أما المتن الذي ندرسه " دليل الطالب لنيل المطالب "فهو متن مشهور في الفقه الحنبلي اختصره الشيخ مرعي من كتاب ابن النجار " منتهى الإرادات في جمع المقنع والتنقيح وزيادات " كما صرح بذلك جماعة من العلماء منهم:
الشيخ محمد بن مانع في حاشيته على دليل الطالب.
والشيخ صالح بن حسن البُهوتي في مقدمة شرحه " مسلك الراغب شرح دليل الطالب" . وغيرهما.
وقد أشار الماتن نفسه إلى ذلك في مقدمة كتابه دليل الطالب حيث قال: [وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الفائز بمنتهى الإرادات من ربه ]
ومنتهى الإرادات وهو أصل كتابنا من متون المذهب المعتمدة فقد اعتمده المتأخرون من عصر المؤلف حتى كان والد المؤلف يقرؤه للطلاب ويثني عليه وكاد الكتاب لشهرته ينسي ما قبله من متون المذهب المطولة فعكف الناس عليه شرحًا وتحشيةً واختصارًا وجمعًا له مع غيره.
وتعالوا نتوقف قليلا لنتعرف على أصل كتابنا وهو كتاب منتهى الإرادات وأهميته:
: [بعد أن وضع ابن قدامة متنه المشهور " المقنع " لقي قبولًا كبيرًا داخل المذهب لكونه جاء على قول واحد هو الراجح في المذهب وتميز عن الكتب التي سبقته بأنه أوضح منها إشارة وأسلس عبارة وأجمع تقسيمًا وتنويعًا كما أنه حوى غالب أمهات مسائل المذهب على توسط حجمه ومن هنا تناوله الحنابلة بالتآليف كالشروح والتعليقات التي تبيّنه وكتب اللغة التي توضح مصطلحاته وحدوده، وكتب التخريج التي تخرج أدلته وهذا الكتاب - وإن كان يعتبر نقلة علمية في المذهب - إلا أنه كان بحاجة إلى تحرير أكثر وتصحيح، فقد أطلق مؤلفه ﵀ الخلاف في كثير من مسائله بصيغ متفاوتة أوصلها بعضهم إلى ما يزيد على ثلاثين صيغة ولم يفصح فيها بتقديم حكم. كما أنه قطع بمسائل وقدمها على أنها المذهب وهي غير الراجح في المذهب وأخلّ ببعض القيود والشروط الصحيحة في
[ ٥ ]
المذهب إضافة إلى أن عبارته كانت بحاجة إلى إعادة نظر لما فيها من عموم أو إطلاق أو خلل لهذه الأسباب وغيرها كانت الحاجة ماسة لأن يوجد كتاب يتمم ويكمل النقص الذي في هذا المتن الشهير.
فجاء مجدد المذهب القاضي علي بن سليمان المرداوي ليسد هذا النقص بكتابه " التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع "
فعالج أغلب ما كان ينتقد على متن المقنع حتى كان كما قال عنه الشُّوَيْكِي ﵀: " أجل كتاب اجتهد في جمعه وأتى بالصواب وأراح كل قاض ومفت من الأتعاب وسهّل لهم معرفة المذهب وقرّب لهم المقصد والمطلب " ومن هنا اشتهر هذا الكتاب لدى أعيان المذهب باسم " التصحيح " وسمي مؤلفه " بالمصحح " لأنه صحح المقنع في مسائله وعباراته ومع هذا العمل الجليل الذي قدمه المرداوي للمذهب إلا أنه ﵀ ترك مسائل كثيرة في كتابه فلم يتناولها في التصحيح، كما أنه أسقط من كلام موفق الدين ابن قدامة أشياء كان يجب المحافظة عليها وبقاؤها مثل الشروط والقيود والاستثناءات الصحيحة في المذهب.
كما أنه - ﵀ - كان يحيل الحكم في بعض الأحيان على المقنع ويطلقه من غير تقييد.
فلهذه المقتضيات وغيرها ظهرت الحاجة الشديدة للجمع بين هذين الكتابين - المقنع والتنقيح - حتى يتم المقصود في وجود متن يعتمد القول الصحيح في المذهب بعبارة سليمة واضحة المقصود. فظهرت لهذه المهمة الشاقة - الجمع بين المقنع والتنقيح - فيما أعلم ثلاث محاولات:
الأولى: قام بها العلامة أحمد بن عبد الله بن أحمد العسكري الصالحي) تلميذ المصحح المرداوي ﵀، في كتابه (المنهج في الجمع بين المقنع والتنقيح) إلا أنه توفي قبل أن يتم كتابه فقد وصل فيه إلى الوصايا.
الثانية: قام بها الشيخ أحمد الشُّوَيْكِي ﵀ في كتابه " التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح " وقد وصف كتابه هذا بوضوح العبارة حتى قيل إنه متن كالشرح.
[ ٦ ]
الثالثة: قام بها تقي الدين محمد بن أحمد الْفَتُوحِي الشهير بـ " ابن النجار " في كتابه " منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات " ووصف علماء المذهب هذا الكتاب بأنه معقد العبارة ومع هذا فهو عمدة المتأخرين وقد لقي قبولًا كبيرًا وحظي بالشروح والتعليقات]
وبعد ذلك جاء الشيخ مرعي فاختصر منتهى الإرادات في كتابه دليل الطالب لنيل المطالب.