فصل
في الإمامة
وهذه الصلوات جميعها تصح الإمامة فيها والإتمام، ويعتبر شرائط لا تصح إمامته إلا بها: أن يكون عاقلًا، مسلمًا، عدلًا. فمن لم تجتمع فيه هذه الشرائط الثلاثة لم تصح إمامته في شيء من الصلوات.
فأما البلوغ فمعتبر في إمامة الفرض دون النفل، فيصح إمامة الصبي في النوافل.
وأما الذكورية فمعتبرة في الصلاة بالذكور، فأما الإمامة بالنساء فيصح من المرأة
وأما الحرية فمعتبرة في الإمامة في صلاة الجمعة دون غيرها من الصلوات ﴿٢٧/ ب﴾ في إحدى الروايتين (١)، والأخرى تصح إمامة العبد في الجمعة وغيرها.
ويعتبر أن يكون قارئًا إذا أمّ القراء، فإن أمّ الأميين صحت إمامته.
ويعتبر أن يكون قادرًا على القيام إذا أمّ القادرين، فإن كان زمنًا لم يصح أن يؤم إلا الزمنين، فأما إن كانت قعدته لمرض عارض الغالب تعجل زواله صحت إمامته بشرط أن يكون إمام الحي، ولا يصح إذا لم يكن إمام الحي.
فأما الخنثى المشكل فلا يصح أن يؤم الخناثى، لجواز أن يكون من ورائها رجالًا وتكون امرأة، ويصح أن يأتم بها النساء لأن أقل أحوالها أن تكون أنثى، وإمامة المرأة بالنساء صحيحة، وفيها ذكورية خنثى يعني مجوزة، فهي أكمل
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٢٢٠.
[ ٦٨ ]
منهن بكل حال، فإذا أثبت جواز إمامتها بهن، فإنها تكون معهن في الصف وسطًا.
ويصح أن يأتم الرجال بالمرأة في التراويح إذا كانت قارئة، وكانوا أميين، فإنهم يصلون بقراءتها وتكون وراءهم تتبعهم في الموقف ويتبعونها في القراءة لحديث أم ورقة الأنصارية (١). فهذه الشرائط المعتبرة.
فأما ﴿٢٨/ أ﴾ تقديم الاستحباب والفضيلة: فيستحب أن يؤم القوم أقرأهم، فإن استووا في القراءة فأفقههم، فإن استووا في الفقه فأسنهم، فإن استووا في السن فأشرفهم، فإن استووا في الشرف فأقدمهم هجرة لدار الحرب إلى دار الإسلام، فإن استووا في جميع ذلك فصاحب البيت، فإن استووا في جميع ذلك بأن كانوا جميعهم أهل دار واحدة، وهم على هذه الصفات متساويين فيها قدم السلطان، وهو الإمام، أو القاضي، قاضي القضاة مقدم على سائر القضاة.
ويقدم على جميع هؤلاء من وصى الميت أن يصلي عليه، لأن الصحابة قدموا صهيبًا على جنازة عمر بن الخطاب.
والمخالفون في المذاهب على ضربين، من خالف في الفروع التي يسوغ فيها الاجتهاد، وهم الفقهاء، فتجوز الصلاة وراءهم إلا أن يتركوا ما يعتقده ركنًا مثل: أن يتركوا تكبيرة الإحرام، أو الفاتحة، أو الطمأنينة في الركوع أو السجود.
_________________
(١) وهو أن رسول الله - ﷺ - جعل لأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها. رواه الإمام أحمد في المسند ٦/ ٤٠٥، وأبو داود في كتاب الصلاة: باب إمامة النساء، سنن أبي داود ١/ ١٣٩.
[ ٦٩ ]
ويجوز للحنبلي أن ﴿٢٨/ ب﴾ يصلي وراءهم، فإن صلى وجبت الإعادة. وأما المخالفون في الأصول فإمامتهم باطلة. ويعتبر أن يكون موقف الإمام في مكان ليس بينه وبين المأموم طريق ولا نهر جارٍ، ولا يكون بينه وبينهم حائل يمنع الاستطراق.
ويكره أن يكون أعلى من المأموم.
ويستحب أن تقع أفعال المأموم بعد أفعال الإمام.
ويكره للإمام أن يطيل إطالة تشق على المأمومين، بل يصلي بهم بصلاة أضعفهم، ومتى كبر المأموم مع الإمام لم تنعقد صلاته معه حتى يكبر بعد فراغ الإمام من التحريمة، ولا يسبقه بشيء من الأفعال، فإن سبقه عاد فتابعه فيما هو عليه، فإن لم يفعل واستدام الركن الذي سبقه به كانت صلاته ناقصة، وإن سبق فركع، ثم رفع إمامه قبل ولم يتبعه في شيء من الركوع فهل تبطل صلاته؟ قال شيخنا: تبطل في الركوع خاصة، فأما السجود فلا تبطل حتى يسبقه بالسجدتين معًا، لأن الركوع أعظم أركانها، فهو كالوقوف في الحج، ولذلك يحصل به الإدراك، وبفواته الفوات. وعن أحمد ﵁: لا تبطل الصلاة إلا أن يسبقه بركنين وأطلق.
وعنه: أنها تبطل بسبقه ﴿﴾ (١). ﴿٣٠/ أ﴾ بطلت صلاته وصلاتهم.
فإن قام إلى الثالثة قبل التشهد الأول، فإن كان قبل أن يستوي قائمًا وجب الرجوع قولًا واحدًا، وإن انتصب ولم يقرأ ففيه روايتان، إحداهما: يرجع. والثانية: هو مخير. (٢)
_________________
(١) فيه سقط مقدار صحيفة والله أعلم.
(٢) الصحيح من المذهب أنه لا يرجع، وإن رجع جاز مع الكراهة. انظر: الإنصاف ٢/ ١٤٤.
[ ٧٠ ]
وإن شرع في القراءة لم يرجع رواية واحدة، لأنه شرع في ركعتين فلم يرجع عنهما إلى واجب ليس بركن.
فإن انتصب الإمام والمأموم جالس ذاكرًا للتشهد أتى به ولم يتبعه في القيام، فإن تبعه بطلت صلاته، لأن الإمام سهوه عذر في عدم بطلانها، فأما المأموم فلم يسه، والإمام فلا يتحمل عنه العمد، وإنما يتحمل عنه السهو.
ويصح أن يأتم المتوضئ بالمتميم، والمتمم بالقاصر، فأما المفترض بالمتنفل، والمؤدى خلف القاضي، والعصر خلف من يصلي الظهر فهل تصح؟ على روايتين، أصحهما: لا تصح (١)، لاختلاف النيتين.
ولا يصح أن يصلي رباعية من ظهر وعصر وعشاء خلف من يصلي فجرًا وجمعة لم يصح قولًا واحدًا.