وشهادات النساء العدول جائزة فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الولادة، والاستهلال، والحيض، وعيوب النساء الغامضة، والرضاع، وما أشبه ذلك.
وأقل من يحكم بشهادته منهم في ذلك امرأة واحدة عادلة. وقيل عنه: امرأتان.
ويقبل في الأموال شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو رجل واحد ويمين الطالب عند عدم الرجلين والرجل والمرأتين، مسلما كان الطالب أو ذميا، رجلا كان أو امرأة.
وشهادة ذميين على وصية المسلم في السفر جائزة، عند عدم الشهود من المسلمين، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]. وما يقبل لهم في غير ذلك شهادة على مسلم بحال. وهل تقبل شهادات بعضهم على بعض أم لا؟ على روايتين: أظهرهما: لا تقبل، والأخرى: تقبل.
ولا يقبل في الشهادة على الزنى أقل من أربعة رجال أحرار مسلمين عدول مرضيين، يصفون الزنى، ويشهدون أنهم عاينوا فرجه في فرجها، كالمرود في المكحلة.
فإن شهد أربعة على امرأة بالزنى، أحدهم زوجها، فعلى روايتين: قال في إحداهما: هم أربعة قد أحرزوا ظهورهم، فلا حد عليهم ولا على المرأة. وقال في الأخرى: الرجل قاذف وليس بشاهد؛ لأنه خصم، وعليه جلد ثمانين، وعلى كل واحد من الشهود الثلاثة ثمانون جلدة.
[ ٥٠٥ ]
فإن شهد أربعة على امرأة بالزنى، فقال اثنان: زنى بها في هذا البيت. وقال الاثنان الآخران: بل زنى بها في هذا البيت، لبيت آخر، قيل عنه: إن الشهادة صحيحة، وليس هذا اختلافا في الفعل، وإنما هو اختلاف في الصفة. وقيل عنه: إن هذه ليست بشهادة صحيحة. وهذا اختياري، وهو الصحيح؛ لأن العلم محيط أن ظاهر هذه الشهادة يعطي: أن الشهود الأربعة لم يعاينوه على فعلة واحدة، وإنما شهد اثنان على فعل، وشهد اثنان على فعل آخر، لأن الفعلة الواحدة لا يجوز أن تقع في بيتين مخصصين، فصاروا قذفة، وعليهم الحد.
ولا يقبل فيما سوى الأموال والزنى إلا شهادة رجلين حرين مسلمين عدلين. وشهادة الطبيب العدل في الموضحة وما في معناها مقبولة إذا لم يقدر على طبيبين، لأنها حال ضرورة، وكذلك شهادة البيطار في داء الداية.
ولا تقبل شهادات النساء في نكاح، ولا طلاق، ولا إيلاء، ولا ظهار، ولا في شيء من الحدود. ولا تقبل لهن شهادة إلا في الأموال، وفيما لا يطلع عليه الرجال على ما بينت.
والعتق من الأموال يجوز فيه شهادات النساء مع الرجال.
وشهادة العبد العدل جائزة في كل شيء سوى الحدود. كذلك روي عن علي ابن أبي طالب، وأنس بن مالك ﵄.
قال أحمد: من تزوج بشهادة عبدين أو مكفوفين صح نكاحه.
ولا تجوز شهادة ظنين، ولا خصم، ولا جار إلى نفسه، ولا دافع عنها.
ولا تقبل شهادة القاذف، حد أو لم يحد، إلا أن يتوب.
ولا تجوز شهادة الابن للأبوين وإن علوا. وقيل عنه: تجوز. ولا تجوز شهادة الوالدين للولد وإن سفل قولا واحدا. وهل تقبل شهادة والد على ولده أو شهادة
[ ٥٠٦ ]
ولد على والده أم لا؟ على روايتين.
ولا تجوز شهادة زوج لزوجته، ولا شهادتها له، ولا شريك لشريكه، ولا وصي ليتيمه، ويجوز شهادة بعضهم على بعض.
وشهادة الأخ العدل لأخيه وعليه، جائزة.
ولا تجوز شهادة مجرب في كذبه، ولا مظهر لكبيرة؛ لأنها تجرح وتخرج من العدالة.
ولا تقبل شهادات الصبيان في الجراح وإن لم يفترقوا، في الصحيح من المذهب. وهو قول عبدالله بن عباس ﵁، وقيل عنه: إنها تجوز. وبه قال علي بن أبي طالب ﵁.
ولا تجوز شهادة قدري؛ لأنه مجوسي، ولا شهادة جهمي، ولا معتزلي، ولا شهادة مرجئ، يعتقد أن الإيمان قول بلا عمل، ولا شهادة رافضي يسب السلف، لأنه مشرك، ولا شهادة مبتدع يعلن ببدعته، ولا شهادة شارب الخمر، إلا أن يتوبوا وتظهر توبتهم. ولا تقبل في شيء من الأحكام إلا شهادة العدول.
واختلف قوله في صفة العدول، فقيل عنه: العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة، رجل مستور.
وروي عنه أنه قال: وينبغي للعدل أن يكون فيه ست خصال: يكون فقيها، عالما، ورعا، زاهدا، عفيفا، بصيرا بما يأتي، بصيرا بما يذر.
قال: ولا يقبل القاضي قول من لا يعرفه حتى يسأل عنه أهل الخبرة. قال: وينبغي للقاضي أن يسأل عن الشهود كل قليل؛ لأن الرجل قد يتغير من حال إلى حال.
والعدل مخير بين تحمل الشهادة وترك تحملها، ما لم تدع إليه ضرورة،
[ ٥٠٧ ]
ويفتقر الناس إليه. فإذا تحمل الشهادة وتعينت عليه، لزمه إقامتها، ويأثم في كتمان ما يعلم منها كما يأثم في قول ما لا يعلم.
وشهادة الزور من الشرك، قال الله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠] وقال: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [الفرقان: ٧٢].
وروى شعبة بن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك، قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور".
ومن شهد بشهادة ثم رجع عنها قبل الحكم بها لم يُعمل بها، ولم يكن على الشاهد شيء، ومن حكم بشهادته ثم رجع عنها لم ينقض الحكم، وأغرم الشاهد ما أتلف بشهادته إن كان مالا، وإن كان دما فقال الشهود: سهونا أو شبه علينا. أغرموا الدية في أموالهم دون عواقلهم. وإن قالوا: تعمدنا. اقتص منهم في النفس وفيما دونها، كذلك روى يحيى بن زكريا عن أشعث عن الحكم وحماد عن إبراهيم: أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل أنه سرق فقطعه، ثم أتي برجل آخر فقالا: ليس الأول، ولكنه هذا. فأبطل شهادته على الآخر وضمنهما دية الأول.
قال أحمد: وذكر الشعبي عن علي في اللذين شهدا على رجل أنه سرق فقطعت يده، ثم رجعا، أي: أخطآ، قال: فقال علي: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما. ثم أغرمهما الدية وتركهما.
[ ٥٠٨ ]
ولو كانا شهدا على رجل بمال ثم رجع أحدها بعد الحكم بالشهادة أغرم نصف المال، ولم يكن له أن يرجع به على المحكوم له.
ولو شهدا على رجل أنه طلق زوجته قبل الدخول بها، ففرق الحاكم بينهما، ثم رجعا، لزمهما نصف المسمى، وإن كان بعد الدخول ألزما جميع المسمى. فإن لم يكن سمى لها مهرا كان عليهما ما يحكم به على الزوج من مهر مثلها.
وقد قيل: إنهما إن شهدا بالطلاق بعد الدخول ثم رجعا بعد التفريق، لم يلزمهما المهر؛ لأنه قد استحق على الزوج بعد الدخول.
فإن شهد اثنان على ميت أنه أعتق عبده هذا في وصيته، وهو الثلث، وشهد آخران أنه أعتق عبده هذا -لعبد آخر- في وصيته، وهو الثلث، ثبت العتق لهما، وتحاص العبدان العتق، ولا يقرع بينهما ها هنا، لأن العتق قد وجب لكل واحد منهما بقدر الثلث، وإنما القرعة تجب إذا كان العتق لأحدهما بغير عينه، وتشاح العبدان فيه.
فإن شهد شاهدان لرجل بالثلث، وشهد آخران لآخر بالثلث، وشهد آخران أن الموصي رجع عن أحدهما ولم يعيناه، أقرع بينهما، فمن قرع منهما صاحبه كانت الوصية له.
ولو ادعى رجل على رجل أنه فتح حرزه، وسرق منهما يجب القطع في مثله، وجاء بشاهد واحد يشهد له على ذلك، لم تثبت هذه الشهادة له حقا، ولم يجب بها حد ولا مال، وجلد الشاهد عشر جلدات.
وقد روى حجاج بن أرطأة عن مكحول أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب في شاهد الزور أن يُضرب ظهره، ويحلق رأسه، ويسخم وجهه، ويطاف به، ويطال حبسه.
[ ٥٠٩ ]
ولو أقام رجل شاهدي زور، فشهدا على رجل بطلاق زوجته، ففرق الحاكم بينهما، ثم ثبت أنهما شهدا بزور لم يقع التحريم بين الزوجين، ولم يحل للحاكم ولا لكل واحد من شهود الزور أن يتزوج بتلك المرأة، وهي باقية على حكم النكاح مع زوجها، لم تحرم عليه بذلك التفريق.
وقد قيل عنه: إن لحكم الحاكم تأثيرا في التفريق. فعلى هذا من قوله، لا تعود إلى زوجها، ولا يحل للحاكم ولا لأحد شهود الزور أن يتزوجها قولا واحدا. والأول عنه أشهر، وفي مذهبه أظهر.
وقد احتج أحمد ﵁ لذلك بما رواه: أن يحيى بن سعيد حدثه عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم تختصمو إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي له بما يقول، فمن قضيت له من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها".
قال: فهذا رسول الله ﷺ يقول: إذا لم يكن له الحق، فإنما هو نار، فكيف يكون قول بعضنا أو حكم بعضنا يرد أمر الله ﷿ وأمر رسوله ﵊؟!. وهذا هو الصحيح، غير أننا نكره له المراجعة ظاهرا، وإن كانت حلالا فيما بينه وبين الله تعالى، خوفا عليه من مكروه يناله ممن لا يعرف حقيقة الحال.
ومن قال: رددت إليك أمانتك، أو ما وكلتني بيعه، أو: دفعت إليك ثمنه. فالقول قوله مع يمينه. فإن قال: رددت إليك إقراضك. لم يقبل منه إلا ببينة أو إقرار صاحب الحق بالقبض. ولو قال: دفعت إلى فلان ما أمرتني بدفعه إليه، فأنكر فلان، فالقول قوله. وعلى مدعي الدفع البينة وإلا ضمن، وله على المنكر اليمين.
وقول ولي الأيتام الذي في كفالته وحضانته في الإنفاق عليهم مقبول فيما
[ ٥١٠ ]
يشبه وكذلك قول الوصي، إذ هو كالأب، وتصرفه فيما فيه الحظ لليتيم من بيع وابتياع جائز غير أن لا يبتاع له من نفسه، فإن فعل كان البيع في الوجهين باطلا.
والقرض معروف إذا لم يجر منفعة. ومن سئل الإقراض فلم يفعل، لم يأثم.
ومن كان عليه دين قدم قضاؤه على الصدقة.
وإذا استقرض جاز له أن يرد خيرا مما أخذ إذا لم يكن شرط. وكذلك لو أقرضه دراهم فأعطاه بها طعاما أرخصه عليه، لم يكن به بأس.
ولو أقرضه مكسرة فأعطاه عند القضاء صحاحا أقل منها على وجه الصرف، لم يجز.
فإن دفع إليه صحاحا مثلها وكان على غير شرط جاز. فإن عاد يسأله أن يقرضه ثانية لم يفعل خوفا من أن يطمع منه في مثل ما مضى. فإن شرط ألا يأخذ إلا مثل ما يُعطي، جاز.
وكل قرض جر منفعة ربا، وهو أن يقصد به الانتفاع حال الإقراض، فلا يجوز ذلك، وما ذكرناه إذا لم يكن على شرط ولا تشرف نفس، فموسع.
ومن أقرض قرضا لم يقبل عليه هدية.
ولا يكون القرض إلا حالا. وإن أجله فله الرجوع في الأجل.
ولا يجوز أن يجعل القرض مضاربة إلا بعد قبضه.
ويجوز أن يجعل الوديعة مضاربة مع من هي مودعة عنده قبل أن يقبضها.
والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة، فلسيدها أخذها، فإن كانت ولدت من الزوج وثبت أنها أمة، كان لمستحقها بعد أخذها قيمة الولد يوم الحكم له بها، وهم أحرار. فإن لم يعلم أنها أمة إلا من إقرارها، فهل يقبل قولها، ولزم الزوج أن
[ ٥١١ ]
يفدي ولده منها؟ أم لا يقبل ولا يلزمه أن يفديهم؟ على روايتين: أظهرهما: لا يقبل قولها. والأخرى: يقبل، وهم أحرار في كلا الوجهين. وإن كان غره منها غيرها، فما لزمه من فدى وغيره، رجع له على الغار، إلا عقرها، فلا يرجع به.
[ ٥١٢ ]