١٥ - جمال الدين أبو الحجَّاج يوسف بن الزَّكيّ عبد الرحمن بن يوسف المِزِّيّ الدمشقي الشافعي، حافظ الزمان، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة (١). حدَّث عنه.
وفي الجملة، فقد قرأ عليه كثيرون في عصره، وخرَّج له أبو الحسن ابن اللَّبَّان «مشيخة» في أحد عشر جزءًا (٢)، ووُصِف، ﵁، بالتَّواضع مع عظمته في الصدور، وحجَّ ثلاث مرات، وحضر الفتوحات، وكان رقيق القلب، سريع الدمعة، كريم النفس، كثير الذكر والقيام بالليل، محافظا على صلاة الضحى، ويؤثر بما يأتيه من صلة الملوك وغيرهم. وكان معظما عند الملوك، وأوقع الله محبته في قلوب الخلق، وكان كثير الاهتمام بالناس، لا يكاد يعلم بمريض إلا افتقده، ولا مات أحدٌ من أهل الجبل إلا شيَّعه.
توفي شمس الدين ابن قدامة ليلة الثلاثاء، سلخ ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن من الغد عند والده بسفح قاسيون، وكانت جنازته مشهودة.
ورثاه نحو من ثلاثين شاعرا، كان من بينهم شمس الدين الصائغ، وعلاء الدين بن غانم، وتقيّ الدين ابن تمام، وشهاب الدين محمود، ومطلع قصيدة الشهاب محمود كاتب الدرج بدمشق (٣):
ما للوُجودِ وقد عَلاه ظلامُ أعَراه خَطْبٌ أم عَراه مَرَامُ
٣
وكما شغل «المقنع» لموفَّق الدين ابن قدامة، ابن أخيه شمس الدين ابن قدامة، فشرَحه في موسوعته التي عرفت بالشرح الكبير، شغل أيضًا علاء الدين المَرْداويّ (*)، فوضع عليه كتابًا له أهَمِّيَّة خاصة، هو «الإنصاف، في معرفة الراجح منِ الخلاف».
_________________
(١) طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٥ - ٤٣٠.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٠٨.
(٣) ذيل مرآة الزمان ٤/ ١٨١، فوات الوفيات ٢/ ٢٩٢، ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٠٩. (*) لعلاء الدين المرداوي ترجمة في: الضوء اللامع، للسخاوي ٥/ ٢٢٥ - ٢٢٧، شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي ٧/ ٣٤٠ - ٣٤٢، البدر الطالع، للشوكاني ١/ ٤٤٦، كشف الظنون ١/ ٣٥٧، إيضاح المكنون ١/ ١٣٤، ٣٣١، ٢/ ٣٨٩، ٤٥٠، ٥١٤، هدية العارفين ٧٣٦، ١٣٠: Brock.S.II
[ مقدمة / ١٤ ]
ولد علاء الدين علي بن سليمان بن أحمد المَرْداويّ الدمشقيّ الصَّالحْيّ الحنبليّ، قريبًا من سنة عشرين وثمانمائة على ما يذكر السَّخاويّ، ويقطع ابن العماد الحنبليّ بأنه ولد سنة سبع عشرة، ببلدته مَرْدا (١). ونشأ بها، فحفظ القرآن، وابتدأ رحلته العلمية منها، حيث أخذ بها الفقه على فقيهها الشهاب أحمد بن يوسف، وانتقل في شبيبته إلى مدينة سيدنا الخليل ﵊، فأقام بزاوية الشيخ عمر المجوِّد، ﵀، وقرأ بها القرآن. وفي سنة ثمان وثلاثين -كما يظن السخاويّ- تحوَّل منها إلى دمشق، فنزل مدرسة أبي عمر، فجوَّد القرآن، بل يقال: إنه قرأ بالروايات، وقرأ «المقنع» تصحيحا، وحفظ غيره كالألفية، وأدْمَن الاشتغال، وتجرَّع تقلُّلا، أي أنه صبر على الفقر، ورضىَ بالقليل في عيشه، كما رحل إلى الحرمين، وحج مرتين، وجاور فيهما، وأخذ عن شيوخهما، ورحل إلى مصر أيضًا، فأخذ عن علمائها، وقرأوا عليه، وتكوَّنتْ له بذلك مشيخة كبيرة، نورد ما أمكننا التهدِّى إليه منها على حروف المعجم:
١ - البرهان أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مَفْلِح المقدسيّ الدمشقيّ الحنبليّ القاضي، الفقيه، الأصوليّ، صاحب المصنَّفات، المتوفى سنة أربع وثمانين وثمانمائة (٢). حضر درسَه، وناب عنه حين جاوَر بمكة.
٢ - عزُّ الدين أبو البركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكِنانيّ العسْقلاني القاهريّ الحنبليّ، قاضي القاهرة المشهور، المعروف بالعِزّ الكناني، صاحب العلم والفضل، المتوفى سنة ست وسبعين وثمانمائة (٣)، أذن له حين قدم القاهرة في سماع الدعوى، وأكرمه، وأخذ عنه فضلاء أصحابه بإشارته، بل وحضّهم على تحصيل «الإنصاف» وغيره من تصانيفه، وأذن لمن شاء منهم، وحضر دروس القاضي، ونقل عنه في تصانيفه، واصفًا له بشيخنا.
٣ - الشِّهاب أحمد بن حسن بن أحمد، ابن عبد الهادي المقدسيّ الصَّالحيّ الحنبليّ،
_________________
(١) مردا: قرية قرب نابلس. معجم البلدان (بيروت) ٥/ ١٠٤.
(٢) الضوء اللامع ١/ ١٥٢، شذرات الذهب ٧/ ٣٣٨، ٣٣٩.
(٣) ذيل رفع الإصر ١٢ - ٦٢، الضوء اللامع ١/ ٢٠٥ - ٢٠٧.
[ مقدمة / ١٥ ]
المتوفى بدمشق سنة ست وخمسين وثمانمائة (١). سمع منه.
٤ - الشهاب أحمد بن عبد الله بن محمد السَّجِينيّ القاهريّ الأزهريّ الشافعيّ الفَرَضِيّ، المتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة، بمنزله ببولاق (٢). قرأ عليه في الفرائض والحساب يسيرا.
٥ - تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد الشُّمُنِّيّ القُسَنْطِينيّ الحنفيّ، شارح «المغني» لابن هشام، العلامة المفسِّر المحذث المتكلم النحويّ، المتوفى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة (٣). قرأ عليه حين حضر إلى القاهرة «المختصر» بتمامه.
٦ - الشِّهاب أحمد بن يوسف المرْدَاويّ الدمشقيّ الحنبليّ الفقيه النحويّ الحافظ لفروعِ مذهبه، المتوفى سنة خمسين وثمانمائة (٤). أخذ عنه الفقه ببلده مَرْدَا.
٧ - تقيّ الدين أبو الصدق أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف بن قُنْدس البَعْلي الحنبليّ، الإمام العلامة ذو الفنون، المتوفى سنة إحدى وستين أو اثنتين وستين وثمانمائة (٥). لازمه في الفقه وأصوله، والعربية وغيرها، حتى كان جُلُّ انتفاعه به، وكان مما قرأه عليه بحثا وتحقيقا «المقنع» في الفقه، و«مختصر الطُّوفي» في الأصول، و«ألفية ابن مالك».
٨ - الحسن بن إبراهيم الصَّفَديّ ثم الدمشقي الخَيَّاط الحنبلي. قال السَّخاويّ: قرأ عليه العلامة المَرْداويّ، ووصفه بالإمام المحدِّث المفسِّر الزاهد (٦). أخذ عنه العربية والصرف وغيرهما.
_________________
(١) الضوء اللامع ١/ ٢٧٢، ٢٧٣.
(٢) الضوء اللامع ١/ ٣٧٦، ٣٧٧.
(٣) شذرات الذهب ٧/ ٣١٣، ٣١٤.
(٤) الضوء اللامع ٢/ ٢٥٢.
(٥) شذرات الذهب ٧/ ٣٠٠.
(٦) الضوء اللامع ٣/ ٩٢.
[ مقدمة / ١٦ ]
٩ - الحِصْنيّ. قال السَّخاويّ: قرأ عليه حين حضر إلى القاهرة «المختصر» بتمامه (١).
١٠ - الزَّين ابن الطَّحَّان. قال السَّخاويّ: سمع منه (٢).
١١ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم، ابن الحَبَّال الطرَّابُلُسِيّ الحنبليّ، سكن صالحيَّة دمشق يُقْرِئ بها القرآن والعلم، وتوفي سنة أربع وسبعين وثمانمائة (٣). قرأ عليه «المقنع» تصحيحا، في مدرسة أبي عمر بدمشق.
١٢ - الزَّين أبو الفرج عهد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الصالحيّ الدمشقيّ الحنبليّ الإِمام الحافظ، علَّامة الزمان، وترجان القرآن، وهو عبد الرحمن أبو شعر، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة (٤). أخذ عنه الفقه والنحو، وسمع منه «التفسير» للبَغَويّ، وقرأ عليه في سنة ثمان وثلاثين من «شرح ألفية العراقيّ» إلى الشَّاذّ.
١٣ - الشِّهاب عبد القادر بن أبي القاسم بن أبي العباس أحمد بن محمد المحْيويّ الحسَنيّ الفاسِيّ الأنصاريّ المالكيّ، قاضي الحرمين، المتوفى سنة ثمانين وثمانمائة (٥). أخذ عنه في مجاورته بمكة.
١٤ - أبو الرّوح عيسى البغداديّ الفلوجيّ الحنفي، نزيل دمشق. أخذ عنه العربيَّة والصرف وغرهما. قال السَّخاويّ: وممَّن أخذ عنه العلاء المَرْداويّ، ووصفه بالعلامة الفقيه الفرضيّ الأصوليّ النحويّ الصرفيّ، المُحرِّر المُتْقِن، وإنه كان حسن التعليم، ناصحا للمتعلِّم (٦).
١٥ - أبو عبد الله محمد بن أحمد الكركيّ الحنبليّ. قال السَّخاويّ: قرأ عليه
_________________
(١) الضوء اللامع ٥/ ٢٢٦.
(٢) الضوء اللامع ٥/ ٢٢٦.
(٣) شذرات الذهب ٧/ ٣١٨.
(٤) الضوء اللامع ٤/ ٨٢، ٨٣.
(٥) الضوء اللامع ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٥.
(٦) الضوء اللامع ٦/ ١٥٨.
[ مقدمة / ١٧ ]
«البخاريّ» وغيره (١).
١٦ - أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين المراغيّ المدنيّ الشافعيّ، المتوفى شهيدا سنة تسع وخمسين وثمانمائة (٢). سمع عليه حين حَجَّ مرَّتين، وجاوَر فيهما.
١٧ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله القَيسِيّ الدمشقيّ الشافعيّ، المحدِّث المؤرِّخ الحافظ الناظم، المعروف بابن ناصر الدين، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة (٣). أخذ عنه علوم الحديث، سمع عليه «منظومته» وشرحها بقراءة شيخه التقيّ.
١٨ - الشمس محمد بن محمد السِّيليّ الحنبليّ الفرضيّ، خازن الضِّيائيّة، المتوفى سنة تسع وسبعين وثمانمائة (٤). أخذ عنه الفرائض والوصايا والحساب، وانتفع به في ذلك جدا، ولازمه أكثر من عشرين سنة، وقرأ عليه «المقنع» في الفقه بتمامه بحثا.
١٩ - أبو القاسم محمد بن محمد بن محمد النّوَيريّ القاهريّ المالكيّ، علَّامة وقته، المتوفى بمكة سنة أربع وخمسين وثمانمائة (٥). أخذ عنه الأصول حين لَقِيه بمكة فقرأ عليه قطعة من «كتاب ابن مفلح» فيه. بل وسمع في العَضُد عليه.
وقد أخلص علاء الدين وجهته لله، وتفرغ للعلم، فوفقه الله، واجتمع بالمشايخ وجدَّ في الاشتغال، ولم يقف به الطلب عند أجل بعينه، فرغم دخوله مصر بأخرة، فإنه كما ذكرنا من قبل تلمذ لقاضيها عز الدين الكنانيّ وقرأ على الحِصْنِيّ والشُّمُنِّي.
وقد نصح عز الدين الكناني تلامذته بالأخذ عنه، فقرأوا عليه الإنصاف وغيره من كتبه، وكان من أعظم تلامذته بدر الدين أبو المعالي محمد بن محمد بن أبي بكر
_________________
(١) الضوء اللامع ٥/ ٢٢٦.
(٢) الضوء اللامع ٧/ ١٦٢ - ١٦٥.
(٣) شذرات الذهب ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٥.
(٤) شذرات الذهب ٧/ ٣٢٨.
(٥) شذرات الذهب ٧/ ٢٩٢.
[ مقدمة / ١٨ ]
ابن خالد السَّعْدِيّ المصريّ الحنبليّ، قاضي القضاة، شيخ الإِسلام، العلامة الرُّحَلة، المتوفى سنة تسعمائة. يقول ابن العماد الحنبليّ: وقرأ على القاضي علاء الدين المرداويّ لمَّا توجَّه إلى القاهرة كتابَه «الإنصاف» وغيره، ولازمه، فشهد بفضله، وأذن له بالإفتاء والتدريس أيضًا (١).
وقد يسَّر الله لعلاء الدين، وفتح عليه في التصنيف، فصنف كتبا في أنواع العلوم، وأعانه على ذلك، وخاصة في المذهب، ما اجتمع عنده من لكتب ما لعلَّه انْفَرد به مِلْكا ووَقْفًا. كما يقول السَّخاويّ (٢).
وقد تعرَّفْنا من كتبه إلى:
١ - الإنْصاف، في معرفة الرَّاجح من الخلاف.
ذكره السَّخاويّ، وابن العماد الحنبليّ، والشَّوكاني، والبغداديّ. وهو هذا الكتاب الذي نقدم له.
قال السَّخاويّ: عمله تصحيحا للمقنع، وتوسَّع فيه حتى صار أربع مجلَّدات، تعب فيه.
وقال ابن العماد الحنبليّ: أربع مجلَّدات ضخمة على «المقنع»، وهو من كتب الإِسلام؛ فإنه سلك فيه مسلكا لم يُسْبَق إليه، بيَّن فيه الصحيحَ من المذهب، وأطال فيه الكلام، وذكر في كل مسألة ما نُقِل فيها من الكتب وكلام الأصحاب، فهو دليل على تَبَحُّرِ مصنِّفه، وسَعَة علمه، وقوّة فهمه، وكثرة اطلاعِه.
٢ - التَّحْبير، في شرح التَّحرير.
أي تحرير المنقول في تهذيب أو تمهيد علم الأصول.
ذكره السَّخاويّ، والشَّوْكاني. وقالا: في مجلَّدين.
٣ - تحرير المنقول، في تهذيب أو تمهيد علم الأصول.
أي أصول الفقه.
_________________
(١) شذرات الذهب ٧/ ٣٦٦، ٣٦٧.
(٢) الضوء اللامع ٥/ ٢٢٧.
[ مقدمة / ١٩ ]
ذكره السَّخاويّ، وابن العماد الحنبليّ، والشَّوكاني، وحاجي خليفة، وبروكلمان.
قال السَّخاويّ: في مجلَّد لطف.
وقال ابن العماد الحنبليّ: ذكر فيه المذاهب الأربعة وغيرها، وشرَحه.
تصحيح كتاب الفروع، لابن مفلح = الدُّرُّ المُنْتقَى.
٤ - التنقيح المُشْبع، في تحرير أحكام المُقْنِع.
ذكره السَّخاويّ، وابن العماد الحنبليّ، والبغداديّ، وبروكلمان، وهو مختصر «الإِنصاف» كما ذكر السَّخاويّ، وابن العماد.
وذكره البغدادي باسم: التنقيح، في شرح إنصاف التصحيح، في الفروع.
الحصون المُعَدَّة الواقية = الكنوز أو الحصون. . . .
٥ - الدُّرُّ المُنْتَقَى والجوهر المجموع، في معرفة الرَّاجح من الخلاف المطلق في «الفروع»، لابن مفلح.
قال السَّخاويّ: في مجلد ضخم. وطبع باسم «تصحيح الفروع» مع كتاب «الفروع».
٦ - شرح الآداب.
ذكره ابن العماد الحنبليّ.
شرح تحرير المنقول = التحبير في شرح التحرير.
٧ - شَرْح قطعة من «مختصر الطُّوفيّ» في الأصول.
هكذا ذكره السَّخاويّ.
٨ - فِهْرِسْت القواعد الأصوليَّة.
قال السَّخاويّ: في كرَّاسة.
٩ - الكُنوز أو الحصون المُعَدَّة، الواقية من كل شِدَّة، في عمَل اليوم والليلة.
قال السَّخاويّ: جمع فيه قريبا من ستمائة حديث؛ الأحاديث الواردة في اسم الله الأعظم، والأدعية المطلقة المأثورة. قال: إنه جمع فيها فوق مائة حديث.
مختصر الإنصاف = التنقيح المشبع.
[ مقدمة / ٢٠ ]
١٠ - مختصر «الفروع».
قال السَّخاويّ: اختصر «الفروع» مع زيادة عليها، في مجلد كبير.
وذكر ابن العماد الحنبليّ أن له تصحيح الفروع.
وانظر ما سبق باسم «الدر المنتقى».
١١ - المنهل العَذْب الغزير، في مولد الهادي البشير النذير.
ذكره السَّخاويّ.
وهكذا بارك الله لعلاء الدين المرداويِّ في مكتبته وعلمه، فأمَدَّ العالم الإسلاميَّ بهذه المؤلَّفات القَيِّمة، وحرص العلماء في عصره على روايتها، وقراءتها عليه، وانتشرت في حياته، وبعد وفاته، وانتفع بها الناس.
وكانت كتابته على الفتوى غاية، وخطه حسن، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وباشر نيابة الحكم دهرا طويلا، فحَسُنَتْ سيرتُه، وعَظُم أمرُه، وتنَزَّه عن مباشرة القضاء في أواخر عمره، وصار قوله حُجَّة في المذهب، يُعَوَّل عليه في الفتوى والأحكام، في جميع مملكة الإسلام. كما يقول ابن العماد الحنبليّ.
يقول ابن العماد أيضًا: ما صَحِبه أحدٌ إلَّا وحصل له الخير، وكان لا يتردَّد إلى أحد من أهل الدنيا، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان الأكابر والأعيان يقصدونه لزيارته والاستفادة منه. وحَجَّ، وزار بيت المقدس مرارًا (١).
وقال السَّخاويّ: كان فقيها حافظا لفروع المذهب، مشاركا في الأصول، بارعا في الكتابة، مديما للاشتغال والإِشْغال، مذكورا بتعفف وورع وإيثار في الأحيان للطلبة، متنزِّها عن الدخول في كثير من القضايا، بل ربما يروم الترك أصلا، فلا يُمَكِّنُه القاضي، متواضعا مصنفا، لا يأنف ممَّن يُبَيِّن له الصواب (٢).
توفي بصالحيَّة دمشق، يوم الجمعة، سادس جمادى الأولى، سنة خمس وثمانين وثمانمائة، ودفن بسفح قاسيون، قرب الروضة.
* * *
_________________
(١) شذرات الذهب ٧/ ٣٤١.
(٢) الضوء اللامع ٥/ ٢٢٧.
[ مقدمة / ٢١ ]