أرض الخراج نوعان: صلح وعنوة
فأما أرض الصلح فقد سبق ذكرها وأن خراجها عند الجمهور في معنى الجزية فيسقط بالاسلام وعند أبي حنيفة هو في معنى ثمن للأرض كخراج العنوة عنده ولعل هذا أيضا مأخذ الكوفيين الذين قالوا إن الأرض متى وضع الخراج عليها لم يتغير عنها بحال.
وأما أرض العنوة فاختلفوا في خراجها فقالت طائفة هو ثمن أيضا وهو قول الحنفية الذين قالوا: إن عمر ﵁ ملكهم الأرض بالخراج وقاله أيضا طائفة من الشافعية كابن سريج وأبي إسحاق المروزي وقالت طائفة: بل هو أجرة وهو قول من يقول: إن عمر ﵁ وقفها على المسلمين وجعل الخراج أجرة عليها يؤخذ ممن أقرت بيده من مسلم ومعاهد وهذا هو المشهور عند أصحابنا ونص عليه الشافعي في سير الواقدي واختاره الاصطخري وغيره من أصحابه وهو قول أبي عبيد والمالكية وغيرهم.
قال يحيى بن آدم قال شريك: إنما الخراج على الذمي في أرضه بمنزلة الاجارة قال يحيى: لعله يعني أن عمر ﵁ مسح عليهم كل عامر وغامر يقدر على زرعه عمله صاحبه أو تركه فعليه خراجه ولكن عمر
[ ٥٣ ]
﵁ لم يقدر مدة الاجارة بل أطلقها وهذا يخالف أصول الاجارات واختلف أصحابنا في الجواب عن هذا فمنهم من قال المعاملة بين المسلمين والمشركين أو ما كان في حكم أملاك المشركين يغتفر فيها من الجهالة ما لا يغتفر في عقود المسلمين بينهم كما قالوا في معاملة النبي ﷺ أهل خيبر من غير تقدير مدة المساقاة وهذا أجاب به القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم وهو جواب ضعيف جدا وقد رده أصحابنا على الحنفية في مسألة المساقاة ولأن أهل الذمة في المعاملات كالمسلمين سواء ومنهم من أجاب بأنه يجوز استئجار كل سنة بكذا من غير تقدير المدة عندنا وعند كثير من الفقهاء وهذا في معناه قاله أبو الخطاب ومنهم من أجاب بأن عمر ﵁ إنما لم يقدر المدة لما في ذلك من عموم المصلحة فاغتفر في هذا العقد قاله القاضي وغيره ومن أصحابنا من قال ليس بأجرة حقيقية وإنما هو في معنى الاجرة.
قال ابن عقيل في عمد الأدلة: الخراج لا يتحقق أجرة بل عقد على المصلحة والنظر للاسلام ولذلك زاد عمر ﵁ عليه ولا يملك المؤجر الزيادة بغير رضاء المستأجر بالاجماع فعلم أنه لم يخرج ذلك مخرج عقود الاجارات.
وقال الشيخ أبو العباس بن تيمية ﵀: التحقيق أن وضع الخراج معاملة قائمة بنفسها ذات شبه من البيع ومن الاجارة يشبه في خروجها عنهما المصالحة على منافع مكانه للاستطراق أو وضع الجذوع ونحوها بعوض ناجز فانه لم يملك العين مطلقا ولم يستأجرها وإنما منع هذه المنفعة مؤبدة وكذلك وضع الخراج لو كان إجارة محضة لدخل فيها المساكن ولكان دفعها مساقاة ومزارعة أنفع ولكان يعتبر فيها أجرة المثل فإن الخراج دونها بكثير ولو كانت بيعا لدخلت المساكن أيضا ولا بيع يكون بثمن مؤبد الى يوم القيامة فالخراج أصل ثابت بنفسه لا يقاس بغيره.
[ ٥٤ ]