كان للمذهبِ وجودٌ قليلٌ فِيها، ومن ذلك الوجودِ القليلِ: الشّيخُ أَبو عَمرو عثمانُ بنُ مرزوقٍ القُرشيُّ، الفقيهُ الحنبليُّ، وكان قَدْ صحِب عبدَ الوهّابِ الجيليَّ بدمشقَ وتفقّهَ، واستوْطَنَ مصرَ، وأَقامَ بها حتّى ماتَ سنةَ (٥٦٤ هـ). وهو أوّلُ حنبليٍّ مصريٍّ يترجمُ في الحنابلةِ.
كما ذَكرُوا في ترجمةِ عبدِ الغنيِّ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ عليٍّ بنِ سرورٍ المقدسيِّ، المتوفّى سنةَ (٦٠٠ هـ): أنّه دخَل مصرَ، والإسكندريّةَ، وأَقامَ مُدّةً في مصرَ، وكان له دورٌ في اتّساعِ المذهبِ.
وانتشَر المذهبُ في مصرَ على يدِ أَحدِ علماءِ (حَجَّةَ) من أعمالِ: (نابلسَ) فِي: القدسِ الشّريفِ؛ وهُو: موفّقُ الدِّينِ أَبو محمّدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمّدٍ بنِ عبدِ الملكِ بنِ عبدِ الباقِي الحَجّاويُّ المقدسيُّ، ثمّ القاهريُّ، قاضِي قضاةِ الحنابلةِ في الدِّيارِ المصريّةِ؛ المتوفّى سنةَ (٧٦٩ هـ)؛ إذْ تولّى قضاءَ الدِّيارِ المصريّةِ للحنابلةِ سنةَ (٧٣٨ هـ)، واستمرَّ فيه إلى أَنْ ماتَ.
وكان الشّيخُ موسى الحَجّاويُّ المتوفّى سنةَ (٩٦٨ هـ) صاحبُ: «الإقناعِ» و«زادِ المستقنعِ» من ذريّةِ ابنِ عمِّ موفق الدين المسمى بالمجدِ سالمٍ، وقيل: بل من
[ المقدمة / ٢٥ ]
ذرية الموفق نفسه، وقد انتشَر المذهبُ في زمانِه، وكثُر فقهاءُ الحنابلةِ؛ حتّى غلبوا في القرنِ الحادي عشر على بعض القرى المصريّةِ؛ كقريةِ (بُهُوت)؛ القريبةِ من المحلّةِ الكبرى بمصرَ، والّتي خرج منها عددٌ من مشاهيرِ فقهاء الحنابلةِ، وعلى رأسِهم الشيخُ منصورُ بنُ إدريسَ البُهُوتيُّ المتوفّى سنة (١٠٥١ هـ)، صاحبُ «الرّوض المربع شرح زاد المستقنع»، وغيرِه من الكتبِ النّافعةِ.
ويبدو أنّ المذهبَ أخَذ يضعفُ بعد موتِ فقهائِه المشاهيرِ هُناك؛ حتّى أصبحَ في مستهلِّ القرنِ الرابعِ عشَر لا يمثّلُهُ إلّا قلّةٌ قليلةٌ، ويمثّلُه في الجامعِ الأزهرِ عددٌ يسيرٌ من الشّيوخِ والطُّلَّابِ.