قال: والقرض معروف، ومن سُئل فلم يقرض لم يأثم.
وليش القرض من المسألة التي لا تحل.
قال: ولا أُحب أن يتحمل الإنسان بأمانته ما ليس عنده. وقضاء الدين مقدم على الصدقة.
قال: ومن كان فقيرا فأراد أن يستقرض، فليُعلم من يسأله القرضَ بحاله ولا يغره من نفسه، إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر رد مثله. وكذلك: لا يتزوج الرجل الفقير المرأة الموسرة ولا يعلمُها بحاله. ولا يغر مسلم مسلمة.
قال: ولا بأس أن يقول رجل لرجل: اسقرض لي من فلان ألف درهم ولك عشرة دراهم. ولو قال: اكفلني لفلان ولك أجرة كذل، لم يجز.
قال: ولو أقرض رجلا دراهم إلى أجل، لم يكن القرض مؤجلا، وكان حالا، وينبغي له أن يفي له بما وعده.
قال: ولو استقرض من رجل دراهم مكسرة وهي جائزة، فأتلفها، ثم حرم السلطان التعامل بالمكسرة، ونادى فيها، كان للمقرض قيمتها يوم اقترضها. وكذلك لو كانت باقية بعينها بعد أن حُرمت ونودي فيها، لم يكن له أن يردها؛ لأنه أخذها وهي جائزة، وفسدت في يده، فعليه قيمتها يوم أخذها ذهبا.
قال: ولو استقرض دراهم، أو حبوبا، أو خبزا، فردَّ أجود مما أخذ، لم يكن به بأس، إذا كان بغير شرط.
قال: ولو أقرض رجلا فضة فرد أرجح منها، وحلله منها، طاب ذلك له، ولم
[ ٢٣٤ ]
يكن ربا، قد اقترض ابن عمر قرضا، فرد أكثر من ذلك، وقال للمقرض: هذا نيل منا لك. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ اقترض بعيرا، فأعطاه أفضل من سِنِّه.
قال: لا بأس بذلك في القرض، ولا يجوز في السلم. وعن ابن مسعود: أن أقرض رجلا دراهم، فرد عليه أجود منها.
قال: ولو أقرض رجلا دراهم فأعطاه بها طعاما وحاباه في السعر، لم يكن به بأس. هذا كل يجوز عنده إذا لم يكن شرط ولا تشوف نفس.
فإن أقرض رجلا عشرة دراهم غلَّة، فقضاه صحاحا جاز في أول مرة، فإن عاد يلتمس منه قرضا ثانيا لم يقرضه، وإن فعل لم يأخ منه إلا مثل ما أقرضه، وإن أخذ زيادة أو أجود كان حراما قولا واحدا.
ولو كان له على رجل بر معلوم، ولم يكن عنده، لم يجز أن يعطيه شعيرا أكثر كيلا من الطعام، إلا أن يقوم الطعام دراهم ويبيعه بها شعيرا. فإن أعطاه بطعامه شعيرا قفيزا بقفيز من غير زيادة جاز.
فإن كان له على رجل دراهم مكسرة، فجاءة بدراهم صحاح أقل منها، لم يأخذها بجميع حقه، ولكن يأخذها بمثلها من حقه، وإن أحب أن يهب له الباقي جاز. ولا يجوز أن يأخذها على وجه الصرف قولا واحدا.
قال: ولو كان له على رجل ألف درهم، فأعطاه دراهم فيها مكحَّلة أو مزبَّقة، لم يكن قد وفاه حقه؛ لأنه أعطاه كحلا وزئبقا.
قال: ولا يكسبها المعطي إلا بأمره، وعلى المعطي أن يعطيه ما نقص.
قال: ولا خير في الخبز قرصا بقرصين، ولا عظيما بصغير، إذا كان بعض
[ ٢٣٥ ]
ذلك أفضل من بعض. فأما إذا كان يتحرى أن يكون مثلا بمثل، فلا بأس به، وإن لم يوزن، قال: والوزن في الخبز والخمير أحب إلي. قال: وقد سهل قوم في أن يأخذ الأصغر ويعطي الأكبر، فإذا لم يكن على مواطاة، فلا بأس.
ولا خير في قرضِ جر منفعة، إلا أن يعطيه صاحبه بطيب من نفسه على غير مواطأة أول دفعة على ما بينا.
ولو أقرض رجلا قرضا، فأهدى إليه هدية، لم يقبلها إلا أن يكافئه أو يحبسها من دَينه، إلا أن يكونا ممن جرت العادة بينهما أن بتهاديا قبل ذلك، فليس به بأس، وهو قول أنس.
ولو استضاف رجلٌ غريما له، ولم تكن العادة جارية بينهما قبل القرض بذلك، حسب له ما أكل.
ومن كان له على رجل قمح أو زيت، فطلبه ولم يكن عنده، لم يُقرضه دراهم يبتاع ذلك بها ويقضيه، فإن فعل كان مكروها غير محرم.
قال: فأما إن كان له على رجل ألف درهم أفلس، فأقرضه صاحب الحق ألفا أخرى على أن يردها عليه والألف الأولى في كل شهر شيئا معلوما جاز. وكذلك لو كان له على رجل مال فأفلس، فقال صاحب الحق له: أعطني رهنا، وأعطيك مالا تعمل به وتقضيني. جاز ذلك.
ولو أقرضه قرضا، ثم استعمله عملا لم يكن يستعمله مثله قبل القرض، كان ذلك قرضا جر منفعة. وكذلك لو قال له رجل: أقرضني درهما لأسكن دراك، وأزيدك في الأجرة. لم يجز؛ لأنه قرض جر منفعة.
[ ٢٣٦ ]
قال: ولو كان لرجل أكّارٌ يعمل في أرضه، فقال له: أقرضني ما أبتاع به بقرا، لم يقرضه.
قال: ولو قال له رجل: أقرضني ألف درهم، وادفع إلي أرضك أزرعها على الثلث. كان خبيثا.
قال: ولو أقرضه طعاما ببغداد، فقضاه طعاما بالكوفة على غير شرط جاز. فإن أقرضه طعاما ببغداد، وشرط عليه أن يقضيه الطعام بالكوفة؛ لأن الطعام بها أغلى، كان مكروها.
ومن كان له على رجل طعام قرضا، لم يبعه من غيره قبل قبضه قولا واحدا. واختلف قوله في بيعه من الذي عليه الطعام قبل قبضه منه على روايتين: أجاز ذلك في إحداهما، ومنع منه في الأخرى إلا بعد قبضه.
قال: ولو استقرض منه فلوسا وقيمة كل عشرين فلسا دانق، فصارت قيمة كل عشرة فلوس منها دانقا كان له عليه عشرون فلسا.
ولا بأس باستقراض سائر الحيوان، وكُره استقراض بني آدم. قال: لأن رسول الله ﷺ قد استلف بعيرا، ولم يستسلف عبدا ولا جارية.
قال: ولو استقرض من رجل عشرة دراهم وزنها كعددها، لم يجز أن يأخذ منه عشرة دراهم، عددها أكثر من وزنها، إذا كانت تجوز في ذلك البلد برؤوسها.
قال ولا بأس بتسعين دينارا بمئة دينار والوزن واحد، إذا كانت لا تنفُق في مكان إلا بالوزن. فأما إن كانت تنفُق في مكان برؤوسها فلا.
قال: ولو أراد رجل أن ينقد نفقة عياله، فأقرضها رجلا على أن يدفعها إلى عياله، فلا بأس، إذا لم يأخذ عليها شيئا.
[ ٢٣٧ ]