷺ فقال (إنما هو من صيد البحر) وفي الضفدع حكومة.
ولو ذبح المحرم صيدا كان ينتة لا يحل أكله لحلال ولا محرم وإن استأنس الصيد فهو على أصل التحريم وإذا استوحش الأهلي فليس بصيد وهو على أصل الإباحة لمالكة.
ولو استأجر بيتا بمكة فغلقه ثم فتحه فأصاب فيه صيدا ميتا فداه احتياطا وإذا أصاب المحرم القمري والدبسي والحبارى والحجلة أو الكركي والحمامة أو الكروان كان عليه في كل واحد منها شاة.
ولو كانت شجرة أصلها في الحرم واغصانها في الحل فأصب الحلال صيدا على غصنها المظل إلى الحل لزمه جزاؤه فإن كان اصلها في الحل وبعض أغصانها في الحرم وبعضها في الحل فما أصاب الحلال من الصيد على غصنها في الحل فلا جزاء عليه وما أصاب من الصيد على الغصن المظل في الحرم فعليه جزاؤه. \
وصيد الحرم حرام على الحلال والمحرم جميعا وصيد البر حرام على المحرم دون الحلال وصيد البحر حلال للمحل والمحرم وصيد حرم المدينة حرام كصيد حرم مكة.
ومن نتف صيد ريشا نظر فإن كان ممتنعا فما نقصه وإن كان غير ممتنع فعليه جزاؤه كاملا.
[ ١٧٢ ]
والطير صنفان فما عَبَّ منه وهدر فُدي بمثله من النعم الصغير على قدر صغره والكبير على قدر كبره على ما بينا وما كان منه لا يَعُبُ ويهدرُ فعليه قيمته في المكان الذي أصاب فيه.
وفي العصفور قيمتُه وكان عطاء يقول فيه نصف درهم.
وإحصار العدو المانع من الوصول إلى البيت إحصار صحيح قولا واحدا. فمن أحرم ولم يشترط أن محله حيث حُبس فحصره عدوٌ وحال بينه وبين حجه تحر هديا لإحصاره إن كان معه حيث أحصر في حل كان أو في حرم وحل ولا قضاء عليه إلا أن يكون حجا واجبا فيلزمه القضاء وإن كان الحصر بغير عدو كالمرض والكسر أو انقطاع النفقة ولم يكن اشترط فهل يكون محصورا بذلك كحصر العدو أم لا؟ على روايتين إحداهما: لاحصر إلا حصر العدو فيبقى على إحرامه ولا يحل إلا بمكة فإن أتب مكة بعد فوات الحج تحلل بعمرة وطاف وسعى وكان في معنى من فاته الحج بغير إحصار والرواية الأخرى: يكون مُحصرا بذلك كحصر العدو وينحر إن كان معه ويحل وقال بعض أصحابنا لاينحر هدي الإحصار إلا بالحرم لقوله تعالى (هديا بالغ الكعبة) المائدة ٩٥) وقوله (ثم محلها إلى البيت العتيق) الحج ٣٣) فإن لم يجد هديا صام عشرة أيام ثم حل ولا يأخذ المحصر شيئا من شعره ولا ظفره ولا يتطيب ولا يلبس المخيط حتى ينحر الهدي أو الصيام ويحل بعد أن يطوف بالبيت وبالصفا والمروة لقدرته على ذلك والأول أصح.
فإن كان المحصر معتمرا أقام على إحرامه حتى يصل إلى البيت إذا لا وقت
[ ١٧٣ ]
للعمرة يفوت.
ولو أحرم العبد بغير أذن سيده أساء فإن منعه السيد م الحج تطوعا أو منعها زوجها من الخروج كان له ذلك وكانت في معنى المحصر وعليها الهدي إن وجدت فإن عدمت صامت عشرة أيام ثم حلت.
ولو استؤجر للحج من غيره فأحرم عنه من ميقاته ثم أُحصر فإنه يحل بعد أن ينحر الهدي ويكون له من الأجره بقدر ذلك إلى الموضع الذي أحصر فيه واختلف أصحابنا في دم الإحصار هل هو في مال الأجير أو في مال المستأجر؟ على وجهين.
وإن كان من أُحصر اشترط عند إحرامه أن محله حيث حُبس فمتى حُصر بعدو أو بغيره من كسر أو ذهاب نفقة أو مرض حل من موضعه قولا واحدا ولا دم عليه ولا شيء إلا أن يكون قد ساق هديا فليزمه نحره ولا قضاء عليه إلا أن تكون حجة الفرض.
ومن فاته الحج بغير إحصار تحلل بعمرة في إحدى الروايتين وعليه الحج من قابل ودم للفوات وإن كان قد ساق هديا نحره ولم يُجزه عن الفوات والرواية الأخرى يمضي في حج فاسد ويحج (من) قابل وعليه دم الفوات.
ويوم عرفة وليلة المزدلفة زمان الوقوف فمن وقف بعرفة في هذا الزمان في أي وقت كان من ليل أو نهار أٌقل القليل وهو يعقلها فقد أدرك الحج ومن فاته الوقوف بها حتى طلع الفجر الثاني يوم النحر فقد فاته الحج ومن وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ونفر منها قبل الزوال أساء وحجة تام وعليه دم.
[ ١٧٤ ]
قال ولا يقدم حجة الفرض فإن فعل لم يجزه.
ومن أهل بحجة وعمرة وفاته الحج أجزأه دم واحد قال ومن أهل فقال لبيك بحجتين كان حجة واحدة ولو نوى الحج فلبى بعمرة غالطا كان حجا وإن نوى العمرة فلبى بالحج غالطان كان معتمرا ومن أجر نفسه للخدمة وحج أجزأته عن حجة الفرض ومن أهل بالحج قبل شهور الحج أحببنا أن يجعلها عمرة فإذا حل منها أنشأ الحج فإن لم يفعل وأقام على إحرامه بما أهل به إلى أن يأتي بالحج أجزأه وقد تحمل مشقة.
ومن جاوز الميقات غير محرم رجع فأحرم من الميقات ولا دم عليه فإن أحرم ولم يرجع إلى الميقات أو رجع بعدما أحرم فعليه دم.
ولا بأس أن يحجم المحرم غيرها ولا شيء عليه وله أن يتداوى بالدواء الذي لا طيب فيه عند الحاجة إليه.
ومن نذر أن يطوف على أربع طاف طوافين وكذلك لو نذر أن يسعى على أربع لزمه سعيان.
ومن طاف غير طاهر لم يجزه.
ومن وطئ مابين أن يحرم إلى أن يرمي جمرة العقبة فسد حجهما وعلى كال واحد منهما بدنة والحج (من) قابل إن كانت طاوعته وإن كان أكرهها كفر عنها وأحجها (من) قابل من ماله وفرق بينهما في المكان الذي أصابها فيه في العام الماضي وقيل عنه: تجزئهما بدنة واحدة طاوعته أم أكرهها ولو باشرها كان عليه دم شاة وكذلك لو قبلها لزمه دم شاة فإن وطئها دون الفرج فإنزل فعليه بدنة قولا واحدا وفي فساد حجة روايتان ولو وطئ زوجة أو زوجات مرة أو مرارا لم يلزمه إلا كفارة واحدة مالم يكفَّر.
[ ١٧٥ ]
ولو جامع ثم أصاب صيدا فسد حجه وكان عليه بدنة وعليه جزاءُ الصيد فإن وطئ بعد رمي جمرة العقبة قبل أن يطوف طواف الإفاضة كان حجُه تاما صحيحا وعليه دمُ شاة وعليها أيضا إن كانت طاوعته ويخرجان إلى التنعيم فيُحرمان بعُمرة ليطوفا طواف الإفاضة وهما محرمان.
ومن وطئ في العمرة بعد الطواف قبل السعي بين الصفا والمروة أفسد العمرة وعليه دم شاة للفساد وعمرة مكانها وإن وطئ فيها بعد السعي قبل الحلاق أساء والعمرة صحيحة وعليه دم.
ولا يتزوج المحرم ولا يزوج فإن فعل فالنكاح في الحالين باطل وقد روي رواية أخرى أن المحرم إذا زوج غيره لم يفسخ عقده فأما عقده النكاح لنفسه فلا يصح قولا واحدا وهل له (أن) يراجع في حال الإحرام أم لا؟ على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما ومنع منه في الأخرى.
ومن أفرد الحج ولم يسق هديا فأحب أن يفسخ الحج ويجعله عمرة ويحج من عامه ويصير متمتعا جاز له ذلك وعليه دم التمتع فإن كان ساق هديا لم يجز الفسخ وأقام على إحرامه إلى أن يأتي بالحج وينحر الهدي لأن النبي ﷺ قدم صبيحة رابعة من العشر فأمر من كان أهل قارناأو مفردا ولم يكن ساق هديا أن يحل ثم أخبر عن نفسه بالسبب المانع من الفسخ فقال «إني سقت الهدي ولو ذلك لحللت كما حللتم» فلا زال كذلك حتى أحل من الحج وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة قال أحمد ﵁ أنا أرى فسخ الحج يُروى عن عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: أبن عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأسماء قال وحديث بلال بن الحارث في فسخ الحج أنه
[ ١٧٦ ]
خاص لمن أمر به لا أقول به ولا نعرف هذا الرجل (يعني الحاث بن بلال) ولم يروه إلا الدراوردي وهذه الأحاديث أحب إلى وقد روت عائشة ﵂ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج في أشهر الحج حتى نزلنا سرفا فخرج رسول الله ﷺ إلى أصحابه فقال «من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل) فذكر الحديث
ولا يستحب لأحد أن يحرم بنية الفسخ فإما من أحرم بالحج بنية المضي فيه ثم بدا له أن يفسخ رغبة في الجمع بين النسكين في عامه على طريق التمتع جاز.
ولو مس المحرم طيبا ولبس ثيابه ولبس الخفين وحلق شعره وأتى بذلك كله في مكان واحد لزمه كفارة واحدة وقيل عنه: كفارتان إلا أن يفرق ذلك فيلزمه بكل فعل كفارة قولا واحدا.
ولا يأكل الحاج م دم جزاء الصيد ولا من دم الكفارة ولا من دم النذر ويأكل مما سوى ذلك قد أكل أزواج رسول لله ﷺ من دم المتعة.
ودم التطوع إن عطب دون محلة نحره مكانه وخلى بينه وبين المساكين ولم يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته منه ولا بدل عليه فيه ودم الواجب إذا عطب دون محله أبدله وكان له أكله وبيعة إن شاء وإذا ذبح الدم الواجب ثم سرق فقد أجزأه لأنه بالذبح قد فعل مالزمه.
وتشعر البدن والبقر في أسمنتها من الجانب الأيمن وتقلد الغنم بعلاقة
[ ١٧٧ ]
قربة
ومن ساق بدنه فنتجت ذبحها وولدها.
ومن أراد إبدال بدنته بأجود منها جاز له ذلك وم ضلت بدنته بعد إيجابها فأبدلها ثم وجدها ذبحها جميعا وله أن يركب البدنه ولا ينهكها بالركوب.
وإذا أعتق العبد بعرفة وليس بمحرم أحرم مكانه وأجزأته الحجة عن حجة الفرض قولا واحدا وإن كان محرما حين أعتق أجزأته أيضا في الأظهر من قوله وكذلك الذي يسلم بعرفة والصبي يبلغ بها والمجنون يفيق فإن دخل ذمي مكة لتجارة فأسلم بها فليخرج إلى الميقات فيحرم بالحج إلا أن يضيق الوقت عليه ويخشى فوات الحج فيحرم من موضعه وهل عليه دم إذا أحرم من مكة أم لا؟ على روايتين وقد روي عنه رواية أخرى في الذمي يسلم بمكة أنه يحرم منها.
ولا يلزمه الخروج إلى الميقات فأما المسلم يدخل مكة لتجارة بغير إحرام ثم يريد الحج فإنه يخرج إلى الميقات فيحرم فإن خشي فوات الحج أحرم من مكة وكان عليه دم قولا واحدا.
وإذا حج الصبي ثم بلغ فعليه حجة الفرض بعد البلوغ ويتجنب إذا حج ما يتجنب الكبير ومالا يستطيع فعله من مناسك الحج يُفعل عنه.
وكذلك العبد إذا حج ثم أعتق لزمه حجة الفرض بعد العتق كذلك ورى العمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أيما صبي حج ولم يبلغ ثم بلغ فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج به أهله ثم أعتق فعليه حجة أخرى» فإن أتي العبد في حجه بما يوجب الدم فكفارته الصيام فإن أذن له السيد أن يخرج الدم في الكفارة ففعل أجزأه كما كان له أن يتسرى بإذن السيد.
[ ١٧٨ ]
ومن جيء به إلى عرفة مغمى عليه فأفاق بها ساعة من ليل أو نهار قبل طلوع الفجر الثاني من يوم النحر فقد أدرك الحج فإن لم يُفق حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج.
ومن وقف بعرفة قبل الزوال ونفر منها قبل الزوال أجزأته الحجة وعليه دم شاة لأن يوم عرفة بأسره زمان للوقوف كليلة المزدلفة قال رسول الله ﷺ «ومن وقف بعرفة من ليل أو نهار فقد أدرك الحج» وروي (فقد تم حجة) ولم يخص وقتا من النهار كما لم يخص وقتا من الليل
والنيابة في الحج تجوز عمن مات بعد وجوب فعل الحج عليه ولم يحج وذلك مقدم على الوصية والميراث من صلب المال وعمن عجز عن الحج ببدنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أو كان لايستمسك على الراحلة وليحج عنه من الموضع الذي وجب عليه فيه فإن عوفي وأمكنه الحج بعد ذلك بنفسه لم يلزمه إلا أن يشاء وقد أجزأه حج الغير عنه.
ولا يحج عن الغير إلا من كان حج عن نفسه حجة الفرض وفي الإجارة على الحج روايتان كره أحمد ﵁ في إحداهما أن يأخذ دراهم فيحج بها عن غيره قال إلا أن يكون متبرعا بالحج عن أبيع أو عن أخيه أو عن أمه وأجاز ذلك في موضع أخر فقال وإذا فا حُجُوا عن بألف صُرف جميعُها في الحج إذا حملها الثُلُثُ فإن قال حجُوا عني حجة بألف أتوا بحجة فما فضل من الألف فللورثة ولو قال لفلان الأف يحج بها عني دفع إليه الألف فما فضل منه بعد أداء الحج فللذي حج قال ولو دفع إلى رجل مالا وقال حج عني بهذا حجة ومافضل منه فلك لم يكن للمدفوع إليه أن يبتاع بذلك المال متاعا للتجارة ومتى فعل ذلك كان مخالفا إنما أمر أن يحج به وما فضل منه فله ولم
[ ١٧٩ ]
يجعل له التجارة به قبل الحج قال ولو أخذ من رجلين (مال) حجتين في عام واحد كان ضامنا وقد فعل مالا يجوز ويُؤدب وما لزم الأجير من دم أو غيره فعليه في ماله دون المحجوج عنه وكذلك لو أفسد الحج كان دم الفساد عليه في ماله والحج (من) قابل عن الذي خرج ليحج عنه ولو أمره أن يفرد الحج فدخل قارنا أو متمتعا فالعمرة عن المجوج عنه والدم على الحاج في ماله.
ومن حج من غيره ولم يكن حج (عن) نفسه لم تُجزه تلك الحجة عن فرضه ولا الذي حج عنه في إحدى الروايتين وفي الرواية الأخرى يرُدُ ما أخذ وتقع الحجة عن نفسه.
وتحج المرأة عن الرجل والرجل عن المرأة وروي عن عبدالله بن عباس ﵁ قال كان الفضل بن عباس ﵄ رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من بني خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل عنها إلى الشق الآخر فقالت يارسول الله صلى الله عليك إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لايستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال نعم. وذلك في حجة الوداع.
والقارن إذا أتى ما يوجب الفدية كفاه دم واحد كالمفرد في الأظهر من قوله.
ولو وجد مايحج به أن يتزوج به ولا يكفيه لهما وكان به شبق وحاجة إلى النكاح وخشي على نفسه ولم يكن حج الفرض بدأ بالنكاح على الحج إذا لم يصبر وقال بعض أصحابنا: يبدأ بالحج لأنه قد خوطب به وتعين عليه لوجود السبيل إليه والأول هو المنصوص عنه.
ومن مات محرما غسل وكفن في ثيابه ولم يُخمر رأسه ولم يقرب طيبا فإن يبعث يوم القيامة ملبيا كما جاء الحديث روى سعيد بن جبير عن ابن عباس
[ ١٨٠ ]
﵁ أن رجلا صُرع عن راحلته وهو محرم فرفع إلى النبي ﷺ فقال: اغسلوا صاحبكم بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تُخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)
واختلف اصحابنا في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟ على وجهين: أصحهما أنه على الفور على من وجد السبيل إلأيه وهو بيًّنٌ في كلام أحمد ﵁ قال وإذا وجد الزاد والراحلة وجب عليه الحج وقال أيضا ولا تُقبل شهادة من كان موسرا قد وجب عليه الحج فلم يحج إلا أن يكون به زمانة أو أمر يحبسه وهو قياس على سائر العبادات المؤقتة.
ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر كذلك روى نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال (أي يوم هذا؟) فقالوا يوم النحر قال هذا يوم الحج الأكبر.
وللمحرم أن يتطيب في إحرامه قبل أن يُحرم وما وحده من روائح الطيب الذي كان تطيب قبل الإحرام لم يضره ولا فديه عليه فيه قد رؤي المسك في مفارق رسول الله ﷺ بعد إحرامه. ويستحب للحاج أن يقول عند منصرفه من حجة أو عمرة آيبون تأئبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
[ ١٨١ ]
كتاب