دلّت الأدلّة الشرعيّة على نجاسة ما يلي:
١) الخَمْر وما في معناها من كلّ مشروب سائل مُسْكِر؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة ٩٠].
وكذا الحشيشة المُسْكِرة؛ لأنّها في معنى الخَمْر، أمَّا المُسْكِرات غير السائلة كالحبوب المُخَدِّرة ونحوها فهي طاهرة.
٢) الطيور والبهائم وسائر الحيوانات التي لا يُؤكل لحمُها ممَّا فوق الهِرَّة خِلْقةً؛ مثل: العِقاب، والصَّقْر، والبُومَة، والنَّسْر، والفيل، والبَغْل، والحِمَار، والأَسَد، والنَّمِر، والذِّئْب، والفَهْد، والكَلْب، والخِنْزير، والدُّبِّ، والقِرْد … ونحوها؛ لحديث ابن عمر: (سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ المَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فقال: إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ)، وفي رواية: (لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه].
[ ١ / ٦٧ ]
فهذا يدلُّ على نجاسة هذه السِّباعوتلك الدوابّ، وإلّا لم يتنجَّس الماء إذا لم يبلغ قُلَّتين. ولقوله ﷺ في الحُمُر يوم خَيْبَر: (إِنَّها رِجْسٌ) [رواه مسلم]، ولأنَّ السِّباع والجوارح يغلب عليها أكلُ المَيْتات والنَّجاسات.
- أما ما كان دون الهِرَّة في الخِلْقَة؛ كالحيَّة، والفَأْر، والنِّمْس، والقُنْفُذ … ونحوها فطاهر؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال في الهرة: (إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ) [رواه أبو داود والنسائي والترمذي]؛ فدَلَّ بلفظه على طهارة الهرة، وتعليله بأنها من الطوافين علينا يدل على طهارة غيرها مما يطوف علينا من الدواب.
٣) الميتة: وهي ما مات حتف أنفه، أو قُتِلَ من غير ذكاة شرعيَّة، ودليل نجاستها قول الله ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥].
ويُستثنَى من الميتة ما يلي:
أ- ميتة الآدميّ: فإنّها طاهرة؛ لقوله ﷺ: (إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ) [رواه البخاري ومسلم].
ب- ميتة السمك والجراد: فإنّها طاهرة؛ لقوله ﷺ في البحر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي]. فلو كانت نجسة لم يحلَّ أكلُها.
ج- ميتة ما لا دَمَ له سائل: وهو نوعان:
- النوع الأوّل: ما يتولّد من الطاهرات؛ كالنَّملِ، والنَّحلِ، والبَقِّ، والخُنفُساء، والقَمْل، والبَراغيث، ونحو ذلك؛ فهو طاهر حيًّا وميتًا؛ لقوله ﷺ: (إِذَا وَقَعَ
[ ١ / ٦٨ ]
الذُّبَابُ فِي شَرَابَ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَالأُخْرَى شِفَاءً) [رواه البخاري]؛ فلو كان وقوع الذُّباب أو موته في الماء يُنجّسه لأمر النبيُّ ﷺ بإراقته.
- النوع الثاني: ما يتولَّد من النجاسات؛ كدود الكنيف -دورة المياه- وصُراصِرِه؛ فهو نجس حيًّا وميتًا؛ لأنّه متولِّد من النجاسة؛ فكان نجسًا.
٤) بَوْلُ الآدمي وغائطُه وقَيؤُه: أمَّا نجاسة البَوْل؛ فلحديث أنس ﵁ قال: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْه) [رواه البخاري ومسلم].
وأمَّا نجاسة الغائط؛ فلحديث أنس ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ فَآتِيهِ بِالمَاءِ فَيَتَغَسَّلُ بِهِ) [رواه مسلم].
وأمَّا نجاسة القَيْءِ؛ فلأنَّ القَيْءَ عبارة عن طعام اسْتَحالَ في الجَوْف إلى الفساد؛ فأشبه الغائط.
٥) المَذْي والوَدْي: أمَّا المَذْي فهو: ماءٌ أبيض رقيقٌ لَزِجٌ يخرج عند التفكير في الجِمَاع، أو عند الملاعبة، ولا يكون دافقًا، ولا يَعْقبُه فُتور، وقد لا يشعر الإنسان بخروجه، ويكون من الرَّجُل والمرأة، إلَّا أنَّه من المرأة أكثر. ودليل نجاسته حديث عليٍّ ﵁ قال: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ) [رواه مسلم].
وأمَّا الوَدْي فهو: ماءٌ أبيض ثخينٌ يخرج بعد البَوْل، يقول ابن عبَّاس رضي الله
[ ١ / ٦٩ ]
عنهما: (المَنِيُّ وَالوَدْيُ وَالَمذْيُ؛ أَمَّا المَنِيُّ فَهُوَ الَّذِي مِنْهُ الغُسْلُ، وَأَمَّا الوَدْيُ وَالمَذْيُ فَقَالَ: اغْسِلْ ذَكَرَكَ أَوْ مَذَاكِيرَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) [رواه ابن أبي شيبة والبيهقي موقوفًا].
وأمَّا المَنِيُّ فطاهرٌ؛ لقول عائشة ﵂: (كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ فَيُصَلِّي فِيهِ) [رواه أبو داود]. لكن يُستحبُّ غَسْل رَطْبِه وفَرْكُ يابِسِه؛ لقول عائشة ﵂ أيضًا: (كُنْتُ أَفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ إِذَا كَانَ يَابِسًا، وَأَغْسِلُهُ إِذَا كَانَ رَطْبًا) [رواه الدارقطني].
٦) الخارج من الحيوان الذي حَرَّم الشرع أَكْلَه: من بَوْل، أو رَوْث، أو قَيْءٍ، أو مَذْي، أو مَنِيٍّ، أو لَبَن؛ فهو نجس؛ لحديث ابن مسعود ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَى الخَلَاءَ. فَقَالَ: ائْتِنِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَأَتَيْتُهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هِيَ رِجْسٌ) [رواه ابن ماجه].
أمَّا الخارج من الحيوان الذي يَحِلُّ أَكْلُه، ولم يكن أكثر عَلَفِهِ النجاسة، فهو طاهر؛ لقوله ﷺ: (صَلُّوا في مَرَابِضِ الغَنَمِ …) [رواه الترمذي وابن ماجه]. وقال النبيُّ ﷺ للعُرَنِيِّين: (إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا ..) [رواه البخاري ومسلم].
٧) الدَّمُ والقَيْحُ والصَّدِيد: نجس؛ لحديث أسماء ﵂ (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ؟ فَقَالَ ﷺ: حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالمَاءِ، ثُمَّ رُشِّيهِ وَصَلِّي فِيهِ) [رواه الترمذي]. فأمر النبيُّ ﷺ بغَسْل الثوب من الدَّم. والقَيحُ
[ ١ / ٧٠ ]
والصَّديدُ مثل الدَّم، إلَّا أنَّ الإمام أحمد قال: «هو أسهل».
لكن يُعفَى عن يسير الدَّم إذا كان من آدميٍّ، أو حيوان طاهرٍ في الحياة، وكذا دم الحيض والنفاس يُعفَى عن اليسير منه؛ لقول عائشة ﵂: (قَدْ كَانَ يَكُونُ لإِحْدَانَا الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ، وَفِيهِ تُصِيبُهَا الجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا) [رواه أبو داود]. وهذا يدلُّ على العفو عن اليسير؛ لأن الرِّيق لا يُطهِّره.
وكذا ما بقي في اللحم من الدم فمَعفوٌّ عنه؛ لأنَّه إنَّما حُرِّم الدَّمُ المسفوح، وهذا ليس مَسْفوحًا، وأيضًا لأنَّه يَشُقُّ التَّحرُّز منه.
* طِينُ الشَّوارع والطُّرُقات:
وأمَّا الطِّين الذي يكون في الشوارع والطُّرقات فهو طاهر حتَّى ولو ظُنَّت نجاسته؛ لأنَّ الأصل فيه الطهارة، ولأنَّ الصحابة والتابعين ﵃ كانوا يخوضون المطر في الطُّرقات ولا يغسلون أرجلهم؛ ثبت ذلك عن عمر ﵁ [رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان]، وثبت ذلك أيضًا عن عليٍّ ﵁ [رواه البيهقي في الكبرى]. وقال ابن مسعود ﵁: (كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ) [رواه أبوداود وابن ماجه].
* العَرَقُ وَالرِّيقُ:
العَرَقُ والرِّيقُ إذا خَرَجا من طاهر فهما طاهران، وإنْ خَرَجا من نجس فهما نجسان؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (… فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ
[ ١ / ٧١ ]
فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا. فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ). [رواه مسلم]. فلو كانت النخامة نجسة لما أمر النبيُّ ﷺ بمسحها في ثوبه ولا تحت قدمه وهو في الصلاة.
- ولا يُكرَه سُؤْرُ حيوان طاهر. والسُّؤْر: هو فَضْلُة طعامه وشرابه.
- وإذا أكلَ هِرٌّ ونحوه من الحيوانات الطاهرة؛ كالنِّمْس، والفَأْر، والقُنْفُذ، نجاسةً، ثمَّ شَرِب من مائع لم يضرّ؛ لعُموم البَلْوَى بذلك، ولمشقَّة التَّحرُّز.