اُبْتُليَ الإمام أحمد ﵀ كما هي سُنَّة الله الجارية في ابتلاء الصالحين، وكان بَلَاؤُه بسبب مسألة عُرفت ب «مسألة خَلْقِ القُرْآن»؛ وذلك أنَّ الناس كانوا على معتقد السلف الصالح من الصحابة ﵃ وتابعيهم في أنّ القرآن كلامُ الله ﷿ غير مخلوق؛ حتَّى ابتدعت المعتزلة -إحدى الفرق الضَّالة- هذه المقالة، وهي: أنَّ القرآن مخلوق. يقول الإمامُ الذهبيُّ ﵀: «فَإِنَّ الأُمَّةَ مَا زَالتْ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ العَظِيْمَ كَلَامُ الله تَعَالَى وَوَحْيُه وَتَنْزِيْلُه، لَا يَعْرِفُوْنَ غَيْرَ ذَلِكَ، حَتَّى نَبَغَ لَهُمُ القَوْلُ بِأَنَّهُ كَلَامُ الله مَخْلُوْقٌ مَجْعُولٌ، وَأنَّه إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى الله تَعَالَى إِضَافَةَ تَشرِيفٍ؛ كَبَيتِ الله، وَنَاقَةِ الله. فَأَنكرَ ذَلِكَ العُلَمَاءُ» (^١).
وكان الخليفة في ذلك الوقت هو المأمون العباسيُّ (عبد الله بن هارون الرشيد)،
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١١/ ٢٣٦).
[ المقدمة / ٢٠ ]
فَزيَّن له المعتزلةُ القولَ بخَلْق القرآن، وحَسَّنوه له؛ حتَّى صار إلى مقالتهم، وعزم على حَمْل الأُمَّة على هذا القول؛ فكتب إلى نائبه ببغداد -إذْ كان هو في الرّقَّة آنذاك- بامتحان العلماء عليه؛ فمن أجابه إليه نجا، ومن امتنع كان عقابه القتل،
أو الحبس، أو التعذيب؛ فعَمَّت الفتنة، وانتشر الشرُّ، وأصبحت هذه القضية هي شُغْل الدولة الشاغل، وفي ظلِّ هذه الأجواء المتوتِّرة، وتحت سياط التهديد والوعيد أجاب جُلُّ العلماء إلى هذه المقالة القبيحة مُكْرَهين، وامتنع من ذلك رجلان هما: أحمد بن حنبل، ومحمَّد بن نوح؛ فحُمِلا مُقَيَّدَين إلى الخليفة.
فأمَّا محمَّد بن نوح فمات في الطريق، وأمَّا الإمام أحمد فدَعا الله تعالى أن لا يجمع بينه وبين المأمون، فجاء الخبر بموت المأمون قبل أن يراه الإمام أحمد؛ فرجع به الحُرَّاس إلى سجنه ببغداد، وظلَّ في السجن ثمانية وعشرين شهرًا.
ثمَّ تولَّى الخلافة بعده المعتصم -محمَّد بن هارون الرشيد- ومضى على نهج سلفه في القول بخلق القرآن، وامتحان العلماء عليه، واستدعى الإمام أحمد من مَحْبَسِه، وحاول جَهْده حَمْله على القول بخلق القرآن، والإمامُ يأبَى ويمتنع؛ فأمر بجَلْدِه جَلْدًا شديدًا، حتَّى أُغْمي عليه؛ فأمر بإعادته إلى منزله، وجِرَاحُه تنزف؛ حتَّى إنَّ الأطباء كانوا يتردَّدون عليه لعلاجه؛ خوفًا من أن يموت بجراحه.
ثمَّ مات المعتصم، وتولَّى بعده الواثق -هارون بن المعتصم- والفتنة لا زالت قائمة، ثمَّ مات الواثق، وتولَّى بعده المتوكِّل -جعفر بن المعتصم-، وكان على خلاف ما كان عليه أسلافه في هذه المسألة؛ إذ أظهر السُّنَّة، ونصر أهلها، ورفع المحنة، فعمَّ الفرح أرجاء العالم الإسلامي، وأكرم المُتوكِّل الإمامَ أحمد، وعظَّمه
[ المقدمة / ٢١ ]
وبَجَّلَه، وكان لا يُولِّي أحدًا إلا بمَشُورته، ولُقِّب الإمام أحمد مِنْ يومها ب «إمام أهل السُّنَّة والجماعة»؛ لثباته على الحقِّ، وصلابته فيه.
وظلَّ الإمام أحمد مُبَجَّلًا مُكَرَّمًا، زاهدًا في الدنيا والجاه، يُعلِّم الناس، ويَرْوي لهم حديث رسول الله ﷺ حتَّى توفَّاه الله ﷿.