بين عقيدته ابنه أبو الحسين، حيث قال: الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد ومن قبله من السلف الحميد في أخبار الصفات. فاعلم زادنا الله وإياك علما ينفعنا الله به، وجعلنا ممن آثر الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة، على آراء
_________________
(١) السير (١٨/ ٩٠). الطبقات (٢/ ١٩٩).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٥).
(٣) إعلام الموقعين (٤/ ١٦٣).
[ ١ / ٣٥ ]
المتكلمين وأهواء المتكلفين. أن الذي درج عليه صالحو السلف وانتهجه بعدهم خيار الخلف: هو التمسك بكتاب الله ﷿، واتباع نبيه محمد ﷺ، ثم ما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين. والإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث، والتنفير، والتسليم لذلك من غير تعطيل، ولا تشبيه، ولا تفسير، ولا تأويل، وهي الفرقة الناجية، والجماعة العادلة، والطائفة المنصورة، إلى يوم القيامة، فهم أصحاب الحديث والأثر، والوالد السعيد تابعهم هم خلفاء الرسول، وورثة علمه، وسفرته بينه وبين أمته بهم يلحق التالي، وإليهم يرجع العالي، وهم الذين نبذهم أهل البدع والضلال، وقائلو الزور والمحال: أنهم مشبهة جهال، ونسبوهم إلى الحشو، والطغام، وأساءوا فيهم الكلام. فاعتقد الوالد السعيد وسلفه قدس الله أرواحهم، وجعل ذكرنا لهم بركة، تعود علينا في جميع ما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسول ﷺ: أن جميع ذلك صفات الله ﷿، تمر كما جاءت من غير زيادة ولا نقصان، وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن.
اعتقد الوالد السعيد، ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد لها، حقيقة في علمه، لم يطلع الباري سبحانه على كنه معرفتها أحدا من إنس ولا جان. واعتقدوا أن الكلام في الصفات، فرع الكلام في الذات، ويحتذي حذوه، ومثاله وكما جاء. وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، وكيفية هكذا، اعتقد الوالد السعيد، ومن قبله ممن سلفه من الأئمة: أن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية، والأصل الذي اعتمدوه في هذا الباب، اتباع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
[ ١ / ٣٦ ]
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١٠، ١١١].
فاعتقدوا أن الباري ﷾: فرد الذات متعدد الصفات، لا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا نظير، ولا ثاني، وسمعوا قوله ﷿: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، فآمنوا بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، تسليما للقدرة، وتصديقًا للرسل، وإيمانا بالغيب. واعتقدوا أن صفات الباري سبحانه معلومة، من حيث أعلم هو غيب من حيث انفرد، واستأثر كما أن الباري سبحانه معلوم من حيث هو مجهول ما هو.
واعتقدوا أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته، ومعانيها عن العالمين، وفارق بها سائر الموصوفين، فهم بها مؤمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون، لا يجوز عندهم ردها كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه كما حملته المشبهة، الذي أثبتوا الكيفية، ولا تأولوها على اللغات والمجازات؛ كما تأولتها الأشعرية. فالحنبلية لا يقولون في أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين مذهبهم: حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه، والأدوات، إذ لا مثل للخالق سبحانه، مشبه ولا نظير له، فيجنس منه، فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وفي رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا، علم الصلاة والزكاة، والحج، وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله، ولو تطرق إليهم والعياذ بالله التخرص بشيء منها؛ لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقلوه، وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا، وقد أجمع علماء أهل الحديث، والأشعرية منهم على قبول هذه الأحاديث، فمنهم من أقرها على ما جاءت، وهم
[ ١ / ٣٧ ]
أصحاب الحديث، ومنهم من تأولها وهم الأشعرية، وتأويلهم إياها قبول منهم لها؛ إذ لو كانت عندهم باطلة؛ لاطرحوها كما أطرحوا سائر الأخبار الباطلة. وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل، هو قول السلف بدءا وعودا.
وقد قال الوالد السعيد ﵁ في أخبار الصفات، المذهب في ذلك، قبول هذه الأحاديث، على ما جاءت به من غير عدول عنه إلى تأويل، يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شيء سواه، وكل ما يقع في الخواطر، من حد أو تشبيه أو تكييف، فالله ﷾ عن ذلك والله ليس كمثله شيء، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حدثهم، ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم، من التغير من حال إلى حال ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض وأنه لم يزل ولا يزال، وأنه الذي لا يتصور، في الأوهام، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأما كتابه قدس الله روحه، في إبطال التأويلات لأخبار الصفات، فمبني على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات، لا يقتضي تشبيه الباري سبحانه بالمخلوقات. وذكر رحمة الله عليه كلاما معناه، أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين، إما أن يكونوا هم الذين ابتدءوا الصفة لله ﷿ واخترعوها، أو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه في الأحاديث التي هم ناقلوها.
فإما أن يكون صاحب الشريعة ﷺ وهو المبتدئ بهذه الأحاديث وقوله ﷺ حجة يسقط بها ما يعارضها، وهم تبع له، ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات، ونفي التشبيه فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.
وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية، إنما يعتمدون في أصول الدين، على كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﷺ، ونحن نجد في كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات، ولا نجد فيهما ذكر التشبيه؛ فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.
[ ١ / ٣٨ ]
ومما يدل على أن تسليم الحنبلية، لأخبار الصفات من غير تأويل ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه، إجماع الطوائف من بين موافق للسنة، ومخالف، أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم، ولا جوهر، ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف، في الشاهد في أخبار الصفات.
يبين صحة هذا: أن البارئ سبحانه موصوف بأنه: حي عالم قادر مريد، والخلق موصوفون بهذه الصفات، ولم يدل الاتفاق في هذه التسمية، على الاتفاق في حقائقها، ومعانيها، هكذا القول في أخبار الصفات، ولا يلزم عند تسليمها من غير تأويل إثبات، ما يقتضيه الحد، والشاهد في معانيها.
وبهذا ونظيره استدل الوالد السعيد رحمة الله عليه في كتابه "إبطال التأويلات لأخبار الصفات". فأما الرد على المجسمة الله: فيرده الوالد السعيد بكتاب، وذكره أيضا في أثناء كتبه، فقال: لا يجوز أن يسمى الله جسما.
قال الوالد السعيد: فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم من التأليف، والانتقال: فهو كافر؛ لأنه غير عارف بالله ﷿؛ لأن الله سبحانه يستحيل وصفه بهذه الصفات، وإذا لم يعرف الله سبحانه: وجب أن يكون كافرا. وهذا الكتاب عدة أوراق. واعلم أن الله سبحانه اصطفى رسلا من خلقه؛ فبعثهم بالدعاء إليه، والصبر على ما نالهم من جهلة خلقه، وامتحنهم من المحن بصنوف من البلاء، وضروب من المحن واللأواء، وكل ذلك تكريما لهم غير تذليل، وتشريفا غير تخسير، ولا تقليل، وكان أرفع رسله عنده منزلة؛ أشدهم اجتهادا، وأخذا في إمضاء أمره، مع البلية بأهل دهره، قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧].
[ ١ / ٣٩ ]
وقال ﷿ له ﷺ ولأتباعه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وقال ﷿: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
فلم يخل جل ثناؤه أحدًا من مكرمي رسله، وأنبيائه ومقربي أصفيائه وأوليائه، من محنة في عاجلته دون آجلته، يستوجب بصبره عليها ما أعد له من الدرجات، التي قسم مصيره إليها، وجعل سبحانه علماء الأمم، الماضين خلفاء أنبيائهم المرسلين، والقوام بما جاءوا به من الدين، يرخصون عن أحكامه، ويحامون عن حدوده، وأعلامه يدفعون عنه كيد الشيطان، ويحرسونه من الترك والنسيان، لا يصدهم عن التمسك بالحق، ولا يثنيهم عن التعطف على الخلق، سوء ما به ينالون توخيا لثواب الله الذي له يطلبون، وفيه يرغبون. ثم جعل سبحانه علماء هذه الأمة، أفضل علماء الأمم قسما، وأوفرهم من الخيرات حظا، أعد لهم الكرامات، وقسم لهم المنازل والدرجات، مع ابتلائه سبحانه لمؤمنيهم بالمنافقين، ولصادقيهم بالمكذبين، ولخيارهم بالأشرار، ولصالحيهم بالفجار، وللأماثل الرفعاء بأوضع السفهاء، فلم يكن يثني العلماء ما يلقونه من الأذى، عن القيام بحقوق الله تعالى في عباده، وإظهار الحق في بلاده.
ولقد كان الوالد السعيد -نضر الله وجهه- ممن سلك به هذه الطريق، عندما ابتلي به من أذيه هذا الفريق، ومن تظاهر بإنكار البدع؛ فسبيله أن يصبر على أذية المخالفين، محتسبا عند الله ﷿ (^١).
_________________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٧ - ٢١٢).
[ ١ / ٤٠ ]
وقد ذكر شيخ الإسلام عقيدة القاضي فقال: ونوع ثالث سمعوا الأحاديث، والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار. وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك. وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله. وهؤلاء قد يدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج. ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف، وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهبًا مركبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض. وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقولهم. وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك
[ ١ / ٤١ ]
قاصرة، وإلا فمن كان عالمًا بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم (^١).
* * *