بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ يَسِّرْ وَأعِنْ
قَال الشيخُ الإمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الأوْحَدُ، شَرَف الإسْلَام، قُدوَةُ الأنَامِ، مُفْتِي الْفِرَقِ، أوحَدُ الزَّمَانِ، مُوَفَّقُ الدِّينِ، أبو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ، ﵀: الْحمدُ لله الْمَحمُودِ عَلَى كُلِّ حَال، الدَّائِمِ الْبَاقي بِلَا زَوَال، الْمُوجِدِ خَلْقَهُ عَلَى غَيرِ مِثَال، الْعَالِم بِعَدَدِ الْقَطر وَأموَاجِ الْبَحرِ وَذَرَّاتِ الرِّمَال، لَا يَعزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأرضِ وَلَا فِي
ــ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نسْتَعين، وعليه نتوكَّلُ
الحمدُ للهِ المُتَّصِفِ بصِفاتِ الكَمال، المَنْعوتِ بنُعوتِ الجَلالِ والجَمال، [المُنْفَرِدِ] (١) بالإِنْعامِ والإفْضال، والعَطاءِ والنَّوال، المُحْسِنِ المُجْمِلِ على مَمرِّ الأَيامِ
_________________
(١) زيادة من: «ا».
[ ١ / ٣ ]
السَّمَاءِ، وَلَا تَحْتَ أطبَاقِ الْجِبَال ﴿عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (١)، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْمُصطَفَى، وآلِهِ خَيرِ آلٍ، صَلَاةً دَائِمَةَ بِالْغُدُوِّ وَالآصَال.
أمَّا بَعْدُ؛ فَهذَا كِتَابٌ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهبِ الإمَامِ أبي عَبْدِ اللهِ أحمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ﵁، اجْتهدتُ فِي جَمعِهِ وَتَرتِيبِهِ، وَإيجَازِهِ وَتَقْرِيبِهِ، وَسَطًا بَينَ الْقَصِيرِ وَالطَّويلِ، وَجَامِعًا لِأكْثَرِ الْأحكَامِ، عَرِيَّةً عَنٍ الدَّلِيلِ وَالتَّعلِيلِ؛ لِيَكْثُرَ عِلْمُهُ، وَيَقِلَّ حَجْمُهُ، وَيَسْهُلَ حِفْظُهُ وفهمُهُ، وَيَكُونَ مُقْنِعًا لِحَافِظِيهِ، نَافِعًا لِلنَّاظِرِ فِيهِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ المَسْئُولُ أنْ يُبَلِّغَنَا أمَلَنَا، وَيُصلِحَ قَوْلَنَا وَعَمَلَنَا، وَيَجْعَلَ سَعيَنَا مُقَرِّبًا إِلَيهِ، وَنَافِعًا لَدَيهِ.
ــ
واللَّيال. أحمَدُه حَمْدًا لا تَغيُّر له ولا زَوال، وأشْكرُه شكْرًا لا تحَوُّلَ له ولا انْفِصال. وأشْهدُ أنْ لا إله إلَّا الله وحدَه لا شَرِيكَ له ولا مِثْلَ ولا مِثال، شهادَةً أدَّخِرُها ليوْمٍ لا بيع فيه ولا خِلال. وأشْهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، الدَّاعِي إلى أصَحِّ الأقْوال، وأسَدِّ الأفْعال، المُحْكِمُ للأحكامِ والمُمَيِّزُ بينَ الحرامِ والحلال، صلى الله عليه وعلى آلِه وأصحابِه خَيرِ صَحْبٍ وخيرِ آل، صلاةً دائمةً بالغُدُوِّ والآصال.
_________________
(١) سورة الرعد ٩.
[ ١ / ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أمَّا بعدُ، فإنَّ كتابَ «المُقنِع» في الفِقْهِ، تأليفَ شيخِ الإِسْلامِ مُوَفَّقِ الدين أبي محمدٍ عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ محمد بن قُدَامَةَ المَقْدِسيِّ، قدَّسَ اللهُ رُوحَه، ونَوّرَ ضَرِيحَه، من أعظَمِ الكتُبِ نفْعًا، وأكثَرِها جمعًا، وأوْضَحِها إشارَةً، وأسْلَسِها
[ ١ / ٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) عبارة، وأوْسَطِها حَجْمًا، وأغْزَرِ بها علْمًا، وأحسَنِها تَفْصِيلًا وتَفْرِيعًا، وأجْمَعِها تَقْسِيمًا وتنْويعًا، وأكْملِها ترتِيبًا، وألْطَفِها تَبْويبًا؛ قد حوَى غالِبَ أمَّهاتِ مسائِلِ المذْهب، فمَنْ حصَّلَها فقد ظفِرَ بالكَنْزِ والْمَطْلَب، فهو كما قال مُصَنفُه فيه: «جامِعًا لأكْثَرِ الأحكامِ». ولقد صدَقَ وبَرَّ ونصحَ، فهو الحَبْرُ الإِمامُ، فإنَّ مَن نظرً فيه بعَينِي التَّحْقيقِ والإِنْصاف، وَجدَ ما قال حَقًّا وافِيًا بالْمُرادِ مِن غيرِ خِلاف، إلَّا أنَّه، رَحِمَه الله تُعالى، أطْلقَ في بعضِ مَسائلِه الخِلافَ مِن غيرِ ترْجيح، فاشْتبَه على النَّاظرِ فيه الضَّعِيفُ مِنَ الصَّحيح، فأحبَبْتُ، إنْ يسَّر اللهُ تعالى، أنْ أبَيِّنَ الصَّحيحَ مِن المذْهبِ والمشْهور، والمعمولَ عليه والمنْصور، وما اعتمَده أكثَرُ الأصحابِ وذَهبوا إليه، ولم يُعَرجُوا على غيرِه ولم يُعَوِّلوا عليه. فصل: اعلم، رَحِمَك اللهُ تعالى، أنَّ المُصَنِّفَ، رَحِمَه اللهُ تعالى، يكَرِّرُ في كتابِه أشْياءَ كثيرة، عِبارَتُه فيها مُخْتلِفَةُ الأنْواع، فيُحتاجُ إلى تَبْيِييها، وأنْ يُكْشفَ عنها القِناع؛ فإنَّه تارَةً يُطْلِقُ «الرِّوايتَين» أو «الرِّواياتِ» أو «الوَجْهين» أو «الوَجْه» أو «الأوْجُه» أو «الاحتمالين» أو «الاحتِمالات» بقوْلِه: «فهل الحُكْمُ كذا؟ على رِوايتَين، أو على وَجْهين، أو فيه رِوايتان، أو وَجْهان، أو احتَمَل كذا واحتَمَلَ كذا». ونحوَ ذلك. فهذا وشِبْهُه، الخِلافُ فيه مُطْلق، والذي يظهرُ أنَّ إطْلاقَ المُصَنِّفِ وغالِبِ الأصحابِ، ليس هو لقُوَّةِ الخِلافِ مِن الجانِبَين، وإنَّما مُرادُهم حِكايةُ الخِلافِ مِن حيثُ الجملةُ، بخِلافِ مَنْ صَرَّحَ باصطِلاحِ ذلك، كصاحبِ «الفُروعِ»، و«مَجْمَعِ البحْرَين»، وغيرِهما. وتارةً يُطْلِقُ الخِلافَ بقوْلِه مثلًا: «جازَ، أو لم يَجُزْ، أو صَحَّ، أو لم يصِحَّ في إحدَى الرِّوايتَين، أو الرِّواياتِ، أو الوَجهين، أو الوُجُوهِ». أو بقوْلِه: «ذلك على إحدَى الرِّوايتَين، أو الوَجْهين». والخِلافُ في هذا أيضًا مُطْلَق، لكنْ فيه إشارَةٌ ما إلى ترجيحِ الأوَّلِ. وقد قيل: إنَّ المُصَنِّفَ قال: «إذا قلتُ ذلك، فهو
[ ١ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّحيحُ، وهو ظاهِرُ مُصْطلَحِ الحارِثِي (١) في «شَرحِه». وفيه نظرٌ؛ فإنَّ في كتابِه مَسائِلَ كثيرةً يُطْلِقُ فيها الخِلافَ بهذه العبارَةِ، وليستِ المذْهبَ، ولا عَزاها أحَدٌ إلى اخْتِيارِه، كما يَمُرُّ بك ذلك إنْ شاءَ اللةُ تعالى، ففي صِحَّتِه عنه بُعدٌ. ورُبَّما تكونُ الرِّوايَةُ أو الوَجْهُ المسْكوتُ عنه مُقَيَّدًا بقَيدٍ، فأذْكُرُه، وهو في كلامِه كثيرٌ. وتارَةً يذْكُرُ حُكْمَ المسْألَةِ مُفَصَّلًا فيها، ثم يُطْلِقُ رِوايتَين فيها، ويقولُ: «في الجُملَةِ». بصِيغَةِ التَّفريضِ، كما ذكره في آخِرِ الغَصبِ، أو يحكِى بعدَ ذِكْرِ الحُكْمِ إطْلاقَ الرِّوايتَين عن الأصحابِ، كما ذكَره في بابِ المُوصَى له، ويكونُ في ذلك أيضًا تفْصيلٌ، فنُبَيِّنُه إنْ شاء اللهُ تعالى. وتارةً يُطْلقُ الخِلافَ بقوْلِه، بعد ذِكْرِ حكْمِ المسْألةِ: «يَحتمِلُ وَجْهين». والغالِبُ أنَّ ذلك وَجْهان للأصحابِ، إلَّا أنَّه لم يَطَّلع على الخِلافِ، فوافقَ كلامَهم، أو تابعَ عبارةَ غيرِه. وتارة يقولُ: «فعنه كذا، وعنه كذا».كما قاله في بابِ النَّذْرِ، والمَعروفُ مِنَ المُصطَلحِ أنَّ الخِلافَ فيه مُطْلَقٌ. وتارةً يقولُ: «فقال فُلانٌ كذا. وقال فلانٌ كذا».كما ذكَرهُ في بابِ الإقْرارِ بالمُجْمَلِ وغيرِه. وهذا مِن جُملَةِ الخِلافِ المُطْلَقِ فيما يظْهرُ. وتارةً يقولُ، بعدَ حكْمِ المسْألَةِ: «ذكَره فُلانٌ، وقال فلانٌ كذا. أو عندَ فلانٍ كذا، وعند فلانٍ كذا». كما ذكره في بابِ جامِع الأيمانِ، وكتابِ الإِقْرارِ، وغيرِهما. وهذا في قُوَّةِ الخِلافِ المُطْلَقِ. ولو قيلَ: إنَّ فيه مَيلًا إلى قُوَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ. لَكان له وَجْهٌ. وتارةً يقولُ، بعدَ ذِكْرِ الحكْمِ: «حكْمُ المسْألةِ في قْولِ
_________________
(١) مسعود بن أحمد بن مسعود الحارثي البغدادي ثم المصري، سعد الدين، أبو محمد وأبو عبد الرحمن، الفقيه، المحدث، الحافظ، قاضي القضاة. سمع بمصر والإِسكندرية ودمشق، وعنى بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، وخرج لجماعة من الشيوخ معاجم، وتفقه، وبرع، وأفتى، وصنف، وشرح قطعة من كتاب «المقنع» من العارية إلى آخر الوصايا. توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة. والحارثي؛ نسبة إلى الحارثية، قرية من قرى بغداد غربيها. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤، الدرر الكامنة ٥/ ١١٦، ١١٧.
[ ١ / ٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فُلانٍ، أو فقال فُلانٌ كذا. وقال غيرُه كذا». كما ذكَرَه في بادب الأضْحِيَةِ والشُّفْعَةِ والنَّذْرِ. وهذا أيضًا في قُوَّةِ الخِلافِ المُطْلَقِ. وتارةً يقول، بعدَ ذِكْرِ حكْمِ المسْألةِ: «عندَ فلانٍ، ويَحتَمِلُ كذا. أو فقال فلانٌ كذا، ويَحتَمِلُ كذا». كما ذكرَه في أواخرِ بابِ جامِع الأيمانِ، وأواخِرِ بابِ شروطِ مَن تُقْبَلُ شهادَتُه. فظاهِرُ هذه العبارَةِ، أنَّه ما اطَّلَعَ على غيرِ ذلك القَولِ، وذكرَ هو الاحتِمال، وقد يكون تابعَ عبارَةَ غيرِه. وقد يكونُ في المسْألةِ خِلافٌ، فنُنَبِّهُ عليه. وتارةً يقولُ: «فقال فلانٌ كذا». ويقْتَصِرُ عليه، مِن غيرِ ذكْرِ خِلافٍ، فقد لا يكونُ فيها خِلافٌ، كما ذكَره عن القاضي (١) أيضًا في بابِ الفِدية، في الضربِ كما الثالثِ في الدِّماءِ الواجِبَةِ، فهو في حُكْم المجْزُومِ به. وقد يكونُ فيها خِلافٌ، كما ذكرَه عن القاضي في بابِ الهِبَةِ. وتارةً يقولُ، بعدَ ذِكْرِ حُكْمِ المسْألةِ: «في رِوايةٍ». كما ذكرَه في واجباتِ الصَّلاة، وبابِ مَحظوراتِ الإِحرام. أو يقولُ: «في وَجْهٍ». كما ذكرَه في أركانِ النِّكاحِ. ففي هذا يكونُ اخْتِيارُه في الغالبِ خِلافَ ذلك، وفيه إشْعار بتَرجيحِ المَسْكوتِ عنه، مع احتِمالِ الإِطْلاقِ. وقد قال في «الرِّعاية الكُبْرَى» في كتابِ النَّفقاتِ: «وإنْ كان الخادِمُ لها، فنَفَقتُه على الزَّوْجِ، وكذا نفَقَةُ المُؤجَّرِ والمُعارِ في وَجْهٍ». قال في «الفُروعِ» (٢): «وقولُه: في وَجْهٍ. يَدُلُّ على أنَّ الأشْهرَ خِلافه». وتارةً يحكِي الخِلاف وَجْهين، وهما رِوايتان. وقد يكونُ الأصحابُ اخْتلَفوا في حكايَة الخِلافِ، ففهم مَنْ حكَى وَجْهينْ، ومنهم مَنْ حكَى رِوايتَين، ومنهم مَن ذكرَ الطَّريقَتَين، فأذْكرُ ذلك إنْ شاء الله تعالى. وتارةً يذْكُرُ حُكْمَ المسْألةِ، ثم يقولُ: «وعنه كذا. أو وقيل. أو وقال فلانٌ. أو ويتخَرَّجُ. أو
_________________
(١) يعني أبا يعلى محمد بن الحسين بن محمد، ابن الفراء، الحنبلي، عالم زمانه في الأصول والفروع. المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. ترجمه ولده ترجمة حافلة في طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣ - ٢٣٠.
(٢) الفروع ٥/ ٥٨٠.
[ ١ / ٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَحتَمِلُ كذا». والأوَّلُ هو المُقَدَّمُ عندَ المُصَنِّفِ وغيرِه. وقلَّ أن يُوجدَ ذلك التَّخْريجُ أو الاحتِمالُ إلَّا وهو قوْلٌ لبعضِ الأصحابِ، بل غالِبُ الاحتِمالاتِ للقاضي أبي يَعلَى في «المُجَرَّدِ» وغيرِه، وبعضُها لأبي الخَطَّابِ (١) ولغيرِه، وقد تكون للمُصَنِّفِ، وسنُبَيِّنُ ذلك إن شاء الله تعالى.
فالتَّخْرِيجُ في مَعنى الاختِمالِ، والاحتِمالُ في مَعنى الوَجْهِ، إلَّا أنَّ الوَجْة مَجْزومٌ بالفُتْيا به. قاله في «المُطْلِعِ». يعنى مِن حيثُ الجُملةُ. وهذا على إطْلاقِه فيه نظر، على ما يأتِي في أواخِرِ كتابِ القضاءِ، وفي القاعِدَةِ آخِر الكتابِ. والاحتِمالُ تَبْيِينُ أنَّ ذلك صالِحٌ لكَوْنِه وَجْهًا، فالتَّخْرِيجُ نقْلُ حكْمِ مسْألَةٍ إلى ما يُشْبِهُها والتَّسْويَةُ بينَهما فيه، والاحتمالُ يكونُ إمَّا لدَليلٍ مَرجُوح بالنِّسْبةِ إلى ما خالفَه، أو لدَليل مساوٍ له، ولا يكونُ التَّخْرِيجُ أو الاحتِمالُ إلَّا إذا فُهِمَ المعنَى. والقوْلُ يشْمَلُ الوَجْه، والاحتِمال، والتَّخْريجَ، وقد يشْمَلُ الرِّوايَةَ، وهو كثيرٌ في كلامِ المُتَقَدِّمين، كأبي بَكرٍ (٢)، وابنِ أبي موسى (٣)، وغيرِهما، والمُصطَلَحُ الآنَ على خِلافِه، ورُبَّما يكون ذلك القوْلُ الذي ذكَره المُصَنِّفُ، أو الاحتِمالُ، أو التَّخْرِيجُ، رِوايةً عن الإِمامِ أحمدَ، ورُبَّما كمان ذلك هو المذهبَ، كما سَتراه إنْ شاءَ. اللهُ تعالى مُبَينَّا. وتارةً يذْكُرُ حُكْمَ المسْألَةِ، ثم يقولُ: «وقيل عنه كذا».كما ذكرَه
_________________
(١) أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني البغدادي، أحد أئمة المذهب الحنبلي وأعيانه. ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. وصنف كتبا حسانا في المذهب والأصول والخلاف. وتوفي سنة عشر وخمسمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٨، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١١٦ - ١٢٧، العبر ٤/ ٢١.
(٢) أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، صاحب التصانيف الدائرة والكتب السائرة، وكانت له حلقة بجامع المهدي، أنفق عمره في جمع مذهب الإِمام أحمد: تصنيفه. توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٢ - ١٥، العبر ٢/ ١٤٨.
(٣) هو أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي القاضي. المتوفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. وكتابه الإرشاد في فروع المذهب. مفاتيح الفقه الحنبلي ٢/ ٦٣.
[ ١ / ٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في بابِ المُوصَى له، وعيوبِ النِّكاحِ، أو «وحُكِيَ عنه كذا». كما ذكرَه في بابِ نَواقِضِ الوضوء وغيرِه، أو «وحُكِيَ عن فلان كذا».؛ ذكرَه في بابِ القِسْمَةِ بصِيغَةِ التَّمريضِ في ذلك. وقد يكونُ بعضُهم أثْبتَه لصِحَّتِه عندَه، فنُبَيِّنُه. وتارةً يحكِي الخِلافَ في المسْألَةِ، ثم يقولُ: «قال فلانٌ كذا». بغيرِ واو، ولا يكونُ ذلك في الغالب إلَّا مُوافِقًا لما قبلَه، لكنْ ذكَره لفائدَةٍ؛ إمَّا لكَوْنِه أعَمَّ، أو أخَصَّ مِن الحُكْمِ المُتقَدِّمِ، أو يكونُ مُقَيَّدًا أو مُطْلَقًا، والحُكْمُ المُتقَدِّمُ بخِلافِه، ونحوه. ورُبَّما ذكرَ ذلك لمفْهومِ ما قبلَه، كما ذكرَه في العاقِلَةِ عن أبي بكر. وهي عِبارَة عقدة. وتارَةً يقولُ، بعدَ ذِكْرِ المسْألَةِ: «في ظاهرِ المذهبِ». أو «وظاهِرُ المذهبِ كذا»: أو «في الصَّحيحِ مِن المذهبِ». أو «في الصَّحيحِ عنه». أو «في المشْهورِ عنه». ولا يقولُ ذلك إلا وثَمَّ خِلافٌ، والغالِبُ أنَّ ذلك كما قال. وقد يكونُ ظاهِرَ المذهبِ والصَّحيحَ مِن المذهبِ عنده دُونَ غيرِه، كما ذكرَه في بابِ سُجودِ السَّهْو وغيرِه، وظاهِرُ المذهبِ هو المشْهورُ في المذهب. وتارةً يقولُ: «في أصَحِّ الرِّوايتَين، أو الوَجهين، أو على أظْهرِ الرِّوايتَين، أو الوَجْهين». ولا تكادُ تجِدُ ذلك إلا المذهبَ، وقد يكون المذهبُ خِلافَه، ويكونُ الأصَحَّ والأظْهرَ عندَ المُصَنِّف ومَنْ تابعَه. وتارةً يُطْلِق الخِلافَ، ثم يقولُ: «أوْلَاهما كذا». كما ذكَره في تَفْريقِ الصَّفْقَةِ والعِدَدِ. وهذا يكون اخْتِيارَه، وقد يكونُ المذهبَ، كما في العِدَدِ. وتارةً يقولُ، بعدَ حِكايته الخِلافَ: «والأوَّلُ أصَحُّ». أو «وهي أصَحُّ».كما ذكرَه في الكفَاءَةِ وغيرِها، ويكونُ في الغالبِ كما قال. وقد يكونُ ذلك اخْتِيارَه. وتارةً يقولُ: «والأوَّلُ أقْيَسُ وأصَحُّ». كما قاله في المُساقَاةِ. أو «والأوَّلُ أحسَنُ». كما ذكرَه في آخِرِ بابِ مِيراثِ الغَرْقَى والهدمَى. وهذا يكونُ اخْتِيارَه. وتارةً يُصَرِّحُ باخْتِيارِه، فيقول: «وعندِي كذا». أو «هذا الصَّحيحُ عنِدي». أو «والأقْوَى عندِي كذا». أو «والأَوْلَى عِندِي كذا». أو
[ ١ / ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) «وهو أوْلَى». وهذا في الغالِبِ يكونُ روايةً، أو وَجْهًا، وقد يكونُ اخْتاره بعضُ الأصحابِ، ورُبَّما كان المذهبَ. وتارةً يقدِّمُ شيئًا، ثم يقولُ: «والصَّحيحُ كذا». كما ذكرَه في كتابِ العِتْقِ وغيرِه، ويكونُ كما قال، ورُبَّما كان ذلك اخْتِيارَه. وتارةً يقولُ: «قال أصحابنُا». أو «وقال أصحابُنا». أو «وقال بعض أصحابِنا كذا». ونحوه. وقد عُرِفَ من اصطِلاحِه أنَّ اخْتِياره مُخالِفٌ لذلك. وتارَةً يقولُ: «اخْتاره شُيُوخُنا». أو «عامَّةُ شُيوخِنا». كما ذكرَه في كتابِ الظِّهارِ، وفي آخِرِ بابِ طريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه. وتارةً يقولُ: «نصَّ عليه، وهو اخْتِيارُ الأصحابِ». كما ذكرَه في بابِ طريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه، والمذهبُ يكونُ كذلك. وتارةً يذْكُرُ الحكْمَ، ثم يقولُ: «هذا المذهبُ». ثم يحكِي خِلافًا،؛ ذكره في بابِ صَرِيح الطَّلاقِ وكِنايته، أو يذْكُرُ قَوْلًا، ثم يقولُ: «والمذهبُ كذا».كما ذكرَه في بابِ الاسْتِثْناءِ في الطَّلاقِ. أو يقولُ: «والمذهبُ الأوَّلُ». كا ذكَره في كتابِ النَّفقاتِ، ويكونُ المذهبُ كما قال. وتارة يذْكُرُ حكْمَ المسْألَةِ، ثم يقولُ: «أوْمأ إليه أحمدُ، وعندَ فُلانٍ كذا». كما ذكَره في بابِ الرِّبا. أو يقدِّمُ حُكْمًا، ثم يقولُ: «وأوْمأ في موْضِع بكذا».كما ذكرَه في كتابِ. الغَصبِ. وهذا يُؤخَذُ مِن مدلولِ كلامِه. وتارة يقولُ: «ويفعلُ كذا في ظاهرِ كلامِه». كما ذكرَه في بابِ سَتْرِ العَوْرَةِ، والغَضبِ، وشُروطِ القِصاص، والزَّكاةِ، والقَضاءِ. والظاهِرُ مِن الكلامِ هو: اللَّفْظُ المُحتَمِلُ مَعنَيَينِ فأكْثَر، هو في أحَدِهما أرْجَحُ. أو: ما تَبادرَ منه عندَ إطْلاقِه مَعنًى، مع تجْويزِ غيرِه. ويأتِي هذا والذي قبلَه وغيرُهما أوَّلَ القاعدَةِ آخِرَ الكتابِ. وتارة يقولُ: «نَصَّ عليه، أو والمنْصوصُ كذا، أو قال أحمد كذا». ونحوَه. وقد يكونُ في ذلك خِلافٌ فأذْكُرُه، ورُبَّما ذكَره المُصنفُ. والنَّصُّ والفنصوصُ هو الصَّريحُ في مَعناه. وتارةً يقْطَعُ بحُكْمِ مسْألَةٍ، وقد يزيدُ فيها، فيقولُ: «بلا خِلافٍ في المذهبِ».
[ ١ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما ذكره في كتابِ القَضاءِ وغيرِه. أو يقولُ: «وَجْهًا واحِدًا. أو روايةً واحدةً». وهو كثير في كلامِه. ويكونُ في الغالبِ فيها خِلافٌ، كما ستَراه. ورُبَّما كان المَسْكوتُ عنه هو المذهبَ، بل رُبَّما جزَمَ في كتُبِه بشيءٍ والمذهبُ خِلافُه، كما ذكرَه في كتابِ الطَّهارَةِ، في مسْألةِ اشْتِباهِ الطَّاهرِ بالطهُورِ. وتارةً يذْكُرُ السْألةَ، ثم يقولُ: «فالقِيَاسُ كذا». ثم يحكِي غيرَه، كما ذكرَه في كتابِ الدِّياتِ. أو يذْكرُ الحكْمَ، ثم يقولُ: «والقِيَاسُ كذا».كما ذكرَه في باب تَعارُضِ البَيَنتَينِ. أو يذْكُرُ حُكْمَ المسْألةِ، ثم يقولُ: «في قِياس المذهبِ». ويقْتَصِرُ عليه، كما ذكرَه في كتابِ الصَّداقِ واللعانِ. أو يذْكُرُ الحُكْمَ، ثم يقولُ: «وقِياسُ المذهبِ كذا». كما ذكرَه في بابِ الهِبَةِ. وفي الغالِبِ يكونُ ذلك اخْتِيارَه، ورُبَّما كان المذهبَ، كما ستَراه. وتارةً يَحكِى بعضَ الأقْوالِ، ثم يقولُ: «ولا عملَ عليه». كما ذكرَه في بَابِ (١) الفَرائضِ، وأحْكام أمَّهاتِ الْأولادِ، وشُروطِ القِصاصِ. ورُبَّما قَواه بعضُ الأصحابِ واخْتارَه، فيكَون قوْلَه، ولا عملَ عليه عندَه وعندَ مَن تابَعه. وتارةً يقولُ، هو أو غيرُه، بعدَ حكايَته الخِلافَ: «هذا قوْل قديمٌ، رجَع عنه». كما ذكرَه في الغَضبِ والهِبَةِ وغيرهما. وقد يكونُ اخْتارَه بعضُ الأصحابِ. واعلم أنَّه إذا روَى عن الإِمام أحمدَ روايةً، ورَوَى عنه أنه رجَعَ عنها، فهل تسْقُطُ تلك الرِّوايةُ ولا تُذْكَرُ؛ لرُجوعِه عنها، أو تُذْكَرُ وتُثْبَتُ في التَّصانيفِ، نظرًا إلى أنَّ الرِّوايتَين عن اجْتِهادَين في وَقْتَين، فلم يُنْقَضْ أحَدُهما بالآخَرِ، ولو عُلِمَ التَّاريخُ، بخِلافِ نَسْخِ الشَّارعِ؟ فيه اخْتِلافٌ بين الأصحابِ؛ ذكرَه المَجْدُ (٢) في «شَرحِه» وغيرُه، في بابِ التَيّمَّمِ، عندَ قوْلِه:
_________________
(١) في ا: «كتاب».
(٢) عبد السلام بن عبد الله بن الخضر، ابن تيمية الحراني، مجد الدين أبو البركات، فقيه العصر، وشيخ الحنابلة. ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريبا، وتفقه، وحدث، ورحل، وصنف، ودرس. وتوفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٤، سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٩١ - ٢٩٣.
[ ١ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«وإنْ وجدَه فيها بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُلُ». ويأْتِي هناك أيضًا. قلتُ: عملُ الأصحابِ على ذكْرِها، وإنْ كان الثَّانِي مذْهبَه. فعلى هذا يجوزُ التَّخْريجُ والتَّفْريعُ والقِياسُ عليه، كالقَوْلِ الثَّانِي. قال في «الرعايَةِ»: فإنْ عُلِمَ التَّاريخُ، فالثَّانِي مَذْهبُه. وقيلَ: الأوَّلُ، إنْ جُهِلَ رُجوعُه عنه. وقيلَ: أو عُلِمَ، وقُلْنا: مَذْهبُه ما قاله تارَةً بدليل. وقال في «الفُروعِ»: فإنْ تعذَّرَ الجمعُ وعُلِمَ التَّاريخُ، فقيلَ: الثَّانِي مذْهبُه. وقيلَ: والأوَّل. وقيل: ولو رجَعَ عنه. وقال في «أصولِه»: وإنْ عُلِمَ أسْبَقُهُما، فالثَّانِي مذْهبُه، وهو ناسِخٌ. اخْتارَه في «التَّمهيدِ»، و«الرَّوْضَةِ»، و«العُدةِ». وذكرَ كلامَ الخَلَّالِ وصاحبِه كقوْلِهما: هذا قوْلٌ قديم، أو أوَّلُ، والعملُ على كذا. كنَصين. قال الإِمامُ أحمدُ: إذا رأيتُ ما هو أقْوَى، أخذْتُ به، وترَكْتُ القوْلَ الأوَّلَ. وجزَم به الآمِدي (١) وغيرُه. وقال بعضُ أصحابِنا: والأوَّلُ مذْهبُه أيضًا، لأنَّ الاجْتِهادَ لا يُنْقَض الاجْتِهادِ. وفيه نظر، ويلْزَمُه ولو صَرَّحَ بالرُّجوع، وبعضُ أصحابِنا خالفَ، وذكرَه بعضُهم مُقْتَضَى كلامِهم. انتهى. وتارةً يحكِي الخِلافَ ثم يقولُ: «والعملُ على الأوَّلِ». كما ذكرَه في بابِ كتاب القاضي إلى القاضي، ويكونُ الحكْمُ كما قال. وتارةً يحكِي بعضَ الرِّواياتِ، أَو الأقْوال، ثم يقولُ: «وهو بعيد». كما ذكره في بابِ حَدِّ الزنى والقَذْفِ، وغيرِهما. وقد يكونُ اخْتارَه بعضُ الأصحابِ، فأذْكُرُه. وتارةً يذْكُرُ حُكْمَ مسْألَةٍ، ثم يخْرُجُ منها إلى نَطيرتها، ممَّا لا نقْلَ فيها عندَه،؛ ذكرَه في أواخِرِ بابِ الحجرِ، في قوْلِه: «وكذلك يُخَرَّجُ في النَّاظرِ في الوَقْفِ». وفي بابِ الوَكالةِ بقَوْلِه: «وكذلك يُخَرَّجُ في الأجيرِ والمُرتهنِ». فيكونُ إمَّا تابعَ غيرَه، أو قاله مِن عندِه. وقد يكونُ
_________________
(١) علي بن محمد بن عبد الرحمن البغدادي، أبو الحسن، المعروف بالآمدي. أحد أكابر أصحاب أبي يعلى، بلغ من النظر الغاية، ودرس وأفتى وناظر. توفي سنة سبع أو ثمان وستين وأربعمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٨، ٩.
[ ١ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في المسْألَةِ نقْلٌ خاصٌّ لم يطَّلِع عليه، فأذْكُرُه إنْ ظَفِرتُ. أو يذْكُرُ حُكمَ مسْألَة، ثم يُخرِّجُ فيها قوْلًا مِن نَظيرَتِها. وهو كثيرٌ في كلامِه، والحكْمُ كالتي قبلَها. وتارةً يذْكُرُ حُكْمَين مُخْتَلِفَين، منْصوصًا عليهما في مسْألتَين مُتَشابِهتَين، ثم يُخَرِّجُ من إحدَاهما حُكْمَها إلى الأخْرَى، كما ذكرَه في باب سَتْرِ العَوْرَةِ وغيرِه. وللأصحابِ في جوازِ النَّقْلِ والتَّخْريخ مثْلِ هذا وأشْباهِه خِلاف. ويأتِي في البابِ المذْكورِ في أوَّلِ كتابِ الوَصايا والقذْفِ، وغيرِهما. ويأتي (١) ذلك في القاعدَةِ، آخِرَ الكتابِ، مُحَرَّرًا إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وتارةً يذْكُرُ حُكْمَ مسْألةٍ ولها مفْهومٌ، فرُبَّما ذكرتُ المفهومَ وما فيه مِن المسائلِ والخِلافِ، إنْ كان، وظفِرتُ به. ورُبَّما أطْلقَ العبارةَ، وهي مُقَيَّدَةٌ بقيدٍ قد قيَّدَها به المُحقِّقون مِنَ الأصحابِ أو بعضُهم، فأنَبِّهُ عليه، وأذْكر مَنْ قاله مِن الأصحابِ إنْ تيَسَّرَ. وتارةً يكونُ كلامُه عامًّا، والمرادُ الخصُوصُ أو عَكْسُه، وقَصَدَ ضَربَ المِثالِ، فنُبينه. وسيَمُرُّ بك ذلك، إنْ شاء الله تعالى.
وللمُصَنِّفِ في كتابِه عباراتٌ مخْتلِفةٌ في حكايَة الخِلافِ، غيرُ ذلك، ليس في ذكْرِها كبيرُ فائَدةٍ فيما نحن بصدَدِه؛ فلذلك ترَكْنا ذكْرَها. وأُحَشِّى على كلِّ مسأَلةٍ إنْ كان فيها خِلافٌ واطَّلعتُ عليه، وأبَيِّنُ ما يتعلَّقُ بمفْهومِها ومنْطوقِها، وأبَيِّنُ الصَّحيحَ من المذْهبِ مِن ذلك كلِّه؛ فإنَّه المقْصودُ والمطْلوبُ مِن هذا التَّصنيفِ، وغيره داخِلٌ تبَعًا. وهذا هو الذي حدَانِى إلى جمع هذا الكتابِ؛ لِمَسيسِ الحاجَةِ إليه، وهو في الحقيقةِ تصحيحٌ لكُل ما في مَعناه مِنَ المُخْتَصراتِ؛ فإنَّ أكثرَها، بل والمُطَوَّلات، لا تخْلُو من إطْلاقِ الخِلافِ. وقد أذكرُ مسائلَ لا خِلافَ فيها، توطِئَةً لِمَا بعدَها؛ لتَعَلُقها بها، أو لمعنًى آخَرَ أبينه. وأذكرُ القائِلَ بكلِّ قوْل واخْتِيارَه، ومَن صحَّحَ، وضعَّفَ، وقدَّمَ، وأطْلقَ، إنْ تيَسَّرَ ذلك. وأذْكرُ
_________________
(١) في الأصل: «باق».
[ ١ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إنْ كان في المسْألةِ طرُقٌ للأصحابِ، ومَن القائلُ بكلِّ طريق. وقد يكونُ للخِلافِ فوائدُ مَبْنِيَّة عليه، فأذْكرُها إنْ تيسَّرَ، وإنْ كان فيها خِلاف ذكَرتُه، وبَينتُ الرَّاجحَ منه. وقد يكونُ التَّفْريعُ على بعضِ الرِّواياتِ أو الوُجوهِ دونَ بعض، فأذْكُرُه، ورُبّما ذكرَه المُصَنفُ أو بعضَه، فأكَمَلُه. ورُبَّما ذكرتُ المسْألةَ في مَكانَين أو أكثرَ، أو أحَلْتُ أحدَهما على الآخَرِ؛ ليَسْهُلَ الكشْفُ على مَن أرادَها. وليس غرضِى في هذا الكتابِ الاخْتِصارَ والإِيجازَ، وإنَّما غرضِى الإيضاحُ وفهْمُ المعنَى. وقد يتعَلَّقُ بمسْألَةِ الكتابِ بعضُ فُروعٍ، فأنَبِّه على ذلك بقوْلِي: «فائِدَةٌ» أو «فائِدَتان» أو «فوائِدُ». فيكونُ كالتَّتِمَّةِ له. وإنْ كان فيه خِلاف ذكرتُه وبَينتُ المذهبَ منه. وإنْ كان المذهبُ أو الرِّوايةُ أو القْولُ مِن مُفْرَداتِ المذهبِ، نَبَّهْتُ على ذلك بقوْلِي: «وهو مِنَ المُفْرَداتِ». أو «مِن مُفْرَداتِ المذهبِ». إنْ تيَسَّرَ. ورُبَّما تكونُ المسْألَةُ غريبةً، أو كالغريبَةِ، فأنَبِّهُ عليها بقوْلِي: «فيُعايىَ بها». وقد يكونُ في بعض نُسَخِ الكتابِ زِيادَة أو نقْص، زادَها مَنْ أذنَ له المُصَنِّفُ في إصلاحِه، أو نقَصَها، أو تكونُ النُّسَخُ المقروءَةُ على المُصَنِّفِ مُخْتَلِفَةً، كما في بابِ ذكْرِ الوَصِيَّةِ بالأنْصِباءِ والأجزَاءِ، وصلاةِ الجماعَةِ، فأنَبِّهُ على ذلك وأذْكُرُ الاخْتِلافَ. ورُبَّما يكونُ اخْتلافُ النُّسَخِ مبْنيا على اخْتلافٍ بينَ الأصحابِ، فأبينه إنْ شاءَ الله تعالى، وأذْكرُ بعضَ حُدودٍ ذكَرها المصنِّفُ أو غيرُه، وأبَيِّنُ مَن ذكرَها، ومَن صَحَّحَ أو زيَّفَ، إنْ تيسَّرَ. واعلم أنه إذا كان الخلافُ في المسْألةِ قويًّا مِن الجانِبَين، ذكَرتُ كلَّ مَن يقولُ بكلِّ قَوْل، ومَن قدَّمَ وأطْلقَ، وأشبعُ الكَلامَ في ذلك، مهْما اسْتطَعتُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وإنْ كان المذْهبُ ظاهِرًا أو مشْهورًا، والقولُ الذي يقابِلُه ضعِيفًا أو قويا، ولكنَّ المذْهبَ خِلافُه، أكْتَفِي بذِكْرِ المذْهبِ، وذِكْرِ ما يقابلُه من الخِلاف، من غيرِ اسْتِقْصاءٍ في ذكْرِ أن قدَّمَ وأخَّرَ؛ فإنَّ ذِكْره تطْويلٌ بلا فائدَةٍ. فظنَّ بهذا التصنيفِ خيرًا، فرُبما عَثَرتَ فيه بمسائلَ وفوائدَ وغرائبَ ونُكَتٍ كثيرةٍ، لم تَظْفر بمَجْموعِها
[ ١ / ١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في غيرِه؛ فإنِّي نقلْتُ فيه مِن كتُبٍ كثيرَةٍ مِن كتُبِ الأصحابِ، مِنَ المُخْتصراتِ والْمُطوَّلاتِ، مِنَ الْمُتونِ والشُّروحِ؛ فممَّا نقلْت منه مِن الْمُتونِ: «الخِرَقِي»، و«التنبِيهُ»، وبعضُ «الشَّافِي» لأبي بَكْرٍ عبدِ العزيزِ (١)، و«تَهْذيبُ الأجْوبَةِ» لابنِ حامِدٍ (٢)، و«الإرشَادُ» لابن أبي موسى، و«الجامِع الصَّغير»، و«الأحكامُ السُّلْطانِيَّةُ»، و«الرِّوايتَين والوَجْهين»، ومُعْظَمُ «التَّعْليقَةِ» وهي «الخِلافُ الكبيرُ»، و«الخِصالُ»، وقِطْعة مِن «المُجَرَّدِ»، ومِن «الجامعِ الكبير»، للقاضي أبي يَعلَى، ومِنْ «عُيونِ المسائلِ»، لابنِ شِهابٍ العكْبَري (٣) مِن المُضَارَبَةِ إلى آخِرِه، و«الهِدايةُ»، و«رُءوسُ المسائلِ»، و«العِباداتُ الخَمسُ»، وأجزاء من «الانْتِصارِ»، لأبي الخَطَّابِ، و«الفُصولُ»، و«التَّذْكِرَةُ»، وبغضُ «المُفْرَداتِ» لابنِ عَقِيل (٤)، و«رُءوس المسائلِ» للشَّريفِ أبي جَعفَر (٥)، و«فُروعُ» القاضي أبي
_________________
(١) أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي، المعروف بغلام الخلال، كان أحد أهل الفهم، موثوقا به في العلم، متسع الرواية. توفي سنة ثلاث وستين وثلائمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١١٩ - ١٢٧.
(٢) أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي البغدادي، إمام الحنبلية في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، صاحب المصنفات. المتوفي سنة ثلاث وأربعمائة. تاريخ بغداد ٧/ ٣٠٣، طبقات الحنابلة ٢/ ١٧١ - ١٧٧.
(٣) الحسن بن شهاب بن الحسن العكبرى، أبو علي، الكاتب المجود، طلب الحديث، وبرع فيه، وكان من أئمة الفقه والشعر والعربية وكتابة المنسوب. توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٨٦ - ١٨٨، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٤٢، ٥٤٣.
(٤) أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد البغدادي، أحد الأئمة الأعلام، كان واسع العلم قوي الحجة، وله مسائل تفرد بها. توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٤٢ - ١٦٣، العبر ٤/ ٢٩، وانظر: طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٩، وورد اسمه فيه: «علي بن محمد بن عقيل».
(٥) أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد الشريف، ينتهي نسبه إلى العباس بن عبد المطلب، ﵁. ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وبرع في المذهب، ودرس وأفتى وصنف. وتوفي سنة سبعين وأربعمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ٢٣٧ - ٢٤١، العبر ٣/ ٢٧٣، ٢٧٤.
[ ١ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحسين (١)، ومِن «مَجْمُوعِه»، مِن الهِبَةِ إلى آخِره بخَطِّه، و«العُقودُ»، و«الخِصالُ» لابنِ البَنَّا (٢)، و«الإيضاحُ»، و«الإشارَةُ»، وغالبُ «المُبْهِجِ» لأبي الفَرَجِ الشيرَازِيِّ (٣)، و«الإفْصَاحُ» لابن هُبَيرَةَ (٤)، و«الغُنْيَةُ» للشيخِ عبدِ القادرِ (٥)، و«الرِّوايتَينِ في الوَجهين» للْحَلْوانِيِّ (٦)، و«المُذْهبُ»، و«مَسْبُوكُ الذّهبِ في تَصحيحِ المذهبِ» لابن الجَوْزِيِّ (٧)، و«المَذْهبُ الأحمَدُ في مذهبِ أحمدَ»، و«الطرَّيقُ الأقْرَبُ» لولده يُوسفَ (٨)،
_________________
(١) محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء، ابن أبي يعلى، أبو الحسين، صاحب طبقات الحنابلة، ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، تفقه وبرع وصنف، وأفتى وناظر، وله تصانيف كثيرة، توفي سنة ست وعشرين وخمسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٧٦.
(٢) الحسن بن أحمد بن عبد الله، ابن البنا، البغدادي، أبو علي. ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة. وتفقه، وقرأ عليه القرآن جماعة، وسمع منه الحديث خلق كثير، وصنف. توفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣٢ - ٣٧، المنتظم ٨/ ٣١٩.
(٣) أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي المقدسي الحنبلي، شيخ الشام في وقته، له تصانيف عدة في الفقه والأصول. توفي سنة ست وثمانين وأربعمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٦٨ - ٧٣، العبر ٣/ ٣١٢.
(٤) يحيى بن محمد بن هبيرة الشيباني الحنبلي، وزير المقتفى وابنه، كان مجلسه معمورا بالعلماء والفقهاء، وألف. ومات شهيدا مسموما سنة ستين وخمسمائة. العبر ٤/ ١٧٢، ١٧٣، ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٥١ - ٢٨٩.
(٥) عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الحنبلي، محيي الدين، أبو محمد، إمام الحنابلة وشيخهم في عصره. ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وتوفي سنة إحدى وستين وخمسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٩٠ - ٣٠١، المنتظم ١٠/ ٢١٩؛ سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٤٣٩ - ٤٥١.
(٦) محمد بن علي بن محمد بن عثمان بن المراق الحلواني، أبو الفتح، الفقيه الزاهد. ولد سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وتوفي سنة خمس وخمسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٠٦.
(٧) عبد الرحمن بن علي بن محمد، ابن الجوزي، جمال الدين، أبو الفرج، شيخ الإسلام، الحافظ، المفسر. ولد سنة تسع أو عشر وخمسمائة، وتوفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣٩٩ - ٤٣٣، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٦٥ - ٣٨٤.
(٨) يوسف بن عبد الرحمن بن علي، ابن الجوزي، محيي الدين، الصاحب، أستاذ دار الخلافة. ولد سنة ثمانين وخمسمائة. وضربت عنقه صبرا عند هولاكو سنة ست وخمسين وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٨ - ٢٦١، سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣٧٢ - ٣٧٤.
[ ١ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و«المُسْتَوْعِبُ» للسَّامَرِّي (١)، و«الخُلاصَةُ» لأبي المعالِي ابنِ مُنَجَّى (٢)، و«الكافي» و«الهادِي»، ورأيتُ في نُسْخةٍ مُعتَمَدَةٍ، أنَّ اسْمَ الهادي: «عُمْدَةُ العازم، في تَلْخيص المسائل الخارِجَةِ عن مُخْتَصَرِ أبي القاسم»، و«العُمدةُ» مع «المُقْنِع» للمُصَنِّفِ، و«البُلْغَةُ»، ومِن «التَّلْخيصِ» إلى الوصايا، للشيخ فخرِ الدينِ ابنِ تَيمِيَّةَ (٣)، و«المُحَرَّرُ» للمَجْدِ، و«الْمَنْظُومَةُ» لابنِ عبدِ القَوي (٤)، و«الرِّعَايةُ الكُبْرَى»، و«الصُّغْرى»، و«زُبْدَتُها»، و«الإفاداتُ بأحكامِ العِبَادات»، و«آدابُ المُفْتِي»، لابنِ حَمدان (٥)، و«مُخْتَصرُ ابنِ تَميم» (٦) إلى أثْناء الزَّكاةِ، و«الوَجيزُ» للشيخِ
_________________
(١) محمد بن عبد الله بن محمد بن إدريس بن سنينة السامري، أبو عبد الله شيخ الحنابلة، وقاضي سامراء. توفي سنة ست عشرة وسمائة، عن إحدى وثمانين سنة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٢١، ١٢٢، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٤٤، ١٤٥.
(٢) أسعد بن المنجى بن بركات التنوخي الدمشقي، وجيه الدين، أبو المعالي، شيخ الحنابلة، روى عنه موفق الدين ابن قدامة. مولده في سنة تسع عشرة وخمسمائة، ووفاته سنة ست وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٤٩، ٥٠، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٤٣٦، ٤٣٧.
(٣) محمد بن الخضر (أبي القاسم) بن محمد، ابن تيمية الحراني، فخر الدين، أبو عبد الله، المفتي المفسر، الخطيب، صنف مختصرًا في المذهب، وتفسيرا، وديوان خطب. وتوفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة، عن ثمانين سنة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٥١ - ١٦٢، سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٨٨ - ٢٩٠.
(٤) محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي المرداوي، أبو عبد الله النحوي، اشتغل ودرّس وأفتى. وتوفي سنة تسع وتسعين وستمائة. الوافي بالوفيات ٣/ ٢٧٨.
(٥) أحمد بن حمدان بن شبيب النمري الحراني القاضي، نجم الدين، أبو عبد الله. ولد سنة ثلاث وستمائة بحران. ورحل إلى القاهرة، وسمع، وتففه، وصنف وولي نيابة القضاء، وأضَر. وتوفي سنة خمس وتسعين وستمائة بالقاهرة. ذيل كشف الظنون ٢/ ٣٣١، ٣٣٢.
(٦) محمد بن تميم الحراني، أبو عبد الله، صاحب علم وفقه. ترجمه ابن رجب بين وفيات سنتي خمس وسبعين وست وسبعين وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٩٠.
[ ١ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحُسَينِ ابن أبي السَّري البَغْدادِ» (١)، و«نَظْمُه» للشيخِ جَلالِ الدينِ نصرِ الله البَغْداديِّ (٢)، و«النِّهايَةُ» لابنِ رَزِين (٣)، ومن «الحاوي الكبيرِ» إلى الشَّرِكَةِ، و«الحاوي الصَّغير»، وجُزْءٌ مِن «مُخْتَصَرِ المُجَرّدِ» من البُيوعِ، للشيخِ أبي نصرٍ عبدِ الرحمن مدرِّس المُسْتَنْصِرِيَّةِ (٤)، و«الفُروق» للزَّرِيرَانِي (٥)، و«الْمُنَوِّرُ في راجِحِ الْمُحَرَّرِ»، و«الْمُنْتخَبُ»، للشيخِ تَقِيِّ الدِّينِ أحمدَ بنِ محمدٍ الأدَمِيِّ البَغْدَادِيِّ (٦)، و«التَّذْكِرَةُ»، و«التَّسْهيلُ» لابنِ عَبْدُوسٍ (٧) المتأخِّرِ، على ما قيلَ، و«الفُروعُ»، و«الآدابُ الكُبْرَى»
_________________
(١) هو الحسين بن يوسف بن محمد بن أبي السرى الدجيلي البغدادي، سراج الدين، أبو عبد الله، الفقيه، المقرئ، الفرضي، النحوي، الأديب، المصنف. ولد سنة أربع وستين وسمتائة، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٤١٧، ٤١٨.
(٢) نصر الله بن أحمد بن محمد التستري البغدادي، جلال الدين، أبو الفتحِ، نزيل القاهرة. ولد في حدود الثلاثين وسبعمائة. واشتغل بالتدريس التصنيف، ونظمه للوجيز في ستة آلاف بيت. وتوفي بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة. شذرات الذهب ٧/ ٩٩.
(٣) عبد الرحمن بن رزين بن عبد العزيز الغساني الحوراني الدمشقي، سيف الدين، أبو الفرج، صاحب التصانيف. قتل شهيدا بسيف التتار سنة ست وخمسين وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٢٦٤.
(٤) لم نهتد إليه.
(٥) عبد الله بن محمد بن أبي بكر الزريراني، تقي الدين، أبو بكر، فقيه العراق. ولد سنة ثمان وستين وستمائة. ولي القضاء، ودرس بالبشيرية ثم بالمستنصرية. وتوفي سنة تع وعشرين وسبعمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٤١٠ - ٤١٢. وزَرِيرَان؛ قرية بينها وبين بغداد سبعة فراسخ على جادة الحاج إذا أرادوا الكوفة من بغداد. معجم البلدان ٢/ ٩٣٩.
(٦) أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي البغدادي، تقي الدين، أبو بكر، المقرئ، رجل صالح، ثقة. ولد سنة سبع وثلاثين ومائتين، وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. طبقات الحنابلة ٢/ ١٥، تاريخ بغداد ٤/ ٣٨٩، ٣٩٠.
(٧) محمد بن عبدوس بن كامل السراج السلمي البغدادى، أبو أحمد، الحافظ. المتوفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين. طبقات الحنابلة ١/ ٣٤١، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥٣١.
[ ١ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و«الوُسْطى» للعلَّامَةِ شَمس الدِّين ابنِ مُفْلحٍ (١)، ومِن «الفائقِ» إلى النِّكاحِ، للشيخِ شرَفِ الدِّينِ ابنِ قاضي الجَبَلِ (٢)، و«إدراكُ الغايَة في اخْتِصارِ الهِداية» للشيخِ صَفِيِّ الدِّينِ عبدِ المؤمنِ بنِ عبدِ الحقِّ (٣)، و«اخْتِياراتُ الشيخِ تَقِيِّ الدِّين» (٤)، جَمعُ القاضي علاءِ الدِّينِ ابن اللَّحَّامِ البعلِيِّ (٥)، ولم يَسْتَوْعِبْها، وجملَةٌ من مَجامِيعِه وفَتاويه، ومَجامِيع غيرِه وفَتاويه، و«الهدي» للعلَّامَةِ ابنِ القَيِّمِ (٦)، وغالبُ كُتُبِه، و«مُختَصر» ضَخْم لابنِ أبي المَجْدِ (٧)، و«القَواعِدُ الفِقْهِيَّةُ» للعلَّامةِ الشيخِ زينِ الدين ابنِ رَجَب (٨)، و«القواعِدُ الأصولِيَّةُ»،
_________________
(١) محمد بن مفلح بن محمد القاقوني، شمس الدين، برع في الفقه إلى الغاية، وناب في الحكم، وصنف. وتوفي سنة ثلاث وستين وسبعمائة. الدرر الكامنة ٥/ ٣٠، ٣١، النجوم الزاهرة ١١/ ١٦.
(٢) أحمد بن الحسن بن عبد الله المقدسي، ابن قاضي الجبل، شرف الدين. ولد سنة ثلاث وتسعين وستمائة. صاحب فنون، أفتى، وولي القضاء. وتوفي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. الدرر الكامنة ١/ ١٢٩.
(٣) عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله البغدادي، صفي الدين، أبو الفضائل. ولد سنة ثمان وخمسين وستمائة. واشتغل بعد الفقه بالكتابة الديوانية، والتصنيف، والتدريس. توفي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٤٢٨ - ٤٣١.
(٤) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني، أبو العباس، شيخ الإسلام. ولد سنة إحدى وستين وسمتائة. وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٨٧ - ٤٠٨ البداية والنهاية ١٤/ ١٣٢ - ١٤١.
(٥) علي بن محمد بن عباس، ابن اللحام الدمشقي، علاء الدين، أبو الحسن، شيخ الحنابلة في وقته. توفي سنة ثلاث وثمانمائة، وقد جاوز الخمسين. شذرات الذهب ٧/ ٣١.
(٦) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، ابن قيم الجوزية، شمس الدين. ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة، وتوفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. البداية والهاية ٤/ ٢٣٤، ٢٣٥، الدرر الكامنة ٤/ ٢١ - ٢٣.
(٧) أبو بكر بن أبي المجد بن ماجد السعدي الدمشقي ثم المصري، عماد الدين، أبو بكر. ولد سنة ثلاثين وسبعمائة. ودرس، وصنف. وتوفي سنة أربع وثمانمائة. شذرات الذهب ٧/ ٤٢، ٤٣.
(٨) عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي، زين الدين، المحدث الحافظ، صاحب الذيل على طبقات الحنابلة. توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة. الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٨، ٤٢٩.
[ ١ / ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و«تجْريدُ العنايَةِ، في تَحريرِ أحكامِ النِّهايَةِ» للقاضِي علاء الدِّينِ ابن اللحَّامِ، و«نَظْمُ مُفْرَداتِ المذهبِ» للقاضي عزّ الدِّين المقدِسِي (١)، و«التَّسْهِيلُ» للبَعلي (٢).
وممّا نقلْتُ منه مِن الشُّروحِ: «الشرحُ الكبير» لشيخِ الإِسْلامِ شمس الدِّينِ ابنِ أبي عمرَ، على «المُقْنِعِ»، وهو المرادُ بقوْلي: «الشرح، والشَّارِح». و«شَرحُ أبي البَركاتِ ابنِ مُنَجي» عليه، وقِطْعَةٌ مِن «مَجْمَع البَحرَين» لابنِ عبدِ القَويِّ، إلى أثْناءِ الزَّكاةِ عليه، وقِطْعَة لابنِ عُبَيدان (٣) إلى سَتْرِ العَوْرةِ عليه، وقِطْعَة من «الحارِثيِّ»، من العارلةِ إلى الوَصايا عليه، و«شرحُ مناسِكه» للقاضي مُوَفّقِ الدِّينِ المَقْدِسِيِّ - (٤)، مجلَّد كبير، و«المُغْنِي» للمصنِّفِ على «الخِرَقِي»، و«شَرحُ» القاضي عليه، و«شَرحُ» ابنِ البَنَّا عليه، و«شَرحُ» ابنِ رَزِين عليه، و«شَرحُ» الأصفَهانِيِّ (٥) عليه، و«شَرحُ» الزَّركَشِي (٦) عليه، وقطْعَة مِن «شَرحِ الطوفِيِّ» (٧) إلى النِّكاحِ عليه، وقطْعَة مِن «شرحِ العُمدَةِ» للشيخِ تَقِيِّ
_________________
(١) محمد بن علي بن عبد الرحمن المقدسي، عز الدين، خطيب الجامع المظفرى، بالصالحية. ولد سنة أربع وستين وسبعمائة. وبرع في الفقه والحديث. توفي سنة عشرين وثمانمائة. شذرات الذهب ٧/ ١٤٧، ١٤٨.
(٢) محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل البعلي، شمس لدين أبو عبد الله، الفقيه، المحدث، النحوي، اللغوي، صاحب «المطلع على أبواب المقنع». توفي سنة تسع وسبعمائة. ذيل العبر، للذهبي ٤٧، شذرات الذهب ٦/ ٢٠، ٢١، كشف الظنون ٢/ ١٨١٠.
(٣) الفقيه إبراهيم بن عبيدان. ذكره الذهبي في من استشهد على أيدي التتار، في وقعة شقحب من بلاد الشام سنة اثنتين وسبعمائة. ذيل العبر، للذهبي ٢٠، شذرات الذهب ٦/ ٤.
(٤) لم نهتد إلى القاضي موفق الدين المقدسي هذا، وليس بصاحب «المقنع» و«المغني» كما يتضح من كلام المؤلف فيما يأتى.
(٥) لم نهد إليه.
(٦) محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي المصري، شمس الدين، أبو عبد الله، الفقيه الحنبلي. توفي بالقاهرة، سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. شذرات الذهب ٦/ ٢٢٤، ٢٢٥.
(٧) سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري، نجم الدين، أبو الربيع. ولد سنة سبع =
[ ١ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدِّين، و«مُختَصرُ المُغْنِي» لأبنِ عُبَيدان بخطه، ومِن «مُخْتَصرِ المُغْنِى» لابن حَمدان، إلى آخرِ كتابِ الجُمُعَةِ بخطه، وسَمّاهُ «التَّقْريب» وهو كتاب عظيمٌ، و«شَرحُ» بهاءِ الدِّين (١) عليها، و«شَرحُ» صَفي الدِّين على «المُحَرَّرِ»، و«قطعة للشيخِ تَقِي الدِّين» عليه، «وتَعلِيقَة» لابنِ خطيبِ السَّلَامِيَّةِ (٢) عليه. و«قطعةٌ للمَجْدِ»، إلى صفةِ الحج، على «الهِدايَةِ»، وقطعة مِن «شرحِ أبي البَقاءِ» (٣) عليها، وقطْعة من «شرحِ الوَجيزِ» للزَّركَشِي، مِن أوَّلِ العتْقِ إلى أثْناءِ الصَّداقِ، وقطْعَةٌ مِن «شَرحِ الوَجيزِ» للشيخِ حسنِ بنِ عبدِ النَّاصرِ المَقْدِسِي (٤)، مِن كتابِ الأيمانِ إلى آخرِ الكتابِ، وهو الجزْءُ السَّابع، وقطعَةٌ من «شَرحِ أبي حكيمٍ» (٥) عليها، و«النُّكَتُ على المُحَوَّر»، و«الحَواشِي
_________________
(١) = وخمسين وستمائة، الفقيه، دخل بغداد، ودمشق، ومصر. وتوفي بالخليل سنة ست عشرة وسبعمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٦٦ - ٣٧٠، الدرر الكامنة ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٢، الأنس الجليل ٢/ ٢٥٧، ٢٥٨، شذرات الذهب ٦/ ٣٩، ٤٠.
(٢) عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي، بهاء الدين، أبو محمد. ولد سنة ست وخمسين وخمسمائة وهو تلميذ موفق الدين ابن قدامة. توفي سنة أربع وعشرين وسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٧٠، ١٧١، التكملة لوفيات النقلة ٣/ ٢١٢، ٢١٣.
(٣) حمزة بن موسى بن أحمد، ابن شيخ السلامية، عز الدين، أبو يعلى، كان من أعيان الحنابلة، وكان له اعتناء بنصوص أحمد وفتاوى ابن تيمية، برع في الفقه وصنف ودرس. توفي سنة تسع وستين وسبعمائة. الدرر الكامنة ٢/ ١٦٥. وانظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٧.
(٤) عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبرى، محب الدين، أبو البقاء، المقرئ، الفقيه، النحوي. ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. وله مصنفات كثيرة. توفي سنة ست وعشرين وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ١٠٩ - ١٢٠. المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي، للذهبي ٢١٤.
(٥) لم نهتد إلى ترجمته.
(٦) إبراهيم بن دينار بن أحمد النهرواني الرزاز، أبو حكيم. ولد سنة ثمانين وأربعمائة. وهو تلميذ أبي الخطاب الكلوذاني، وشيخ ابن الجوزي، صنف في المذهب والفرائض. توفي سنة ست وخمسين وخمسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٣١ - ٢٤١، المنتظم ١٠/ ٢٠١، ٢٠٢.
[ ١ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على المُقْنِعِ» للشيخ شمس الدِّينِ ابن مُفْلِحٍ، و«حَواشِى» شيخِنا (١) على «المُحَرَّرِ»، و«الفُروعِ»، و«حَواشِى» قاضي القُضاةِ مُحِبِّ الدِّينِ أحمدَ بنِ نضرِ الله البَغْدادِيِّ (٢)، على «الفُروعِ»، و«تصحيحُ الخِلافِ المُطْلَقِ» الذي في «المُقْنِعِ» للشيخِ شمسِ الدِّين النَّابُلُسِيِّ (٣)، و«تَصحيحُ شيخِنا قاضِي القُضاةِ عِزِّ الدِّين الكِنانِي» (٤)، على «المُحَرَّرِ»، وغيرُ ذلك مِن التَّعاليقِ والمَجاميعِ والحَواشِي، وقِطْعَةٌ مِن «شرحِ البُخاري» لابنِ رَجَبٍ، وغيرِ ذلك ممَّا وقَفْتُ عليه.
واعلم، أنَّ مِن أعظمِ هذه الكتُبِ نفْعًا، وأكثَرِها علْمًا وتحرِيرًا وتحقِيقًا وتصحِيحًا للمذهبِ، كتابَ «الفُروعِ»، فإنَّه قصَد بتَصنِيفه تَصحِيحَ المذهبِ وتحرِيره وجمعَه، وذكَر فيه أنه يقَدِّمُ غالِبًا المذهبَ، وإن اخْتلفَ الترجيحُ، أطْلقَ الخِلافَ، إلَّا أنه، رحِمَه اللهُ تعالى، لم يُبَيِّضْه كلَّه، ولم يُقْرَأْ عليه، وكذلك «الوَجيزُ»؛ فإنَّه بَناه على الرَّاجحَ مِن الرِّواياتِ المَنْصوصَةِ عنه، وذكرَ أنه عرَضَه
_________________
(١) يعني أبا بكر بن إبراهيم بن يوسف، ابن قُنْدس البعلي الدمشقي، تقي الدين. ولد تقريبا سنة تسع وثمانمائة ببعلبك. عمل أولًا بالحياكة، ثم أقبل على العلم، وكان ذكيا فبرع فيه، وأحيا الله به مذهب الحنابلة في دمشق. توفي سنة إحدى وستين وثمانمائة بدمشق. الضوء اللامع ٦/ ١٤، ١٥.
(٢) أحمد بن نصر الله بن أحمد البغدادي، ثم المصري، محب الدين، أبو الفضل. ولد سنة خمس وستين وسبعمائة. ورحل إلى مصر والشام، وتفقه وحدث، وناظر، وأفتى، ودرس، وانتهت إليه مشيخة الحنابلة. توفي سنة أربع وأربعين وثمانمائة. يعرف بابن نصر الله، وبسبط السراج أبي حفص عمر بن علي بن موسى البزار. الضوء اللامع ١/ ٢٣٣ - ٢٣٩، شذرات الذهب ٧/ ٢٥٠.
(٣) محمد بن عبد القادر بن عمان الجعفري النابلسي، شمس الدين، تفقه بابن قيم الجوزية، وتصدر للتدريس والإفتاء. توفي سنة سبع وتسعين وسبعمائة. الدرر الكامنة ٤/ ١٣٨، ١٣٩، شذرات الذهب ٦/ ٣٤٩.
(٤) أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكناني القاهري، عز الدين، أبو البركات. ولد بالقاهرة سنة ثمانمائة. لازم أكثر شيوخ عصره، وناب في القضاء، ودرس، وأكثر من الجمع والتأليف والانتقاء. توفي سنة ست وسبعين وثمانمائة. الضوء اللامع ١/ ٢٠٥ - ٢٠٧، شذرات الذهب ٧/ ٣٢١، ٣٢٢.
[ ١ / ٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) على الشَّيخِ العلَّامَةِ أبي بَكْرٍ عبدِ اللهِ بنِ الزَّرِيرَانِيِّ، فهذَّبَه له، إلَّا أنَّ فيه مسائِلَ كثيرةً ليستِ المذهبَ، وفيه مسائِلُ كثيرةٌ تابَع فيها المصنِّفَ على اخْتِيارِه، وتابعَ في بعضِ المسائلِ صاحِبَ «المُحَرَّرِ» و«الرِّعاية»، وليستِ المذهبَ، وسيَمُرُّ بك ذلك إنْ شاء الله. وكذلك «التَّذْكِرَةُ» لابنِ عَبْدُوسٍ؛ فإنَّه بَناها على الصَّحيحِ من الدَّليلِ. وكذلك ابنُ عبْدِ القَويِّ في «مَجْمَعِ البَحْرَين» فإنَّه قال فيه: أبْتَدِئْ بالأصَحِّ في المذهبِ نَقْلًا أو الأقْوَى دلِيلًا، وإلَّا قُلْتُ مثلًا: رِوَايتان، أو وَجْهان. وكذا قال في نظْمِه: ومهْما تأَتَّى الابتِدَاءُ براجحٍ فإنِّي به عندَ الحِكايَةِ أبْتَدِى وكذلك «ناظِمُ الْمُفْرَداتِ»؛ فإنه بَناها على الصَّحيحِ الأشْهَرِ، وفيها مسائلُ ليستْ كذلك. وكذلك «الخُلاصَةُ» لابنِ مُنَجَّى؛ فإنَّه قال فيها: أُبَيِّنُ الصَّحيحَ مِن الرِّواية والوَجْهِ. وقد هذَّبَ فيها كلامَ أبي الخطَّابِ في «الهِدايِة». وكذلك «الإِفَادات بأحْكامِ العِبادَات» لابنِ حَمْدان؛ فإنَّه قال فيها: أذْكُرُ هنا غالِبًا صَحِيحَ المذهبِ ومَشْهُورَه، وصَرِيحَه ومشْكورَه، والمعْمولَ عندَنا عليه، والمَرْجوعَ غالِبًا إليه. تنبيه: اعلمْ، وفَّقَك اللهُ تعالى وإيَّانا، أنَّ طرِيقَتِي في هذا الكتاب، النَّقلُ عن الإِمام أحمدَ والأصحابِ، أعْزُو إلى كُلِّ كتابٍ ما نقلْتُ منه، وأضيفُ إلى كلِّ عالم مَا أروى عنه، فإنْ كان المذهبُ ظاهِرًا أو مشْهورًا، أو قد اخْتارَه جُمْهورُ الأصحابِ وجعلُوه منْصورًا، فهذا لا إشْكال فيه، وإنْ كان بعضُ الأصحابِ يدَّعِي أن المذهبَ خِلافُه. وإنْ كان الِتَّرجيحُ مُخْتَلِفًا بينَ الأصحابِ في مسائلَ مُتجاذِبَةِ المأْخَذِ، فالاعْتِمادُ في معْرفَةِ المذهبِ من ذلك على ما قاله المُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و«القواعدِ الفِقْهِيَّةِ»، و«الوَجيزِ»، و«الرِّعايتَينِ»، و«النَّظْمِ»، و«الخُلاصَةِ»، والشيخُ تَقِيُّ
[ ١ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدِّين، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»؛ فإنَّهم هذَّبُوا كلامَ المتَقَدِّمِين، ومهَّدوا قواعِدَ المذهبِ بيقين. فإن اخْتلَفوا، فالمذهبُ ما قدَّمَه صاحِبُ «الفُروعِ» فيه في مُعْظمِ مسائِله. فإنْ أطلقَ الخِلافَ، أو كان مِن غيرِ المُعْظَمِ الذي قدَّمَه، فالمذهبُ ما اتَّفَقَ عليه الشَّيخان، أعْني المُصَنِّفَ والمَجْدَ، أو وافقَ أحَدُهما الآخرَ في أحَدِ اخْتِيارَيه. وهذا ليس على إطْلاقِه، وإنَّما هو في الغالبِ، فإنِ اخْتلَفا، فالمذهبُ مع مَن وافَقَه صاحِبُ «القواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»، أو الشيخُ تَقِيُّ الدِّين، وإلَّا فالمُصَنِّف، لاسِيَّما إنْ كان في «الكافِي»، ثم «المَجْد». وقد قال العلَّامةُ ابنُ رجَبٍ في «طَبقاتِه» (١) في تَرْجَمةِ ابنِ المَنِّيِّ (٢): وأهْلُ زمانِنا ومَن قبلَهم، إنَّما يرْجِعون في الفِقْهِ مِن جِهَةِ الشُّيوخِ والكُتبِ إلى الشَّيخَين؛ المُوَفَّقِ والمَجْدِ. انتهى. فإنْ لم يكُنْ لهما ولا لأحَدِهما في ذلك تصْحيحٌ، فصاحِبُ «القواعِدِ الفِقْهِيّة»، ثم صاحِبُ «الوَجيزِ»، ثم صاحِبُ «الرِّعايتَين». فإنِ اخْتلَفا «فالكُبْرَى»، ثم النَّاظِمُ، ثم صاحِبُ «الخُلاصَةِ»، ثم «تَذْكِرَةُ ابنِ عَبْدُوسٍ»، ثم مَن بعدَهم. أذْكرُ مَن قدَّمَ، أو صحَّحَ، أو اخْتارَ، إذا ظفِرتُ به، وهذا قليلٌ جِدًّا. وهذا الذي قُلْنا مِن حيثُ الجمْلَةُ، وفي الغالبِ، وإلا فهذا لا يطرِّدُ ألْبَتَّةَ، بل قد يكونُ المذهبُ ما قاله أحَدُهم في مسْألَةٍ، ويكونُ المذهبُ ما قاله الآخَرُ في أُخْرَى، وكذا غيرُهم، باعْتِبارِ النُّصوصِ والأدِلَّةِ والمُوافقِ له مِن الأصحابِ. هذا ما يظْهَرُ لي مِن كلامِهم. ويظْهَرُ ذلك لمَنْ تتَبَّعَ كلامَهم وعرَفَه، وسَنُنَبِّهُ على بعضِ ذلك في أماكِنِه. وقد قيلَ: إنَّ المذهبَ، فيما إذا اخْتلَفَ الترجيحُ، ما قاله الشَّيخان، ثم المُصَنِّفُ، ثم المَجْدُ، ثم «الوَجيزُ»، ثم «الرِّعايتَينِ». وقال
_________________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣٦٠.
(٢) نصر الله بن فتيان بن مطر النهرواني البغدادي، ابن المَنِّيِّ، أبو الفتح. ولد سنة إحدى وخمسمائة. فقيه العراق على الإطلاق، أفتى ودرس نحوا من سبعين سنة، ما تزوج ولا تسرَّى، وهو شيخ موفق الدين ابن قدامة. توفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٣٥٨ - ٣٦٥.
[ ١ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعضُهم: إذا اخْتلَفا في «المُحَرَّرِ» و«المُقنِعِ»، فالمذهبُ ما قاله في «الكافِي». وقد سُئِلَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّين عن معْرِفَةِ المذهبِ في مسائلَ، الخلافُ فيها مُطْلق في «الكافِي» و«المُحَرَّرِ» و«المُقْنِع» و«الرِّعايَةِ» و«الخُلاصَةِ» و«الهِدايَةِ» وغيرِها، فقال: طالِبُ العلْمِ يُمْكِنُه معْرِفَة ذلك مِن كتُبٍ أُخَرَ، مثل كتابِ «التَّعْليقِ» للقاضي، و«الانْتِصارِ» لأبي الخطَّابِ، و«عُمُدِ الأدِلَّةِ» لابنِ عَقِيلٍ، و«تَعْليقِ القاضي يعْقوبَ» (١)، و«ابنِ الزَّاغُونِيِّ» (٢)، وغيرِ ذلك مِن الكتُبِ الكِبارِ التي يُذْكَرُ فيها مسائِلُ الخِلافِ، ويُذْكَرُ فيها الرَّاجِحُ. وقد اختُصِرتْ هذه الكتُبُ في كتُبٍ مُخَتصرَةٍ، مثل «رءوسِ المسائلِ» للقاضي أبي يَعْلَى، والشَّريفِ أبي جَعْفَرٍ، ولأبي الخطَّابِ، وللقاضي أبي الحُسَينِ. وقد نُقِلَ عن أبي البرَكاتِ جَدِّنا (٣)، أنَّه كان يقول لِمن يسْألُه عن ظاهرِ المذهبِ: إنَّه ما رَجَّحَه أبو الخطَّابِ في «رءوسِ مسَائِله». قال: وممَّا يُعْرَفُ منه ذلك «المغْنِي» لأبي محمدٍ، وشَرْحُ «الهِدايَةِ» لجَدِّنا، ومَن كان خَبِيرًا بأُصولِ أحمدَ ونُصوصِه، عرَفَ الرَّاجحَ مِن مذهبِهِ فِي عامَّةِ المسائلِ. انْتهَى كلامُ الشيخِ تَقِيِّ الدِّين. وهو مُوافِقٌ لما قُلْناه أوَّلًا، ويأْتِي بعضُ ذلك في أواخِرِ كتابِ القَضاءِ. واعلمْ، رَحِمَك اللهُ، أنَّ الترجيحَ إذا اختَلَف بينَ الأصحابِ، إنَّما
_________________
(١) يعقوب بن إبراهيم بن أحمد العكبرى البَرْزَبِينِيِّ، أبو علي، قاضي باب الأزج، وكان ذا معرفة تامة بأحكام القضاء، وإنفاذ السجلات، متعففا في القضاء، متشددا في السنة. توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وبرزبين التي ينتسب إليها قرية ببغداد. الأنساب ٢/ ١٤٦، المنتظم ٩/ ٨٠، شذرات الذهب ٣/ ٣٨٤، ٣٨٥.
(٢) علي بن عبيد الله بن نصر الزاغوني، أبو الحسن، كان متفننا في علوم، مصنفا في الأصول والفروع، علق عنه ابن الجوزي من الفقه والوعظ. توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة. المنتظم ١٠/ ٣٢، البداية والنهاية ١٢/ ٢٠٥.
(٣) هذا كلام تقي الدين ابن تيمية، كما سيتضح بعد، وهو يعني جده مجد الدين أبا البركات عبد السلام. وسبق التعريف به. وانظر مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٢٨.
[ ١ / ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يكونُ ذلك لقُوَّةِ الدَّليلِ من الجانِبَين، وكلُّ واحدٍ ممَّن قال بتلك المقالةِ إمام يُقْتَدى به، فيَجوزُ تقْلِيدُه والعملُ بقوْلِه، ويكونُ ذلك في الغالبِ مذهبًا لإِمامِه؛ لأنَّ الخِلاف إنْ كان للإِمامِ أحمدَ فواضِحٌ، وإنْ كان بينَ الأصْحابِ فهو مَقِيسٌ على قواعِدِه وأصُولِه ونُصوصِه. وقد تقدَّمَ أن الوَجْهَ مجْزومٌ بجوازِ الفُتْيَا به. واللهُ ﷾ أعْلَمُ. وسمَّيتُه بـ «الإِنْصاف، في معْرفَةِ الرَّاجِح مِنَ الخِلاف». وأنا أسْأَلُ الله أنْ يجعْله خالِصًا لوجْهِه الكريم، وأنْ يُدْخِلنا به جَنَّاتِ النَّعيم، وأنْ ينْفعَ به مُطالِعَه وكاتِبَه والنَّاظِرَ فيه، إنَّه سميعٌ قريبٌ. وما توْفِيقي إلَّا باللهِ، عليه توكَّلْتُ وإليه أنيبُ.
[ ١ / ٢٧ ]