من تأمَّل تصانيف الفقه يرى أنَّها ليست على درجة واحدة من حيث السَّبك وغزارة العبارة؛ ذلك أنَّ مصنِّفيها قد راعوا فيها رُتَب طلبة العلم من حيث الابتداء والتوسُّط والتقدُّم؛ بحيث يجد كلُّ طالب فقه ما يناسب إدراكه، ولا أدلَّ على ذلك من صنيع الإمام أبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن قُدامة (ت ٦٢٠ هـ)؛ حيث صنَّف كتبًا أربعة هي: «العُمْدة»، و«المُقْنِع»، و«الكافي»، و«المُغْني»؛ مراعيًا فيها مراحل الطلب؛ فوضع «العُمْدة» للمبتدئين، و«المُقْنِع» لمن ارتقى عن رتبة الابتداء ولم يبلغ رتبة المتوسِّطين، و«الكافي» للمتوسِّطين ممَّن لم يبلغ درجة المتقدِّمين، وأخيرًا «المُغْني» لمن بلغ الغاية (^٢).
وهم بصنيعهم هذا يأخذون بيد طالب الفقه ليسير على درب الطلب رُوَيْدًا رُوَيْدًا؛ كي تحصل له الفائدة، وتتحقَّق له المنفعة.
والمذهب الحنبلي كغيره من المذاهب غنيٌّ بالتصانيف المفيدة التي لا غنى لطالب العِلْم عنها في أيِّ مرحلة من مراحل التدرُّج في طلب علم الفقه، ولكن هذه الكثرة ربما أوقعت الطالب في حيرة من أمره؛ أيّ كتاب يبدأ به؟ وأيّها أنسب للطلب في مرحلته التي هو فيها؟ وربما اختار لنفسه من غير دراية أو توجيه فوقع في التخبُّط
_________________
(١) «المدخل» لابن بدران (ص ٢٦٦).
(٢) انظر: «المدخل» لابن بدران (ص ٢٣٣)، «المَدْخَل المُفصَّل» لبكر أبو زيد (٢/ ٧١٩).
[ المقدمة / ٣١ ]
وسوء التعليم؛ فأدَّى به إلى التكاسل والانحراف عن قبوله وهجرانه.
ولذا نجد أن ابن بَدْران ﵀ أدرك هذه المشكلة، ونبَّه إليها؛ فقال: «اعلم أنَّ كثيرًا من الناس يقضون السنين الطِّوال في تعلُّم العِلم، بل في عِلْم واحد، ولا يحصلون منه على طائل، وربما قضوا أعمارهم فيه، ولم يرتقوا عن درجة المبتدئين، وإنّما يكون ذلك لأحد أمرين:
أحدهما: عدم الذكاء الفِطْري، وانتفاء الإدراك التصوّري، وهذا لا كلام لنا فيه ولا في علاجه.
والثاني: الجهل بطرق التعليم …» (^١).
ولأجل ذلك وضع -رحمه الله تعالى- تصوُّرًا لأهمِّ المصنَّفات التي ينبغي البدء
بها عند كلِّ مرحلة من مراحل الطلب، فقال: «فالواجب الديني على المعلِّم إذا أراد إقراء المبتدئين أن يُقرئهم أوَّلًا كتاب «أخصر المختصرات» أو «العُمْدة» (^٢) للشيخ منصور متنًا إن كان حنبليًّا … ويجب عليه أن يشرح له المتن بلا زيادة ولا نقصان بحيث يفهم ما اشتمل عليه، ويأمره أن يصوِّر مسائله في ذهنه، ولا يشغله ممِّا زاد على ذلك …» (^٣).
ثمَّ قال: «فإذا فرغ الطالب من فهم تلك المتون، نقله الحنبلي إلى «دليل الطالب» … والأَوْلى عندي للحنبليِّ أن يُبدل «دليل الطالب» ب «عمدة» موفَّق الدين المقدسي إن
_________________
(١) «المدخل» لابن بدران (ص ٢٦٥). ولابن خلدون كلام نفيس في هذا المقام، انظره في كتابه «مقدِّمة ابن خلدون» (ص ٥٣٣ - ٥٣٤).
(٢) هو: «عمدة الطالب لنيل المآرب».
(٣) «المدخل» لابن بدران (ص ٢٦٦).
[ المقدمة / ٣٢ ]
ظفر بها ليأنس الطالب بالحديث، ويتعوَّد على الاستدلال به؛ فلا يبقى جامدًا … فإذا أتمَّ شَرْح ذلك أقرأه الحنبليُّ «الرَّوْض المُرْبِع بشرح زاد المُسْتَقْنِع» … فإذا انتهى من هذه الكتب، وشَرَحها شرْح من يفهم العبارات، ويُدرك بعض الإشارات؛ نقله الحنبليُّ إلى «شَرْح المُنْتَهى» للشيخ منصور … فإذا فرغ من هذه الكتب وشرحها بفَهْمٍ وإتقان؛ قرأ ما شاء، وطالع ما أراد؛ فلا حَجْر عليه بعد هذا» (^١).
وإتمامًا للفائدة نذكر أهمَّ المصنَّفات (^٢) المعتمدة في المذهب الحنبلي بحسب رُتَبِها في مراحل الطلب: المختصرات، ثمَّ المتوسِّطات، ثمَّ المتقدِّمات.