قال ﷿ (يا أيها الذين أمنوا كتيب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) البقرة) البقرة١٨٣) وقال ﷿ (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) البقرة١٨٥)
فصوم شهر رمضان فريضة يصام لرؤية الهلال ويُفطر لرؤيته كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما فإن غُم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان صام الناس يوم الثلاثين بنية أنه من رمضان حكما وقال بعض أصحابنا يصومه على أنه من رمضان قطعا والأول أصح فإن وافقه أجزأهم عن فرضهم ولو غُم الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان صام الناس يوم الثلاثين منه.
ويجب الصوم على من رأى الهلال وعلى من لم يره بشهادة رجل عدل في إحدى الروايتين والرواية الأخرى لا يلزمه الصوم إلا بأن يراه أو يشهد على رؤيته رجلان فصاعدا.
ولا يجوز الفطر لمن رآه وحده ولا لمن لم يره إلا بشهادة رجلين عدلين قولا واحدا. ويبيت الصيام كل ليلة في الفرض قبل طلوع الفجر الثاني ولا تُجزئة نية واحدة لجميع الشهر من أوله إلى آخره في الظاهر من المذهب وعليه العمل وقيل عنه تُجزئة نية واحدة لجميع الشهر من أوله إلى آخره مالم يفسخها.
[ ١٤٥ ]
ولا يجزئه في النذر والقضاء إلا تبييت النية في كل ليلة قولا واحدا وفي التطوع له إيقاع النية في الليل والنهار قبل الزوال وبعده مالم يطعم ويتم الصيام إلى الليل.
ومن السنة تعجيل الإفطار وتأخير السحور وإذا غاب حاجب الشمس الأعلى فقد وجب الإفطار وما دام على يقين من الليل فإنه يأكل ويشرب فإن شك في الفجر فالاحتياط أنه لا يأكل فإن أطل ولم يتيقن طلوعه فصومه تام.
ومن أكل في الفجر جاهلا أو أفطر قبل غروب الشمس جاهلا لحدوث غيم يظن معه أنها قد غابت فعليه في الوجهين القضاء بلا كفارة قولا واحدا ومن أكل في الفرض ناسيا فهو على صومه ولا قضاء عليه لما روته أم حكيم ابنة دينار عن مولاتها أم إسحاق الغنوية قالت أتيت النبي ﷺ وهو في بيت زوجته حفصة وعنده قصعة فيها ثريد ولحم فقال «يا أم إسحاق وهلمي فكلي» قالت وكنت صائمة فمن حرضي أن آكل معه أنسيت صومي فناولني رسول الله ﷺ عرقا من القصعة فما أدنيته من فمي ذكرت صومي فبقيت لا آكله ولا أضعه فقال النبي ﷺ مالك يا أم إسحاق قلت كنت صائمة فأنسيت صومي فقال ذو اليدين الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي ﷺ الآن ضعي العرق من يديك وأتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك)
ومن جامع في الفرج في صوم رمضان عامدا أو ساهيا عالما أو جاهلا فعليهما مع القضاء الكفارة إن كانت طاوعته وإن كان أكرهها فعليها القضاء والكفارة عليه دونها وقيل وعليها أيضا كفارة ترجع بها عليه وقيل عليه كفارة واحدة دونها على كل حال والأول عنه أظهر وهو اختياري وقد روي عنه فيمن جامع في رمضان ناسيا أن عليه القضاء بلا كفارة والأول عنه أظهر.
ولو وطئها في الفرج وهي نائمة فلم تستيقظ إلا بعد مفارقته الفعل لم يكن عليها قضاء ولا كفارة وكان عليه القضاء والكفارة قولا واحدا ولو ألزمناه كفارتين عنه وعنها كان وجها وقال بعض أصحابنا عليها القضاء وجها واحدا
[ ١٤٦ ]
والكفارة في أحد الوجهين وترجع بها عليه فإن استيقظت وهو في الفعل فعليها القضاء والكفارة وترجع بالكفارة عليه إن كانت لم تُمكنه من إتمام الفعل حين استيقظت وإن كانت مكنته من الإتمام بعد الاستيقاظ لم ترجع بالكفارة عليه.
فإن أكره أم ولده على الوطء فالكفارتان عليه وإن كانت طاوعته فعليه كفارة واحدة وكفارتها هي بالصوم إذا لا تملك ما تكفر به.
ومن جامع في الفجر جاهلا فعليه القضاء مع الكفارة فإن ابتدأ الفعل قبل الفجر فطلع وهو فيه فإن انتزع لوقته ولم يتحرك لغير انتزاعه فعليه القضاء قولا واحدا وفي الكفارة عنه خلاف وإن تحرك لغير إخراجه فعليه مع القضاء الكفارة قولا واحدا ولو أُكره على الجماع في نهار الصوم من رمضان كان عليه القضاء مع الكفارة قولا واحدا قال لأن الجماع لا يتأتى إلا بعد حدوث الشهوة فلا يكون هذا مُكرها ولو وطئها في أول النهار فحاضت من يومها ومرض هو من يومه مرضا يبيحه الفطر فعليهما جمعيا القضاء مع الكفارة.
ولا يُصام يوم الشك إذا لم يُغم الهلال ومن أصبح فلم يطعم ولم يشرب وأُنسي أن ذلك اليوم من رمضان أمسك عن الأكل بقية يومه ولم يُجزه عن فرضه وقضاه بعد خروج الشهر.
وإذا قدم المسافر مفطرا في نهار رمضان أحببنا له أن يمسك عن الأكل والشرب بقية يومه فإن أكل أو جامع من قد طهرت من حيضها أساء ولا كفارة عليه ولا يلزمه سوى القضاء.
والحائض إذا طهرت في بعض النهار فلها الأكل بقية يومها وعنه رواية أخرى أنها تمسك بقية يومها كالمسافر.
ومن أفطر في تطوع عامدا فالاختيار أن يقضي من غير أن يجب ذلك عليه.
ومن أكل في فرض عامدا لم يكن عليه اكثر من القضاء وليتب إلى الله تعالى من ذلك.
[ ١٤٧ ]
ولا بأس بالسواك للصائم مالم يزل الزوال وليمسك عنه بعد الزوال ولا يحتجم ولا يحجم فإن فعل أفطر.
ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه وإن استقاء لزمه القضاء كذلك روى هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ من ذرعه القيء فليس عليه القضاء ونم استقاء فليقض»
وإذا خافت الحامل على جنينها والمرضع على ولدها أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا والشيخ الكبير العاجز عن الصوم لضعفه يُطعم عن كل يوم مسكينا)
والإطعام في هذا كل مُدُبُرًّ بمد رسول الله ﷺ أو نصف صاع من تمر أو شعير.
وكذلك يُطعم من فرط في قضاء شهر رمضان حتى أظله رمضان آخر وعليه مع الإطعام قضاء مافرط فيه بعد صيام الشهر المهل.
ومن أطاق من الصيام صوم ثلاثة أيام متتابعة لا تصر بصحته أخذ بصيام رمضان وعنه رواية أخرى لا يصوم حتى يحتلم أو يبلغ خمس عشرة سنة والجارية تصوم إذا حاضت ومن أصبح جنبا من جماع أو احتلام أو كانت امرأة طهرت نم حيضها قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد الفجر أجزأهما صومهما ذلك اليوم إذا نويا الصيام من الليل.
ولا يجوز صيام يوم الفطر والأضحى عن فرض ولا نذر ولا قضاء ولا صوم
[ ١٤٨ ]
أيام منى الثلاثة متطوعا قولا واحدا وهل يصومها المتمتع العادم الهدي عن مُتعته أم لا؟ على روايتين أظهرهما لا يصومها.
ومن سافر سفرا يبيح قصر الصلاة فله الفطر وإن لم تنله مشقة بسفره ويقضي إذا أقام وإن صام في سفره أجزأه عن فرضه وكذلك المريض الذي لا يطيق الصيام والذي يريد الصوم في مرضه له أن يفطر فإن تحمل وصام أجزأه.
قال: ولو أن مقيما نوى الصوم قبل الفجر ثم سافر بعد الفجر أفطر إن شاء ولم يضره دخوله في الصوم مقيما والإتمام أحسن قد روي عن عبيدالله بن عبدالله ابن عتبة بن مسعود عن عبدالله بن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره ﷺ.
ومن سافر أقل من أربعة بُرُد لم يقصر ولم يفطر.
ومن سافر سفر معصية لم يحل له فيه القصر والفطر وإن قصر فيه أعاد على التمام.
ومن أفطر في صوم واجب كنذر أو كفارة أو قضاء رمضان عامدا بجماع أو غيره لم يكن عليه سوى القضاء ولا كفارة عليه.
وكفارة الوطء في شهر رمضان بالجماع على الترتيب ككفارة المظاهر قولا واحدا – غير أنه لا يحرُمُ عليه الوطء قبل الكفارة ولا إذا كفر بالصوم في ليالي الصوم – فيعتق رقبة فإن لم يجد فليصم شهرين متتابعين فإن لم يستطع.
[ ١٤٩ ]
فليطعم ستين مسكينا كما روى محمد بن أسماعيل البخاري صاحب الصحيح قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال يارسول الله هلك وأهلكت قال «مالك؟» قال وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ «هل تجد رقبة تُعتُقها؟» قال لا قال «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال لا قال «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟» قال لا فمكث فينا نحن كذلك أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر والعرق المكتل فقال أين السائل قال أنا قال «خُذْ هذا فتصدق به» فقال الرجل أعلى أفقر مني يارسول الله فوالله مابين لابتيها –يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال «أطعمه أهلك» وقد روى هذا الحديث سفيان بن عُيينة عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلك وقعت على امرأتي في رمضان وذكر الحديث.
قال: ومن وطئ في يوم من رمضان فكفر فيه ثم عاد فوطئ من يومه فعلية كفارة أخرى فإن وطئ في يوم مرارا ولم يكفر أو وطئ في أيام ولم يتخلل وطأه كفارة لم يكن عليه إلا كفارة واحدة ولا يختلف قوله إن من وطئ في رمضان فقدرة على الكفارة من ماله أن عليه أن يكفر واجبا فإن كان فقيرا فتصدق بالكفارة عليه فهل له أن يأكلها كما جاء الحديث أو كان ذلك خصوصا فذلك الرجل وعليه أن يتصدق بذلك ولا يجوز له أكله على روايتين.
ومن أُغمي عليه قبل الفجر ولم يكن نوى الصم ولم يفق حتى طلع الفجر فعليه قضاءُ ذلك اليوم فإن كان نوى الصيام وأفاق قبل غروب الشمس أجزأه
[ ١٥٠ ]
صومُ ذلك اليوم وإن لم يفق حتى غربت الشمس لم يجزه صيامه ومن أُغمي عليه بعد أياما وقد كان نوى الصيام أجزأه صيام أول يوم وقضى مابعده من أيام الإغماء وقال بعض أصحابنا ويجيء على الرواية التي تقول إن نية واحدة تُجزئُة لجميع الشهر إنه إذا صح له صيام أول يوم أجزأه صيام باقي أيام الإغماء ولم يكن عليه قضاء والصحيح الأول.
فأما المجنون فلا يقضي مافاته من الصيام في حال زوال عقله في الصحيح من المذهب.
ومن أسلم في شهر رمضان صام مايستقبل من الشهر ولم يلزمه قضاء مامضى منه.
والأسير إذا خفي عليه شهر رمضان فصام شهرا يريد به رمضان فوافقه أو ما بعده أجزأه وإن وافق ماقبله لم يجزه.
وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه ولفظه في شهر رمضان ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه ولا يقرب النساء بجماع ولا مباشرة في نهار الصوم ولا قبله إن كان شابا شبقا يخاف على نفسه فإن قبًّل وسلم من حدث فهو على صيامه ولا شيء عليه وقد روى جابر بن عبدالله عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: هَشِشْتُ يوما فقبلت وأنا صائم فأتيت رسول الله ﷺ فقلت صنعت أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال رسول الله ﷺ «أرأيت لو تمضمصت بماء وأنت صائم؟ فقلت لا بأس فقال رسول الله ﷺ ففيم».
ولا يحرم عليه ذلك كله في ليالي الصوم.
ومن تلذذ في نهار الصوم بمباشرة أو قبلة فأمذى أو أمنى فعليه القضاء بلا كفارة ومن فعل ذلك ناسيا فهو على صيامه ولا قضاء عليه.
[ ١٥١ ]
ومن كرر النظرحتى أنزل لم يلزمه أكثرُ من القضاء إن كان ذاكرا ومن وطئ دون الفرج فأنزل فعليه مع القضاء الكفارة ومن هاجت شهوته فأمذى من غير أن يمس ذكره فهو على صيامه ويحتمل أيلزمه القضاء.
وما غلب الإنسان فدخل حلقه كالذباب وغبار الطريق والدخان وما في معنى ذلك لم يفطر به.
ومن اكتحل بما يجد طعمه من صبر أو ذرور أو قطور أفطر فإن اكتحل باليسير من الإثمد غير الطيب كالميل ونحوه لم يُفطر قد روي عن أبي رافع مولى النبي ﷺ قال نزل رسول الله ﷺ خيبر ونزلت معه فدعا بكُحل إثمد غير ممسك فاكتحل في رمضان وهو صائم.
ومن داوى جرحه بدواء بأتمر أو رُطب فوصل إلى جوفه أفطر ومن احتقن أو استعط أفطر.
ومن بلع ماليس بطعام ولاشراب عامدا أفطر.
ومن تنخم من دماغه فلما حصلت النخامة في فيه ازدردها أفطر بذلك فإن تنخم من صدره ثم ازدرده بعد حصوله في فيه فهل يفطر أم لا؟ على روايتين ولا جناح عليه في بلع الريق ومن بقي بين أسنانه من طعامه مايعلم به ويقدر على لفظة فازدرده أفطر وإن كان لايعلم به فجرى به الريق من غير قصد فازدرده لم يفطر.
ومن سبقه الماء في حال المضمضة والاستنشاق فدخل حلقه الماء على طريق الغلبة لم يفطر إلا أن يزيد على الثلث فإن دخل حلقه الماء فيما زاد على الثلث أفطر قولا واحدا.
[ ١٥٢ ]
ومن نوى الإفطار صار مفطرا وإن لم يطعم
ومن ارتد عن الإسلام أفطر وحبط عمله فإن عاد إلى الإسلام بقية رمضان صام مابقي منه وهل يلزمه قضاء ما أفطر بعد الردة أم لا؟ على روايتين.
وقيام شهر رمضان سنة حسنة فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه والقيما له في مساجد الجماعات بإمام هو السنة المأثورة وقيامه بعشرين ركعة تُفعل كصلاة الليل مثنى مثنى ثم يوتر بثلاث ركعات ويفصل بين الشفع والوتر منهما بسلام إذ الوتر المستحب ركعة واحدة ويقنت فيها بعد الركوع.
ومن أوتر مع إمامه كتب له قيام ليلة ومن أحب التعقيب في شهر رمضان وهو أن يصلي مع الإمام التراويح ويوتر معه ثم ينصرف إلى بيته ثم يعود إلى المسجد فيشفع وتره بركعة يسلم منها ثم يصلي من الليل مابدا له مثنى مثنى ثم يوتر بركعة جاز فهذا هو التعقيب وهو فعل خير وقد روي عنه رواية أخرى أنه كره التعقيب لأن أفضل قيام الليل آخره والأول أحب إلي.
ولا يتنفل بين التراويح كره ذلك ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ عقبة بن عامر وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء.
وله أن يتطوع بعد الفرض قبل التراويح بركعتين بذلك جاءت السُنَّةُ
ومن سها في صلاة التراويح فقام من اثنتين رجع فجلس وتشهد وسلم ولا يسجُدُ قبل السلام.
ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال متتابعة أو متفرقة فكأنما صام الدهر.
وقضاء رمضان متفرقا يجزئ والمتتابع حسن والله أعلم.
[ ١٥٣ ]