قد سبق حكم دفعها بالخراج وحكم بيع بعضها إذا رآة مصلحة كما ذكره أصحابنا أو مطلقا كما قاله العنبري قاضي البصرة. وحكم بيع ما انتقل الى بيت المال ولم يصر وقفا وبقي مسائل أخر: منها إذا أراد إعادتها الى القسمة بين الغانمين فان قلنا هي وقف لم يجز وإن قلنا فيء وهو الصحيح فقد تقدم على علي ﵁ أنه هم بقسم السواد وذلك دليل على أنه يجوز للامام العادل تغيير ما فعله من قبله من الأئمة العدل إلا أنه لم يفعله.
وإذا أراد تخصيص بعض المسلمين بشيء منها فله صورتان: إحداهما أن يقطع بعضها لبعض المسلمين فإن قلنا: هي وقف لم يجز وصرح بذلك الأصحاب القاضي وغيره معللا بأن تغيير الوقف لا يجوز وقرأت بخط القاضي قال أحمد في رواية الأثرم: دور البصرة أقطعت على عهد عمر ﵁ قيل له: فالكوفة كيف يسن فيها قطايع؟ هذه الأرض السواد وتلك أرض أحيوها فاستخرجوها يعني البصرة قلت وتمام هذه الرواية قال: وقد اقطعوا أيضا بالكوفة فذكر حديث عثمان ﵁ أنه أقطع عبد الله وخبابا وهي في كتاب العلل للأثرم وساقها الخلال في كتاب العلل من طريق الأثرم ومن رواية إبراهيم بن الحارث عن أحمد أيضا.
[ ١٢٩ ]
وقد تكاثرت نصوصه بكراهة ما أقطعه الملوك من أرض السواد والأمر بالتنزه عنها وعن مغلها وجعله في حكم المغصوب المستولي عليه بغير حق وكان يسهل القول في اقطاع من ينتفع المسلمون به لجهاده قال المروزي: سئل أبو عبد الله عن القطائع التي بطرسوس هي مثل قطائع بغداد؟ فقال: لا، بل تلك عندي أسهل في نحر العدو "انتهى".
وهذا يدل على أن الاقطاع إذا كان لمن ينتفع به المسلمون كان شبيها بإقطاع عثمان ﵁ وروى عنبسه ما يدل على جواز الاقطاع للامام العادل من أرض العنوة على أنها أرض فيء وليست وقفا وفي كلام أحمد ما يدل على كلا القولين بل فيه تصريح بهذا وبهذا أعني أنها وقف وأنها فيء فأما أن يحمل ذلك على اختلاف قولين أو على أن الوقف أريد به معنى الوقف لا حقيقة قال في رواية ابن منصور: الأرضون التي يملكها ربها ليس فيها خراج مثل هذه القطائع التي اقطعها عثمان ﵁ في السواد لسعد بن مسعود وخباب ﵃ فرأى عمر ﵁ أن يدع الأرض للمسلمين ورأى عثمان ﵁ لمنزلة هؤلاء من الاسلام وما يأتوا ففيه أن يقطعهم فيها ونقل صالح عن أبيه نحوه وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أليس قد اقطع عثمان عبد الله وخبابا وغيرهما ﵃؟ فقال: هذا أيضا يقوي أن أرض السواد ليست بملك لمن هي في يده أن عمر ﵁ لم يقطع وعثمان أقطع بعد فلو كان عمر ﵁ ملكها من هي في يده لم يقطع عثمان ﵁ بعد قيل لأبي عبد الله: إنهم يقولون إنما أقطع عمر ﵁ أرض كسرى ودار البريد فنفض يده وقال: ليس هذا بشيء قلت: فاحتجوا بقول عبد الله ويزادان ما يزدان فقال: نعم عثمان ﵁ أقطعه أي حجة في هذا وفي مسائل أبي داود؟ قال أحمد: أرض السواد
[ ١٣٠ ]
فيها الخراج لكن القطائع ليس يؤدوا عنها الخراج وهذا نصوص بصحة اقطاع الامام العادل أرض السواد.
وقد أنكر قول من قال إنما أقطعهم من أرض كسرى وأرض البريد وهذا كان يقوله بعض الكوفيين قالوا: إنما أقطع عثمان أرضا اصطفاها عمر ﵁ جعلها لبيت المال لم يقطع الأرض الخراجية لأنها عندهما ملك لمن هي في يده بالخراج فأنكر أحمد ذلك.
وقد روي في هذه الصوافي آثار متعددة قال يحيى بن آدم حدثني قيس بن الربيع عن رجل من بني أسد عن أبيه قال: اصطفى حذيفة أرض كسرى وأرض آل كسرى ومن كان كسرى اصفى أرضه وأرض من قتل ومن هرب والاجام ومغيض الماء.
قال يحيى: وحدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن الوليد عن عبد الله بن معقل حدثني عبد الملك بن أبي حرة عن أبيه قال اصفى عمر بن الخطاب ﵁ من هذا السواد عشرة أصناف أصفى أرض من قتل في الحرب ومن هرب من المسلمين وكل أرض لكسرى وكل أرض كانت لأحد من أهله وكل مغيض وكل دين يزيد قال: ونسيت أربعة قال: وكان خراج ما أصفى سبعة آلاف ألف فلما كانت الجماجم أحرق الناس الديوان فأخذ كل قوم ما يليهم.
قال: وحدثني عبد السلام بن حرب عن عبد الله بن الوليد المزني عن رجل من بني أسد قال: لم أدرك بالكوفة أعلم بالسواد منه قال: بلغت غلة الصوافي على عهد عمر بن الخطاب ﵁ أربعة آلاف ألف. قلت: وما الصوافي؟ قال: إن عمر أصفى كل أرض كانت لكسرى أو لآل كسرى أو رجل قتل في الحرب أو رجل لحق بأهل الحرب أو مغيض
[ ١٣١ ]
الماء أو دير بريد وهذه الأسانيد فيها جهالة ثم إن في بعضه أن هذه الأرض كان عليها الخراج فلم يبق حينئذ يبنها وبين بقية السواد فرق إلا أن يدعي أن هذه لم تملك وإنما كان خراجها إجارة بخلاف أرض الدهاقين التي أقرت في أيديهم فانهم ملكوها بالخراج وهذه دعوى مجردة.
ومن متأخري أصحابنا من ادعى أن اقطاع عثمان ﵁ كان من موات السواد وهو أبعد وأبعد وممن قال: إن عثمان ﵁ إنما أقطع من الصوافي أبو عبيد أيضا لأنه يرى أن أرض السواد كالوقف قال: وهذه الصوافي كان أهلها قد جلسوا عنها فلم يبق بها ساكن ولا لها عامر فكان حكمها إلى الامام كالموات قال: فاقطعها عثمان ﵁ لمن يعمرها ويقوم بخراجها وهذا بناء منه على أن موات أرض السواد لا يملك إلا بالاحياء فيكون فيه الخراج على من عمره وذكر القاضي أبو يعلى متابعة للماوردي أن إقطاع عثمان ﵁ كان من هذه الصفايا وأن عثمان أقطعها وشرط على من أقطعها أن يأخذ منه حق الفيء فكان ذلك منه اقطاع إجارة لا إقطاع تمليك وقد رد ذلك بعض أصحابنا وقال: الاقطاع ينافي الاجارة فان المفهوم منه الاباحة فحمله على الاجارة غير معروف لغة ولا عرفا.
وذكر القاضي أن هذه الصفايا اصطفاها عمر ﵁ بتطييب نفوس الغانمين وهذا بيعد على أصلنا لأن الامام له عندنا أن يقفها كلها بغير رضى الغانمين وإنما هذا مأخوذا من كلام الماوردي وذكر القاضي أن حكم مثل هذه الصفايا أنه تصير لبيت المال كالوقوف المؤبدة فلا يجوز للامام بيعها ولا إقطاعها وذكر في أرض بيت المال المنتقلة إليه عمن لا وارث له أنه يجوز بيعها وصرف ثمنها في المصالح على قولنا أنها لا تصير وقفا وهل يجوز إقطاعها؟ على قولين: وضعف القول بمنعه. وقد سبق من
[ ١٣٢ ]
كلام أحمد ما يدل على أن حكم أرض العنوة كلها كذلك يجوز أن يقطعها الامام العادل لأنها فيء للمسلمين فله أن يترك خراجها مشتركا بينهم وله أن يخص بها من شاء منهم وقد تأول القاضي قول أحمد إنها تصير مملوكة ولا خراج عليها بأن عثمان ﵁ أقطعهم خراجها وهذا فاسد لأن أحمد صرح بأنها مملوكة لأربابها وعلى ما ذكره القاضي تكون باقية على ملك المسلمين وخراجها باق إلا أن الامام اختص به هؤلاء المقطعين.
وروى يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن ابراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة قال أقطع عثمان خمسة من أصحاب النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وخباب وأسامة بن زيد قال: وأراه قال والزبير فأما أسامة فباع أرضه وخرجه أبو عبيد عن قبيصة عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر به مختصرا وخرجه أيضا عن أبي نعيم عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن موسى بن طلحة عن عثمان ﵁ مثله قال أبو عبيد سألت قبيصة هل ذكر فيه السواد؟ قال: لا، وروى هذا الأثر محمد بن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن موسى ابن طلحة قال: أقطع عثمان ﵁ اسبيتا وأقطع لخباب ﵁ صعما واقطع لسعد ﵁ قرية هرمز خرجه الخلال في العلل وذكر عن أحمد انه قال: قالوا: أليس هو كما ابن فضيل في سبيتا إنما هو كذا وكذا يعني أنه أخطأ في تسمية هذه القرية وهذا تصريح بأنه من أرض السواد ويدل عليه أيضا قول ابن مسعود ﵁ وبرذان ما برذان يعني أن تلك كان برذان.
وروى الحسن بن زياد في كتاب الخراج عن الربيع عن أشعث ابن سوار عن موسى بن طلحة أن عمر بن الخطاب ﵁ منح
[ ١٣٣ ]
سعدا وابن مسعود ﵄ أرضا من ارضهما وهذا غلط وإنما منح عثمان ﵁ وذكر الخلال من طريق حنبل قال: قيل لأبي عبد الله: فما أقطع عمر في السواد يصح لمن كان في يده منها شيء؟ قال: قد أقطع عمر ﵁ بجيلة ثم رجع ورأى أن ليسوا بأحق به من المسلمين واقطاع عمر ﵁ ما أقطع من غير السواد ليس في قلبي منه شيء وهذا يدل على التوقف في إقطاع السواد وأما قوله: أقطع عمر ﵁ بجيلة ثم رجع ورأى أن ليسوا أحق به من المسلمين فهذا يخالف ما نقله عنه الأثرم في قطائع السواد أن عمر ﵁ لم يقطع وأن عثمان ﵁ أقطع. والأثرم أحفظ من حنبل بما لا يوصف وقد سبق أن عمر ﵁ إنما أعطى بجيلة من السواد قسمة لهم من غنيمتها ثم رأى أن تركها فيئا للمسلمين أصلح فلذلك استرجعها منهم.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه أقطع من السواد من وجه آخر رواه يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن إبراهيم بن مهاجر عن شيخ من بني زهرة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى سعد يقطع سعيد بن زيد ﵃ أرضا فأقطعه أرضا لنبي الرفيل فأتى ابن الرفيل عمر ﵁ فقال يا أمير المؤمنين على ما صالحتمونا؟ قال: على أن تؤدوا إلينا الجزية ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم قال: يا أمير المؤمنين أقطعت أرضي لسعيد بن زيد قال: فكتب إلى سعد يرد عليه أرضه وهذا فيه جهالة وقد يتعلق به من يرى أن عمر ﵁ رد عليهم أرضهم ملكا.
وذكر المروزي في كتاب الورع قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كان محمد أفضل من أبيه عبد الله بن إدريس قال: وسمعت عبد الوهاب
[ ١٣٤ ]
يعني الوراق يقول: كان ابن إدريس يجري على ابنه محمد وعلى زوجته عشرة في كل شهر من قطيعة عمر بن الخطاب ﵁ ابن إدريس هو عبد الله بن إدريس الكوفي العالم المشهور بالعلم والدين وكان شديدا في أمر السواد ويقول: في كل من معه شيء منه أن يرده على أهل القادسية ومع هذا فقد أخذ من هذه القطيعة التي لعمر ﵁ وكان ابنه محمد شابا متعبدا وكان أحمد وغيره يفضلونه على أبيه في الورع والزهد والعباد ﵄.
هذا كله في إقطاع رقبة أرض العنوة فأما اقطاع الامام منافعها وخراجها فيجوز وقد حمل القاضي رواية ابن منصور عن أحمد على ذلك كما سبق وسيأتي القول في إقطاع الخراج دون المنافع فيما بعد إن شاء تعالى.
الصورة الثانية أن يقف الامام بعض العنوة على طائفة مخصوصة من المسلمين أو واحد منهم فإن قلنا أرض العنوة وقف فلا يجوز تغيير وقفها الأول عما هو عليه بغير رضى باقي الغانمين وإن قلنا إنها فيء يشترك في منافعها المسلمون الامام بعض المسلمين بها وقفا فهذه المسئلة حدثت في وسط الدولة العباسية واختلف الفقهاء فيها فقالت طائفة لا يجوز ذلك وحكي عن أبي حامد الاسفرايني من الشافعية ووجهه بعضهم بأن المصلحة قد تقتضي في مستقبل الزمان صرفه إلى ما هو أولى فلا احتياط في ذلك بخلاف التمليك فانه يجوز عندهم وقالت طائفة منهم يجوز ذلك وقيل إنه مذهب الشافعي وأخذوه من قول الشافعي في سير الواقدي فيما فتح عنوة فمن طاب نفسا عن حقه فجائز للامام أن يجعله وقفا على المسلمين يقسم بينهم على أهل الخراج والصدقة وحيث يرى الامام. قالوا: وقوله حيث يرى الامام كالصريح منه في جواز الوقف على
[ ١٣٥ ]
معين وفيه نظر فان الشافعي إنما قال: يجعله وقفا على المسلمين وأما قسمة الغلة ففي أهل الخراج والصدقة وحيث يراه هذا ظاهر كلامه وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأرض المغنومة من الكفار داخلة في الفيء وأنها مشتركة بين المسلمين وإن تخصص الغانمين بها إذا رآة الامام يكون من باب تخصيص بعض المسلمين بما هو مشترك بين جميعهم وينبغي أن يكون وقف الامام لبعض أرض العنوة على بعض المسلمين ينبني حكمه على حكم إقطاعها كما تقدم فان قلنا لا يجوز إقطاعها فوقفها أولى وإن قلنا يجوز إقطاعها فوقفها كذلك.
وقد سبق ما حكيناه عن الشافعية وأنه يقتضي جواز التمليك وأن الخلاف عندهم في الوقف وهو منقول من كلام ابن الرفعة ولكن ما ذكره من التفريق بين الوقف والتمليك بأن المصلحة قد تقتضي الصرف في المستقبل الى ما هو أولى والوقف بمنعه فيقال وكذلك التمليك أيضا فلا فرق بينهما ثم إن المنقول في كتب أصحابهم أن إقطاع التمليك لا مدخل له في العامر من أرض العنوة ولا غيرها وإنما ذكر الماوردي منهم جواز اقطاع الامام بعض أرض العنوة إقطاع إجارة كما سبق عنه فاذا منعوا من إقطاع أرض العنوة وتمليكها به فكيف يجوزون الوقف؟ هذا مشكل جدا وذكر بعضهم وأطنه عبد السلام أن وقف الملوك على جهة إن كانوا متمكنين في الشريعة من تمليك تلك العين تملك الجهة ابتداء صح الوقف كالوقف على جهة بر ما يستحقه تلك الجهة ومن ذلك بناء المدارس والربط وان لم يكونوا متمكنين من ذلك شرعا كإيقافهم الضياع على أولادهم وإمائهم لم يصح لعدم جلبهم مصلحة تحصل للمسلمين قال ولو وقفنا على مدرسة أكثر مما يستحق كمدرسة يوقف عليها نصف أقليم مثلا لم يصح فيما زاد على ما يستحقه.
ووجد في بعض مجاميع أبي عمرو بن الصلاح بخطه صورة فتيا كتبت
[ ١٣٦ ]
بعد الخمسمائة في مواضع ينتفع بها ليس لها مالك معين ووقفها الامام على رجل من أهل العلم ثم على عقبة ثم على الفقراء أو اتصل بالوقف أحكام القضاة والاسجال به فهل هذا الوقف صحيح؟ وهل يجوز لأحد من الولاة تغييره وصرفه الى جهة أخرى؟ أجاب ابن عقيل أن ما لا يعرف له مالك فتصرف الامام فيه نافذ بما يراه من المصلحة من وقف وغيره ولا يملك أحد من خلق الله اعتراضه ولا تغييره وكتبه ابن عقيل وبعده جوابي مثله وكتب محمد بن أحمد بن الشاشي جوابي مثله وكتب أحمد بن علي بن برهان وبعده الجواب وبالله التوفيق أنه ينفذ حكم الحاكم ولا يرد ولا يعترض عليه وكتب أحمد بن الشاشي وبعده الجواب صحيح وكتب الزيني الجواب صحيح وكتب ابن الحلواني الأجوبة المشار إليها موافقة للشرع وكتب أحمد المهني وسئل عن مثل ذلك جماعة من الطبقة الأخرى عبد الله بن محمد بن أبي عصرون وعبد الرحمن بن محمد الغرنوي الحنفي ويونس بن محمد بن منعة ومسعود النيسابوري فافتوا جميعا بالصحة قال ابن الصلاح: قلت ولصحة هذا الوقف اتجاه "انتهى".
ولكن ليس هذا السؤال في أرض العنوة وإنما هو في أرض ليس لها مالك معين فيحتمل أنها أرض انتقلت الى بيت المال ممن لا وارث له ونحو ذلك فقد تقدم أن القاضي أبي يعلى ذكر أن هذه يصح إقطاعها وتمليكها بخلاف أرض الفي ويمكن أن يفرق بينهما من وجهين أحدهما أن أرض العنوة قد سبق للخلفاء الراشدين فيها أحكام فلا تغير أحكامهم ولا يعترض عليها والثاني أن أرض بيت المال إذا انتقلت من مسلم لا وارث له وقلنا إنها تنتقل إرثا فالمسلمون كلهم جهة واستيعابهم بالقسمة غير ممكن فتخصيص الواحد منهم تعيين المستحق بالميراث فيمتنع.
وها هنا فرع يقع كثيرا في هذه الأزمان المتأخرة وهو أنه يوجب كثيرا
[ ١٣٧ ]
هنا في أرض السواد وأرض الشام أو غيرهما مما فتح عنوة أرض مملوكة أو موقوفة بيد أربابها وهي ثابتة الملك أو الوقف عند الحكام وقال بعض متأخري الشافعية لا يغير ذلك ولا يزيلها عن يد من هي في يده لاحتمال أن تكون صارت اليه بطريق صحيحة وتكون خارجة عن وقف عمر ﵁ قال: وعلى القاضي أن يحترز في سماع هذه البينة لئلا يعتمد اليد المحتملة للملك "انتهى".
ويجوز أيضا أن يكون من فتوح عمر ﵁ وباعها من يدري ان عمر ﵁ ملكها لأربابها بالخراج وحكم بذلك من يراه ومتى كان عليها خراج مستمر الى الان قوي هذا الاحتمال فتصير الأرض ملكا أو وقفا لمن هي في يده والخراج حق لبيت المال عليها وقد وقع السؤال في هذا الزمان عن جواز زيادة هذا الخراج فرأى بعض الفقهاء أنه لا يجوز زيادته لأنه لا يعرف أصل وضعه هل هو بحق أم لا؟ فلا يجوز الزيادة فيه مع هذا التردد ويقتصر على القدر الذي هو موضوع على هذه الأرض ولا سيما إن طال أمد ذلك وتقادم ولكن تقادم عهده مع ما نقل من فتح عمر ﵁ لهذه البلاد عنوة ووضعه الخراج عليها مما يقوي أن وضعه بحق فإذا صارت رقبة الارض وقفا أو ملكا خاصا بالطريق المذكور لم يسقط بذلك خراج الأرض وأيضا فيجوز أن تلك الارض بعينها فتحت صلحا ووضع عليها خراج أقررناها به على ملكهم لها ثم اسلموا وحكم حاكم باستمرار الخراج فانه محل اجتهاد ومثل هذا الخراج لا يزاد فيه بغير خلاف أما لو علم أن ذلك من أرض فتح عمر ﵁ عنوة ووضع عليها الخراج ولم يوجب مع أصحابها إلا كتب ثابتة بملك مطلق من غير تعرض لمحل الخلاف بين العلماء في مسئلة تملك أرض العنوة وبيعها وشرائها فإن كان الحاكم ممن لا يرى ان أرض العنوة تملك رقابها فيبعد نفوذ هذا الحكم ولزومه لأن من صادف حكمه مختلفا فيه. ولم يعلم به
[ ١٣٨ ]
وكان لا يراه فله نقضه إلا أن يتصل به حكم آخر ممن يرى جواز ذلك وان كان ممن يرى ذلك فلزومه متوجه
"فصل" ويثبته وقف الامام لبعض أراضي الوقف من مال الفيء إذا كان فيه مصلحة عامة ذكره الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية ﵀ واستدل له بأن النبي ﷺ أعتق بني هوازن بعد قسمهم بين المسلمين وعوض من لم يطب نفسه برد نصيبه منهم من مال الفيء. فدل على أنه يجوز أن يشتري بمال الفيء من يعتقه للمصلحة هي ها هنا تألف هوازن على الاسلام واذا قلنا: يجوز للرجل أن يعتق من زكاة نفسه فعتق الامام من زكوات الناس أولى وإذا جاز اعتاقه من الزكوات فمن مال المصالح العامة أولى قال: ويجوز أيضا أن يعتق من مال المصالح وان كانت المصلحة تختص بالعتق لأن اعتاق الرقيق بمنزلة اعطائه لو كان حرا بل الاعتاق أوسع من الاعطاء ولهذا يجيز للمريض اعتاق وارثه من ثلاثة بخلاف اعطائه إذ الاعتاق اسقاط لا تملك فيه وأما حكم ولائهم فقال: يحتمل أن يقال لا ولاء عليهم لاحد بمنزلة عبد الكافر إذا أسلم وهاجر ويحتمل أن يقال الولاء عليهم للمسلمين قال وعلى هذا اذا اشترى السلطان رقيقا ونفذ ثمنهم من مال بيت المال ثم اعتقهم كان الملك فيهم ثابتا للمسلمين ويكون ولاؤهم مع عدم نسيب لهم في بيت المال لأن ولاءهم إما لبيت المال استحقاقا أو لكونهم لا وارث لهم فيوضع مالهم في بيت المال وليس ميراثهم السلطان لأنه اشتراهم بحكم الملك لا بحكم الملك ولو احتمل أن يكون اشتراهم لنفسه وأن يكون اشتراهم للمسلمين حمل تصرفه على الجائز وهو شراؤهم للمسلمين دون المحرم وهو شراؤهم لنفسه من بيت المال فانه ممتنع قال: ولو عرف أنه اشتراهم لنفسه بمال المسلمين حكم بأن الملك للمسلمين لا له لأن له ولاية الشراء
[ ١٣٩ ]
للمسلمين من بيت مالهم فاذا اشترى بمالهم شيئا كان لهم دونه ونية الشراء لنفسه بمالهم محرمة فتلغى ويصير كأن العقد عري عنها.
وهذا ملخص ما ذكره وبكل حال فبين العتق والوقف فرق وهو أن الموقوف إذا كان أرضا ففيه قطع استحقاق المسلمين عموما الى يوم القيامة لمنافعها الى يوم القيامة وهذا بخلاف اعتاق الرقيق نعم لو وقف منقولا من مال بيت المال كان مثل عتق الرقيق والله أعلم.
[ ١٤٠ ]