لا شك أن للبيئة أثرًا في حياة الأفراد، سواء أكانت هذه البيئة صغيرة كالأسرة، أم كبيرة كالمدينة التي فيها المولد والمنشأ، وقد كان لهاتين البيئتين أثر في تكوين شخصية القاضي.
فإذا نظرنا إلى البيئة الكبيرة التي فيها نشأ وكان فيها المولد فهي بغداد، وبغداد -آنذاك- كانت حاضرة العالم الإسلامي، ومنارة العلم، وقد نبغ فيها كثير من
_________________
(١) هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي له مصنفات كثيرة في جميع الفنون، منها تاريخ بغداد، الأمالي، وغيرها ولد سنة ٣٩٢ هـ، وتوفي سنه ٤٦٣ هـ. ينظر: تاريخ بغداد (١/ ٤)، سير أعلام النبلاء (١/ ١٢١).
(٢) عبيد الله بن أبي الفتح أحمد بن عثمان بن الفرج أبو القاسم الأزهري، كان أحد المكثرين لرواية الحديث، والجامعين له، مع صدق، وأمانة، واستقامة، وسلامة معتقد، ولد سنة خمس وخمسين وثلاث مائة، ومات سنة خمس وثلاثين وأربع مائة، عن ثمانين سنة، ينظر: طبقات الشافعيين (١/ ٣٩٥).
(٣) هو محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل أبو الحسين المعروف بابن المحاملي كان ثقة صادقًا خيرًا فاضلا ولد سنه ٣٣٢ هـ وتوفي سنه ٤٠٧ هـ، ينظر: تاريخ بغداد (١/ ٣٥١)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٩).
(٤) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦).
[ ١ / ١٧ ]
العلماء الذين صنفوا في الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والطب، والفلسفة، والتجارة، فأصبحت بغداد ذات نهضة علمية لم تكن هذه النهضة مختصة بعلمٍ دون آخر، وإنما كانت شاملة لجميع العلوم، ومن هنا صارت بغداد مركزًا للعلم، بل من أهم مراكز العلم، وملتقى للعلماء والدارسين. فهذه هي البيئة الكبيرة التي نشأ وترعرع فيها القاضي أبو يعلى وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيته العلمية.
وأما البيئة الصغرى التي نشأ فيها القاضي أبو يعلى، فهي أسرته، والقاضي من بيت علم، ودين، فوالده هو الحسين بن محمد بن أحمد الفقيه الحنفي، درس على الإمام أبي بكر الرازي (^١) مذهب أبي حنيفة حتى برع فيه، وناظر، وتكلم (^٢)، وكان لهذا الوالد الأثر الأكبر في توجيه ابنه نحو التعمق في تحصيل العلوم الإسلامية، وتكريس حياته لخدمة الدين، فوجه الوالد ابنه منذ نعومة أظفاره إلى التلقي والسماع، فكان أول سماعه للحديث سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فإذا كان مولد القاضي سنة ثمانين وثلاثمائة، فيكون سماعه للحديث حينما كان عنده خمس سنين! سمع القاضي الحديث من أبي الحسن على بن معروف (^٣)، وغيرهم. هكذا كان الوالد حريصًا على تنشئة ابنه تنشئة علمية صحيحة، لكن شاءت إرادة الله ﵎ أن يتوفى هذا الوالد في سنة تسعين وثلاثمائة، وكان سن الولد -إذ ذاك- عشر سنين إلا أيامًا (^٤).
تبين مما سبق أن القاضي ﵀ بدأ حياته العلمية وهو في سن الخامسة، وهي سن مبكرة جدًّا، وقل ما نجد أي دارس بدأ حياته وهو في هذا السن المبكر، ولكن
_________________
(١) أبو بكر أحمد بن على الرازي الحنفي المعروف بالجصاص: كان مولده في عام خمس وثلاثمائة، كان رحمة الله مع براعته في العلم ذا زُهدٍ وتعبد، وعرض عليه القضاء فامتنع. توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، تاريخ بغداد (٤/ ٣١٤).
(٢) طبقات الحنفية (١/ ٢١٨).
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) تاريخ الإسلام (٣٠/ ٤٥٦).
(٤) المراجع السابقة.
[ ١ / ١٨ ]
إن دل هذا فإنما يدل على مدى حرص والده على أن ينشأ ابنه هذه النشأة العلمية فور ما بدأ ابنه يعقل نطق الألفاظ، ويجيد السير على قدميه، ويستقل بأمور نفسه، ولم يكن حرص الوالد على تنشئة ابنه هذه التنشئة قاصرة على حياته فقط، بل إن والده -قبل وفاته- أوصى بتربيته إلى رجل صالح يعرف بالحربي (^١)، وقد كان هذا الرجل يسكن بدار القز (^٢)، فنقل القاضي من باب الطاق (^٣) الذي كان يقيم فيه مع والده إلى شارع دار القز الذي يسكنه وصيه الذي يقوم على تربيته، وكان في هذا الشارع مسجد يصلى فيه شيخ صالح يعرف بابن مفرحة (^٤) المقري، فلقن ابن مفرحة القاضي ما جرت العادة بتلقينه، لكن القاضي أراد المزيد، فقال له الشيخ: "إن أردت المزيد فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد (^٥)؛ فإنه شيخ الطائفة، ومسجده بباب الشعير" (^٦).
هذا كان الطور الأول من حياة القاضي أبي يعلى الذي حفظ فيه كتاب الله - تعالى- على يد ابن مفرحة، وتلقى وسمع أحاديث رسول الله ﷺ من أبي الحسن على بن معروف، وغيره، كما تلقى في هذا الطور من حياته عبارات من مختصر
الخرقي.
_________________
(١) لم أجد له ترجمة في ما بين يدي من كتب.
(٢) دار القز: محلة كبيرة في الجانب الغربي من بغداد تقع في طرف الصحراء، بينها وبين البلد نحو فرسخ، الأنساب (٢/ ٤٧١)، معجم البلدان (٢/ ٤٢٢).
(٣) باب الطاق: محلة كبيرة في الجانب الشرقي ببغداد، تعرف بطاق أسماء. معجم البلدان (١/ ٣٠٨).
(٤) ابن مفرحة: شيخ صالح كان يقيم بدار القز، وكان يقرئ القرآن، ويلقن من يقرأ عليه عبارات من مختصر الخرقي. طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣)، تاريخ الإسلام للذهبي (٣٠/ ٤٥٥).
(٥) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي، إمام الحنابلة، في زمانه ومدرسهم ومفتيهم له المصنفات في العلوم المختلفات له الجامع في المذهب نحوا من أربعمائة جزء وله شرح الخرقي وشرح أصول الدين وأصول الفقه. وتوفي راجعا من مكة بقرب واقصة سنة ثلاث وأربعمائة، طبقات الحنابلة (٢/ ١٧١)، المقصد الأرشد (١/ ٣١٩).
(٦) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣)، تاريخ الإسلام للذهبي (٣٠/ ٤٥٦).
[ ١ / ١٩ ]
الطور الثاني من حياة القاضي هو طور اتصاله وتلقيه على يد الشيخ أبي عبد الله بن حامد، ذاك الطور من حياته الذي كان قد رشحه للتدريس إلى جانب التحصيل، فما كاد يسافر شيخه لحج بيت الله حتى قعد مكان هذا الشيخ، ولم يعقه ذلك عن تحصيل العلم والاستمرار في الاستزادة منه، انتقل القاضي أبو يعلى من دار القز؛ حيث كان يقيم ابن مفرحة إلى باب الشعير؛ حيث كان مسجد أبي عبد الله بن بن حامد إمام الحنابلة، في زمانه، ومؤدبهم، ومدرسهم، ومفتيهم، ذاك الشيخ كانت له المصنفات المختلفة في سائر العلوم: في الفقه، والأصول، وكان من أكبر تلامذة أبي بكر غلام الخلال (^١)، صحب القاضي أبو يعلى الشيخ أبا عبد الله بن حامد، ولازمه وتفقه عليه، وكان الشيخ كثير الحج إلى بيت الله، فلما أراد الخروج إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة سأل: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: إلى هذا الفتى -وأشار إلى القاضي أبي يعلى.
انتقل القاضي أبو يعلى إلى الطور الثالث من أطوار حياته؛ وهو طور الإلقاء والتدريس، فالقدر الكبير من التحصيل مهد للقاضي الطريق إلى أن يجلس مكان أستاذه للتدريس وهو في هذه السن المبكرة. فالقاضي ﵀ أتقن العلوم الإسلامية إتقانًا كبيرًا، فكان متقدمًا على فقهاء عصره بقراءته للقرآن بالقراءات العشر، وكثرة سماعه للحديث، وعلو إسناده في المرويات (^٢)، وهذا القدر من التحصيل والإلمام جعله يتولى التدريس عند غياب شيخه بأمر منه، ولكن لما توفي شيخه كان لا بد للقاضي من الجلوس مكانه للتدريس، والإفتاء، وذاعت شهرة القاضي في الآفاق؛ فقد كان لشيخه الذي خلفه القاضي في حلقته تلامذة كثيرون، وأخذ المئات من
_________________
(١) أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد البغدادي: كان مولده سنة خمس وثمانين ومائتين، من مصنفاته: "المقنع"، و"الشافي"، "زاد المسافر". توفي لعشر بقين من شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وله ثمان وسبعون سنة. تاريخ بغداد (١٠/ ٤٥٩)، طبقات الحنابلة (٢/ ١١٩).
(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨)، تاريخ الإسلام (٣٠/ ٤٥٨).
[ ١ / ٢٠ ]
العلماء والتلامذة إلى القاضي يتوافدون مهما نَاتْ بهمُ الأسفارُ، وبَعُدَت الأقطار، يحكى ذلك ابنه حسين قائلًا: "ولقد حضر الناس مجلسه، وهو يملى حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد الله ابن إمامنا أحمد ﵁، وكان المبلغون عنه في حلقته والمستملون ثلاثة وأخبر جماعة من الفقهاء ممن حضروا الإملاء: أنهم سجدوا في حلقة الإملاء على ظهور الناس؛ لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإملاء" (^١). مما سبق يتبين أن القاضي أبا يعلى جلس مكان شيخه أبي عبد الله بن حامد، وتخرَّج على يديه تلامذة كثيرون، أصبح كل واحد منهم منارة تهدى السائرين، وكان ذلك من لطف الله وإرادته حفظ المذهب الحنبلي على يد القاضي ﵀ فالقاضي امتاز بضبط العلوم بحسن بصيرة، وإتقان، وتدقيق في الكشف عن غوامض المذهب، والبيان عن معانيه، وبلغ القاضي انغماسه في تسطير المذهب الحنبلي، وبثه، ونشره، وإذاعته أنه كان يواصل ليله بنهاره في الانشغال بذلك، فكان نهاره للناس يفتيهم ويناقشهم، أما ليله فكان يقسمه أقسامًا: قسمًا للمنام، وقسمًا للقيام، وقسمًا لتصنيف الحلال والحرام (^٢).
* * *
_________________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٨).
(٢) المرجع السابق (٢/ ٢٠٢).
[ ١ / ٢١ ]