اختص الله ﷾ القاضي أبا يعلى بكثير من النعم الدينية، والرتب السامية، فإمامة الفقه انتهت إليه، وكان عالم العراق في زمانه، وكان فريد دهره، وقريع عصره، لا يعرف من يتقدم عليه في علم مذهب (^٢).
فأخذ القاضي بالتقشف على نفسه، والاقتصاد في جميع أغراض حياته، فكان يترك الخبز النفيس، ويختار اليابس منه.
يحكى أنه في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة لما وقع النهب في بغداد بالجانب الغربي منها، وانتقل القاضي من درب الدبرج إلى باب البصرة، وكان في داره بدرب الدبرج خبز يابس فنقله معه، وترك نقل رحله؛ لتعذر من يحمله، واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النفيس، وكان يقتات منه ويبله بالماء، وقال: هذه الأطعمة اليوم نهوب وغصوب ولا أطعم من ذلك شيئًا. فبقى القاضي ما شاء الله أن يتقوت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلل من طعامه إلى أن نفد، ولحق
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٣٤/ ٧ - ٣٥).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨).
[ ١ / ٤٢ ]
القاضي من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض (^١). ورزق الله ﷾ القاضي أبا يعلى مع الزهد القناعة، فكان يقنع بما أعطاه الله ﷾ (^٢). وكان القاضي ﵀ لا يجزع من حوادث الدهر، فلقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثير من ذوى المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته (^٣). يقول ابنه أبو الحسين: "ومن شاهد ما كان عليه من السكينة، والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار مع السكون والسمت الصالح، والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدين والفضل ضرورة، واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة" (^٤). كان القاضي ﵀ ذا عبادة وتهجد، فكان يقسم ليله كله أقسامًا: قسمًا للمنام، وقسمًا للقيام، وقسمًا لتصنيف الحلال والحرام (^٥).
وكان القاضي ﵀ مجتهدا، دائبًا على التصنيف والتدريس (^٦)، امتدح بعض أهل العلم القاضي أبا يعلى بأبيات؛ منها:
الحنبليون قوم لا شبيه لهم … أحكامهم بكتاب الله مذ خلقوا
إن الإمام أبا يعلى فقيههم … صلى فاقتدر فلك المسطور إن فخروا
في الدين والزهد والتقوى إذا ذكروا … وبالحديث وما جاءت به النذر
حبر عروف بما يأتي وما يذر … ما نائم مثل يقظان به سهر (^٧)
_________________
(١) المرجع السابق (٢/ ٢٢٢).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٢٠٠).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٢٠٢).
(٤) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٢).
(٥) المرجع السابق.
(٦) المرجع السابق.
(٧) المرجع السابق (٢/ ٢٠٠).
[ ١ / ٤٣ ]