الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وليُّ الصَّالحين، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه إمامُ المتَّقين وسيِّد الأوَّلين والآخِرين، أقام الحُجَّة، وكشف الله بِهِ الغُمَّة، وعلى البيضاء ترك الأمَّة، لا يزيغ عنها إلَّا هالك فاللَّهمَّ صلِّ عليه وسلِّم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد: فإنَّ الفِقْه في الدِّين من أَشرَفِ العُلوم قَدْرًا، وأَعظَمِها أَجرًا، وأعَمِّها نَفْعًا، وهو طريق الخير كما نطق به الصادق المعصوم ﷺ: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) [رواه البخاري ومسلم].
وإنَّ من أسباب النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة؛ أن يُوَفَّقَ العَبدُ إلى حُسْنِ التَّعبد لله؛ فهي الغاية من خَلْق الخَلْق -إِنْسِهم وجِنِّهِم-؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]. وهذه العبادة لا سبيل إلى تحقيقها إلَّا بالتعلُّم والتفقُّه في دين الله تعالى، ومعرفة الحلال والحرام، والتمييز بين الجائز والممنوع؛ إذ قد جرت العادةُ أن لا يُقْدِمَ الإنسانُ على عَملٍ حتَّى يكون على دِرايةٍ وعِلْمٍ بالطريقة التي يُؤَدَّى بها ذلك العَمل على الوَجه الصَّحيح؛ فكيف إذا كان هذا العملُ هو عبادةُ الله تعالى التي يتوقَّف عليها فَلاحُه في الدنيا، ونجاته في الآخرة.
[ المقدمة / ١١ ]
والمسلم المُوَفَّق هو الذي يبذل جَهْدَهُ ويَستفرغ وُسْعَه في تحقيق مراد الله تعالى؛ يبذل الغالي والنَّفيس في تَعلُّمِ الدِّين والتَّفقه في أحكامه؛ فتراه يَقرأُ ويَسألُ ويُجالسُ العُلماء، ويَتَّصلُ بهم ليسأل عن أحكام دينه؛ إذ العلمُ أَحقُّ وأَجَلُّ ما تُصرَفُ فيه الأوقات.
ورغبة منا في أن يكون لنا نصيب من هذا الشرف الرفيع والأجر العظيم، جاء تأليف هذا الكتاب في فقه العبادات -التي عليها قوام الإسلام-، ومبنى أركانه العِظام-، على مذهب الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل الشيباني ﵀، وأسميناه:
(التسهيل في فقه العبادات)
قصدنا به تقريب الفقه لعامَّة المسلمين بلُغة واضحة، وعبارات سهلة يسيرة، مقرونة بالدليل من القرآن أو السنَّة الصحيحة؛ ترغيبًا لهم في تعلُّمه وتحصيله، ورفعًا للجهل عمَّن لا يُحسن تطبيقه، حتَّى يَعبدَ المسلمُ ربَّه على بَصيرة من أمره.
وإنَّنا نرجو أن يكون هذا الكتاب سلسلة متَّصلة بتلك الجهود المباركة التي بُذلت في تقريب الفقه وتيسيره؛ إحياءً لهذا الدِّين، والعمل بأحكامه في شتَّى الميادين.