بسم اللّه الرحمن الرحيم، وبه توفيقي
قال الشيخ الِإمام العالم العلامة أبو الفرج عبد الرجمن بن الشيخ الِإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي، أمتع اللّه ببقائه:
الحمد للّه الذي مهد لبني- آدم قبل أن يخلقهم بساط الأرض وجعلهم فوق ظهورها خلائف يخلف بعضهم فيها البعض، ومكن لعباده المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها لِإقامة ما شرعه من السنن والفرض وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، المتصرف في خلقه بالِإبرام والنقض والعطاءوالمنع والرفع والخفض.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف نبي حث على طاعة اللّه وحض، وأفضل رسول ظهر دينه على الدين كله في طول البلاد والعرض.
[صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة تدوم وتبقى، إلى يوم اللقاء والعرض] وسلم تسليمًا.
أما بعد فإن اللّه تعالى خلق الخلق كلهم لعبادته. كما قال: (وما خلقت الجن والِإنس إلا ليعبدون). وأرسل الرسل كلهم للدعوة إلى توحيده وطاعته كما قال (وما أرسلنا من رسول إلا يوحى إليه، أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)
ولما أهبط آدم وزوجته وأسكنهما في الأرض، أخذ عليهما أن من أطاعه من ذريتهما واتبع رسله كان من السعداء، ومن أعرضِ عن ذلك كان من الأشقياء، كما قال تعالى (قلنا اهبطوا منها
جميعاَ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها
خالدون) وقال تعالى (قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى، فمن
[ ٥ ]
اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى)
فلما افترق بنو آدم وصاروا فرقًا شتى بين مؤمن وكافر وبر وفاجر، أرسل اللّه الرسل وأنزل معهم الكتب، وأقام بهم الحجج، لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل، وأمر عباده المؤمنين بدعوة الكافرين، وشرع جهادهم بالسيف والسنان، وبإقامة الحجج والبراهين، وجعل العاقبة
لأهل التقوى وأتباع المرسلين، وسلط على من استنكف عن عبادته واستكبر عنها جنده الغالبين، حتى صاروا عبيدًا للعبيد عقوبة على امتناعهم من عبادة رب العالمين، وأورث المؤمنين ما كان خولهم من الأموال والأولاد والديار والأراضين. كما قال تعالى حاكيًا عن نبيه موسى ﵇ حيث قال لقومه (استعينوا باللّه واصبروا إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) وقال تعالى مخاطبًا أمة محمد - ﷺ -: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهمْ الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا
ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وقال النبي - ﷺ -: "إن الله
زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها. وقد صدق اللّه وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحدة، فمكن لأمة محمد - ﷺ - في البلاد، وملكهم رقاب غيرهم من العباد وأورثهم أرضهم وديارهمِ وأموالهم بسبب ما شرعه لهم من الجهاد، ولم يقبض اللّه نبيه محمدا - ﷺ - حتى فتح عليه جزيرة العرب، وكثيرًا من بلاد اليمن وغيرها من البلاد، فمن ذلك ما أخذه صلحًا ومنه، ما فتحه بالسيف عنوة ومنه ما أسلم أهله طوعًا. ثم افتتح خليفته، الصديق الأكبر كثيرًا من أرض فارس والروم. ثم اتسعت رقعة
[ ٦ ]
الِإسلام وكثرت الفتوح على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فكان أكثرها عنوة وبعضها صلحا. وكثر في زمانه أهل الِإسلام، وملك المسلمون أكثر بلاد العراق، ومصر والشام، فكان من رأيه السديد وأمره
الرشيد أن ترك أراضي العنوة التي فتحها اللّه تعالى عليه فيئًا لعموم المسلمين، يشترك في الانتفاع بغلتها عموم المجاهدين إلى يوم الدين، وضرب عليها خراجًا يؤخذ ممن يقر بيديه يكون عدة للمقاتلين، وكان ذلك برضى من الأنصار والمهاجرين وبإشارة أكابرهم بذلك كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وغيرهما من أئمة أهل العلم والدين.
وقد استخرت اللّه تعالى في جمع كتاب يجمع أحكام الخراج، وما يتعلق به من تصوير المسائل وتقرير المذإهب وتحرير الدلائل والحجاج وسميته "كتاب الاستخراج لأحكام الخراج "، ورتبته على عشرة أبواب ليسهل كشف مسائله وتطلبها من الكتاب واللّه الموفق للصواب:
الباب الأول: في معنى الخراج في اللغة.
الباب الثاني: فيما ورد في السنة من ذكر الخراج.
الباب الثالث: في أصل وضع الخراج وأول من وضعه في الِإسلام.
الباب الرابع: فيما يوضع عليه الخراج من الأرض وما لا يوضع
الباب الخامس: في معنى الخراج وهل هو أجر أو ثمن [أو] جزية.
الباب السادس: فيما وضع عمر عليه الخراج من الأرض.
الباب السابع: في مقدار الخراج.
الباب الثامن: في حكم تصرفات أرباب الأرض الخراجية فيها.
[ ٧ ]
الباب التاسع: في حكم تصرفات الِإمام في أرض العنوة إذا صارت وقفًا [أو فيئًا].
الباب العاشر: في حكم مال الخراج ومصارفه والتصرف فيه.
[ ٨ ]