فالدلالة على الفصل الأول - أن اسم الخمر يقع على كل مسكر -: ما روى أحمد في كتاب الأشربة رواية البغوي (^٣) عن ابن عمر (^٤) قال رسول الله ﷺ: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" (^٥).
_________________
(١) هو محمد بن حبيب أبو عبد الله البزار، سمع أحمد بن حنبل وكان من أصحابه، كتب الحديث لكنه كان يمتنع من التحديث، لحبه الستر؛ قال عنه أبو بكر الخلال إنه: "عنده عن أبي عبد الله جزء مسائل حسان"، وثقه ابن حبان، وروى له البخاري في كتاب توفي سنة: ٣٩١ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢٩٤)، تاريخ بغداد (٣/ ٨٩) خلق أفعال العباد: (١/ ٢٩).
(٢) لم أقف على هذه الرواية وينظر: الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٨)، المبدع في شرح المقنع (٧/ ٤١٦).
(٣) هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور أبو القاسم ابن بنت أحمد بن منيع بغوي الأصل ولد ببغداد سنة ثلاثة عشرة ومائتين وقيل سنة أربع عشرة. وروى عن الامام أحمد كتاب الأشربة وجزءا من الحديث وكان يقدم ذلك الجزء على كل ما سمعه تشرفا لأحمد وذكره أبو بكر الخلال فقال: له مسائل صالحة وفيه غرائب. ومات البغوي ليلة الفطر من سنة سبع عشرة وثلاثمائة ودفن بمقبرة باب التبن التي دفن بها عبد الله بن إمامنا أحمد وقد استكمل مائة سنة وثلاث سنين وشهرا واحدا وعلى الرواية الأخرى مائة وأربع سنين. طبقات الحنابلة (١/ ١٩٢) المقصد الأرشد (٢/ ٤٩).
(٤) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى كان مولده قبل الوحي بسنة لم يشهد بدرا وعرض على رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ولم يره بلغ ثم عرض عليه يوم الخندق، وهو بن خمس عشرة؛ فأجازه وكان من صالحي الصحابة وقرائهم وزهادهم، ولم يشتغل في هذه الدنيا بالصفراء ولا بالتمتع بالبيضاء، ولا ضم درهما إلى درهم، وكان من أكثرهم تتبعًا لآثار رسول الله ﷺ، وأكثرهم استعمالًا لها، اعتزل الفتن وقعد في البيت عن الناس إلا أن يخرج حاجَّا أو معتمرًا أو غازيًا إلى أن أدركته المنية على حالته تلك بمكة وهو حاج سنة (٧٣ هـ)، ودفن بها وله (٨٧ سنة). ينظر: مشاهير علماء الأمصار وأعلام فقهاء الأقطار: (ص: ٣٧)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٥) الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ١٥٥).
(٥) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (٧)، وأورده في الأشربة من طرق مختلفة بأرقام (٧٤، ٧٥، ١٨٩، ١٩٥)، وأخرجه في المسند من طرق عدة كلها عن ابن عمر بأرقام (٤٦٤٥) و(٤٨٣١) و(٤٨٦٣) و(٥٧٣٠) و(٥٧٣١)، وأخرجه مسلم بهذا اللفظ في كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام رقم (٢٠٠٣)، والنسائي في كتاب الأشربة باب الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب المسكر رقم (٥٦٩٩)، وابن ماجة في كتاب الأشربة، باب كل مسكر حرام رقم (٣٣٨٧).
[ ١ / ٦٤ ]
وهذا نص في تسمية كل مسكر خمرًا (^١).
روى أبو بكر الرازي (^٢) عن أبي الحسن الكرخي (^٣) عن أبي عون الفرائضي (^٤) قال: سمعت عباس الدوري (^٥) قال: سمعت يحيى بن معين (^٦) يقول: ثلاثة أحاديث لا تصح عن النبي ﷺ: "كل مسكر حرام" (^٧)، و"لا نكاح إلا بولي" (^٨)، و"من مس ذكره فليتوضأ" (^٩)، قال العباس فذكرته لأحمد، فقال: يصح في مس الذكر حديث
_________________
(١) الكافي في فقه أحمد (٤/ ١٠٤)، المغني (٩/ ١٦٠).
(٢) هو أحمد بن علي، المعروف بأبي بكر الرازي الجصاص، الحنفي، ورد بغداد فجد في طلب العلم على يد كبار الحنفية؛ كأبي الحسن الكرخي، وغيره، حتى صار إمام الحنفية ببغداد في عصره، له مصنفات منها: أصول الجصاص، أحكام القرآن، شرح مختصر الكرخي، وغيرها، توفي سنة (٣٧٠ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ٧٣) تاريخ الإسلام (٨/ ٣١٥)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٤٤).
(٣) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال، أبو الحسن البغدادي، الكرخي، شيخ الحنفية، وإمامهم، انتهت إليه رئاسة المذهب، وانتشرت تلامذته في البلاد، واشتهر اسمه، من كبار تلامذته أبو بكر الرازي، توفي سنة (٣٤٠ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (١٢/ ٧٤)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٢٧).
(٤) هو أحمد بن عبد الله بن أبي يزيد أبو عمرو ويعرف بأبي عون الفرائضي، حدث عن محمد بن إسحاق الصفار وطبقته، روى عنه عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا وغيره. ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ٣٧٠).
(٥) هو العباس بن محمد بن حاتم أبو الفضل الدوري مولى بني هاشم البغدادي الخوارزمي الأصل، صحب الإمام أحمد مدة، وذكره ابن حبان في جملة الثقات، توفي ببغداد سنة (٢٧١ هـ). ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٦١)، تاريخ مولد العلماء ووفياتهم: (٢/ ٥٨٩) إكمال تهذيب الكمال: (٧/ ٢١٤).
(٦) هو يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن أبو زكريا، المري، ولد سنة (١٥٨ هـ)، كان من أئمة الحديث ونقاده، وحافظا، ثبتا، متقنا، عالما بالرجال، قال فيه علي بن المديني: انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين، وروى عنه الإمام أحمد، والبخاري وأبو داود، وغيرهم، من مصنفاته: التاريخ والعلل، ومعرفة الرجال والكنى والأسماء، وكانت وفاته سنة (٢٣٣ هـ). ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٣ - ٤٠٧)، المقصد الأرشد (٣/ ١٠٣)، تاريخ بغداد (١٦/ ١٦٣ - ٢٧٥).
(٧) أخرجه الترمذي في أبواب الأشربة، باب ما جاء كل مسكر حرام رقم (١٨٦٤)، والنسائي في كتاب الأشربة، باب تحريم كل شراب أسكر رقم (٥٥٨٧)، وأحمد في المسند رقم (٤٦٤٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار رقم (٦٤٣٥)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن وقد روي عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحوه، وكلاهما صحيح، رواه غير واحد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ولا عن النبي ﷺ، نحوه، وعن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
(٨) أخرجه الترمذي في أبواب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي رقم (١١٠١)، وأحمد في المسند رقم (١٩٦١٨)، وابن حبان في صحيحه رقم (٤٠٧٥)، وقال الترمذي: وفي الباب عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، وأنس.
(٩) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر رقم (١٨١)، والترمذي في أبواب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر رقم (٨٢)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى غير واحد مثل هذا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة.
[ ١ / ٦٥ ]
مكحول (^١) عن عنبسة (^٢). قال: فجئت إلى يحيى فذكرت ذلك له فقال: مكحول لم ير عنبسة (^٣).
قيل: قوله: "لا يصح هذا الحديث" لا يقبل منه حتى يبين الوجه الذي لا يصح لأجله، وعلى أنه إن لم يصححه يحيى فقد رواه وصححه من هو أجل منه وأحفظ وهو أحمد، وصدره في أول كتاب الأشربة، فرواه في أثناء الكتاب من طرق (^٤).
فإن قيل: فيروى ذلك موقوفا على ابن عمر (^٥).
قيل: روايته مسندًا وموقوفًا تدل على قوته وتؤكد صحته؛ لأن من عنده توقيف عن النبي ﷺ يرويه مرة مسندا ومرة يفتي به (^٦).
فإن قيل: قوله: "كل مسكر خمر"، المراد به (^٧): الشدة التي يحدث عقيبها السكر فسماها خمرا على طريق التشبيه بها؛ لأنها تعمل عملها في توليد السكر وإيجاب الحد
_________________
(١) هو مكحول بن عبد الله الشامي، أبو عبد الله، الفارسي الأصل، الكابلي المولد، أقام بدمشق فكان من حفاظ الحديث، وسمع أنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، قال فيه الزهري: "العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام"، توفي سنة (١١٢ هـ). ينظر: وفيات الأعيان (٥/ ٢٨١)، الأعلام (٧/ ٢٨٤).
(٢) هو عنبسة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، أبو عامر، أخو أم حبيبة زوج النبي ﷺ وقد روى عنها، وروى عنه: مكحول، وعمرو بن أوس الثقفي الطائفي، وكان أخوه معاوية يوليه ويعتمد عليه، وآخر ما وليه إمرة مكة، وتوفي بالطائف نحوا من سنة (٥٠ هـ). ينظر: تاريخ دمشق: (٤٧/ ١٥)، الأعلام (٥/ ٩١).
(٣) ينظر: تاريخ ابن معين (٤/ ٤٣٩)، تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق (١/ ٢٧٠)، وقد ذكر هذه الرواية الذهبي ثم علق عليها بقوله: وهذا لا يثبت عن ابن معين في: تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق (١/ ٦٢)، وهذا ما قاله ابن الجوزي أيضا في التحقيق لأحاديث الخلاف (١/ ١٨٢).
(٤) انظر: كتاب الأشربة للخلال (ص ٢٧، ٢٨، ٣٣، ٣٧، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٩).
(٥) ينظر البناية (١٢/ ٣٤٦)، تبيين الحقائق (٦/ ٤٤).
(٦) ويؤيد هذا أن ابن عمر قال بعد رفعه الحديث مسندا للنبي ﷺ: ولا أعلمه إلا ما عن النبي ﷺ ". ينظر: الجمع بين الصحيحين لابن أبي نصر (٢/ ٢٤٢)، نصب الراية، (٤/ ٢٩٥).
(٧) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٢٣): اتفق علماء المسلمين أنه لا خلاف في صحة قوله ﵇: "كل مسكر خمر"، إلا أنهم اختلفوا في تأويله، فقال فقهاء الحجاز وجماعة أهل الحديث: أراد جنس ما يسكر، وقال فقهاء العراق: أراد ما يقع به السكر عندهم. قالوا كما لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل، وهذا التأويل ترده الآثار الصحاح عن النبي ﷺ وعن الصحابة الذين هم أهل اللسان.
[ ١ / ٦٦ ]
على شاربيها، وقد تحذف العرب المثل في كلامها كثيرا (^١)، قال ﵎: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ومعناه: مثل السماوات وقال الشاعر (^٢):
فعيناك عيناها وجيدك (^٣) جيدها … سوى أن عظم الساق منك دقيق
ومعناه: مثل عيناها، وجيدك مثل جيدها.
قيل: الأصل في كلامهم الحقيقة (^٤)، فيجب حمله عليه، ولا يحمل على المجاز (^٥) إلا بدليل، وليس ههنا دليل يدل على ما قاله المخالف، ويخالف هذه المواضع التي استشهدوا بها؛ لأنا نعلم أن أحدهما غير الآخر، فحملنا اللفظ على المجاز (^٦).
وجواب آخر: وهو أنه لا يصح إضمار المثل ههنا؛ لأنه قال في الخبر: " … وكل مسكر خمر حرام"، فأفاد أنه مثل الخمر في التحريم، فلو حملنا قوله: "كل مسكر خمر" على أنه مثله في التحريم أدى إلى أن يكون اللفظ مكررًا فعلم أن الأول بيان الاسم والثاني بيان الحكم (^٧).
فإن قيل: لا يجوز أن يقصد بهذا بيان الاسم؛ لأن جميع العرب في معرفة الاسم
_________________
(١) ينظر: الهداية (٤/ ٣٩٣)، العناية (١٠/ ٩٣)، البحر الرائق (٨/ ٢٤٧).
(٢) هو قول قيس بن معاذ العامري المعروف بمجنون ليلى، ونسبه إليه البغدادي في خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب (١١/ ٤٦٧)، والعكبري في شرح ديوان المتنبي (١/ ٢٤٤).
(٣) الجيد: هو العنق، وقيل: مقلده، وقيل: مقدمه، وقد غلب على عنق المرأة، وجمعه: أجياد، وجيود. والجيد، بالتحريك، طول العنق وحسنه، وقيل: دقتها مع طول؛ جيد جيدا وهو أجيد. ينظر: شمس العلوم (٢/ ١٢٢٩ - ١٢٢٣٠)، والصحاح تاج اللغة (٣/ ١٣٩)، تفسير الثعلبي (١٠/ ٣٢٨)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٤١).
(٤) الحقيقة لغة: ضد المجاز، والحقيقة أيضًا ما يحق على الرجل أن يحميه وفلان حامي الحقيقة ويقال الحقيقة الراية. الحقيقة اصطلاحا: هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له. ينظر: مختار الصحاح (١/ ١٦٧)، لسان العرب (١٠/ ٤٩)، المحصول للرازي (١/ ٣٩٧)، العدة في أصول الفقه (١/ ١٧٢).
(٥) المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، على وجه يصح مع قرينة عدم إرادة ما وضع له. ينظر: شرح الورقات (١/ ٩٧)، إعراب القرآن وبيانه (٢/ ٨٩)، روضة الناظر (١/ ٢٠٦).
(٦) ينظر: المغني (٩/ ١٦٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٠٧)، الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها، لابن قتيبة (١/ ٢٢٤).
(٧) ينظر: المغني (٩/ ١٥٨) الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٣٢٩)، المبدع (٧/ ٤١٦).
[ ١ / ٦٧ ]
سواء؛ لأنه كلامهم ولغتهم فعلم أن المراد به ما ذكرنا (^١).
قيل: يجوز تعليم الاسم منه، ويكون المقصود به: الناس فيهم الذي لم يكثر سماعه للكلام واستعماله للغة العرب أو لم يخالطهم من الفرس والعجم، ولأن الاستعمال قد يغلب على اسم النوع دون الاسم العام، فيخفى على قوم فهم الاسم العام، كما يكون للشيء الواحد أسماء كثيرة ويكون الاستعمال لبعضها، فيخفى الباقي على قوم فيهم.
وعلى أنا نرى أهل مكة في هذا الوقت يحتاجون إلى تعليم أشياء كثيرة من الأعراب وهم لا يعرفون الصواب منها وإن كان لغة العرب هو الصواب، وتراهم لا يحيطون بجميع اللغة ويحتاجون إلى تعليم كثير منها (^٢).
ويدل على صحة هذا: ما روى أبو داود بإسناده عن أبي موسى الأشعري (^٣) أنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن شراب من العسل؛ قال: "ذاك البتع (^٤) ".
قلت: [وينتبذ] (^٥) من الشعير والذرة. قال: "ذلك المزر (^٦) "، ثم قال: "أخبر قومك أن كل مسكر حرام" (^٧)، وهذا إعلام من الرسول ﷺ أنه يسمى بتعًا ومزرًا (^٨).
_________________
(١) ينظر: الهداية (٤/ ٣٩٣)، البناية (١٢/ ٣٤٤)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٨٦).
(٢) ينظر: المغني (٩/ ١٦٠)، العدة (١/ ٦٠٢)، الحاوي الكبير (١٣/ ٣٩١)، البيان (١٢/ ٥٢١).
(٣) هو عبد الله بن قيس بن سليم، من الأشعريين، ومن أهل زبيد باليمن. صحابي من الشجعان الفاتحين الولاة. قدم مكة عند ظهور الإسلام، فأسلم، وهاجر إلى الحبشة. واستعمله النبي ﷺ على زبيد وعدن. وولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة (١٧ هـ)، فافتتح أصبهان والأهواز، ولما ولي عثمان أقره عليها، ثم ولاه الكوفة. وأقره علي، ثم عزله. ثم كان أحد الحكمين بين علي ومعاوية، وبعد التحكيم رجع إلى الكوفة وتوفي بها سنة (٤٤ هـ). ينظر: الإصابة (٤/ ١٨١)، غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (١/ ٤٤٢).
(٤) البتع: نبيذ العسل ينبذ حتى يشتد. ينظر: الفائق في غريب الحديث والأثر (١/ ٧٢)، النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٢٧)، شمس العلوم (١/ ٤١٧)، لسان العرب (٨/ ٤).
(٥) في الأصل: (ينبذون)، والمثبت من السنن هو الصواب.
(٦) المزر: من البر والشعير والذرة ينبذ حتى يشتد. ينظر صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ١٥٨٦)، الفائق في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٣٨)، النهاية في الأثر (٤/ ٦٨٨).
(٧) أخرجه أبو داود في كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر رقم (٣٦٨٦)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (١٣٥٥٥)، وأصله في الصحيحين.
(٨) ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٤٢)، الحاوي (١٣/ ٣٩٤)، المجموع شرح المهذب (٥/ ٤٢٩).
[ ١ / ٦٨ ]
وجواب آخر: وهو أنه لم يكن بالمدينة جميع أنواع الخمر، وإنما كان الفضيخ (^١)، وهو كان خمرهم، فأخبرهم رسول الله ﷺ أن ما يسمونه خمرا من شرابهم الذي هو الفضيخ وسائر ما يصنع في البلاد غيرها من البتع والمزر والجعة (^٢) والسكركة (^٣) فإنها أيضا خمر وإن لم يشاهدوها ولا عادة لهم بشربها (^٤).
ويدل أيضا على أن اسم "الخمر" عام في كل مسكر: ما روى أحمد في الأشربة عن عبد الرزاق (^٥) ثنا معمر (^٦) عن يحيى بن أبي كثير (^٧) قال: حدثني [أبو] (^٨) (٧) كثير (^٩) أنه سمع
_________________
(١) الفضيخ والفضوخ: شراب يتخذ من البسر - جمع البسرة وهي ثمر النخل قبل أن يرطب - المفضوخ من غير أن تمسه النار. ينظر: الفائق في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٢٦)، النهاية في غريب الأثر (١/ ٣٩٧)، (٣/ ٨٧٥).
(٢) الجعة: شراب يتخذ من الشعير والحنطة. ينظر: لسان العرب (١٣/ ٤٨٥)، النهاية في غريب الأثر (١/ ٧٧٥).
(٣) السكركة: ضرب من الشراب يتخذه الحبش من الذرة، وهو من أنواع الخمر. ينظر: سنن أبي داود (٣/ ٣٢٨)، النهاية في غريب الأثر (٣/ ٣٣٨)، الفائق في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٦).
(٤) ينظر: الأشربة (١/ ٣٠)، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه الفضل (٣/ ١٦٦) رقم (١٥٧٨)، الإرشاد إلى سبيل الرشاد (١/ ٣٩٢).
(٥) هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، ولد سنة (١٢٦ هـ)، رحل في طلب الحديث فأكثر منه، وعرف بطول ملازمته لشيخه معمر بن راشد، وثقه علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، له مصنفات منها: المصنف، والأمالي في آثار الصحابة، وكتاب في التفسير، توفي سنة (٢٢١ هـ). ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٢٠٩)، الوافي بالوفيات (١٨/ ٢٤٤)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٦٣)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣١٠).
(٦) هو معمر بن راشد، أبو عروة الأزدي، مولاهم الإمام، الحافظ، البصري، نزيل اليمن، ولد سنة: ٩٦ هـ، وطلب العلم وهو حدث، وكان من الثقات الأثبات المتقنين، وثقه أبو حاتم الرازي، والنسائي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم سكن اليمن ومات فيها سنة (١٥٤ هـ). ينظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٤٣)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٧)، تاريخ دمشق (٥٩/ ٣٩٠).
(٧) هو يحيى بن أبي كثير، الإمام، أبو نصر، أحد الأعلام، اختلف في اسم أبيه، فقيل: صالح، وقيل: يسار، كان ثقة في الحديث، ولا يحدث إلا عن ثقة، وثقه أبو حاتم الرازي، والإمام أحمد، وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة (١٢٩ هـ). ينظر: تاريخ الإسلام (٣/ ٥٥٦)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٧)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢٦٨).
(٨) في الأصل (ابن)، والصواب هو المثبت من الأشربة (ص ٥٨).
(٩) هو أبو كثير السحيمي الغبري اليمامي، الأعمى روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وروى عن: أبيه، وأبي هريرة، وروى عنه: ابنه زفر، ويحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار، وغيرهم. قال أبو حاتم، وأبو داود والنسائي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". ينظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٢١)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٢١١).
[ ١ / ٦٩ ]
أبا هريرة (^١) يقول: قال رسول الله ﷺ: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة، والعنبة" (^٢)، وهذا نص، ولا يصح أن يحمل قوله على المجاز فيما يعمل من النخلة؛ لأنه ذكر معه العنبة.
وقد أجمعوا على أن ما يعمل من العنبة خمرا حقيقة، فيجب أن يكون ما يعمل من النخلة كذلك (^٣)، وهذا على قولهم ظاهر، فإنهم يقولون: لا يجوز أن يريد باللفظة الواحدة حقيقة ومجازًا، وذكروا هذا في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وفي غيره [النساء: ٤٣]، فسقط السؤال (^٤).
ويدل على أن الاسم عام أيضًا: ما روى أحمد في الأشربة: حدثنا أسود بن عامر (^٥) قال: ثنا إسرائيل (^٦) عن إبراهيم بن
_________________
(١) هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صغر الدوسي اليماني، صاحب رسول الله ﷺ، وحافظ الصحابة، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، قال ابن عبد البر: أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث. قال خليفة بن خياط: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين، وقيل غير ذلك. ينظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٣٦٦)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٧٦٨).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب بيان أن جميع ما ينبذ مما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرا رقم (١٩٨٥)، وأحمد في المسند رقم (٧٧٥٣)، وعبد الرزاق في مصنفه رقم (١٧٠٥٣).
(٣) ينظر: مراتب الإجماع ابن حزم (ص ١٣٦)، والاستذكار، لابن عبد البر (٨/ ٣)، المعونة على مذهب عالم المدينة (١/ ٧١٠)، الحاوي (١٣/ ٩٥)، الأشربة (١/ ٥٨).
(٤) ينظر: المعونة على مذهب عالم المدينة (١/ ٧١٠)، الحاوي (١٣/ ٩٥)، الأشربة (١/ ٥٨).
(٥) هو الأسود بن عامر شاذان، أبو عبد الرحمن، الشامي، حافظ، محدث، روى عن شعبة والحمادين والثوري والحسن بن صالح وجرير بن حازم وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل وابنا أبي شيبة وعلي بن المديني وأبو ثور وعمرو الناقد والدارمي والحارث بن أبي أسامة وغيرهم. وقال ابن المديني: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال ابن سعد: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: الثقات لابن حبان (٨/ ١٣٠)، تهذيب الكمال (٣/ ٢٢٦).
(٦) هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وروى عن زياد بن علاقة، وآدم بن علي، وآدم بن سليمان أبي يحيى، وإسماعيل السدي، وغيرهم، وروى عنه: أخوه، وحجاج الأعور، وأحمد بن خالد الوهبي، وآدم بن أبي إياس، وغيرهم، قال أحمد بن حنبل: "كان شيخنا ثقة وجعل يتعجب من حفظه". ولد سنة (١٠٠ هـ)، وتوفى سنة (١٦٠ هـ) وقيل سنة (١٦٢ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٦١).
[ ١ / ٧٠ ]
مهاجر (^١) عن عامر (^٢) عن النعمان بن بشير (^٣) يرفعه [أنه] (^٤) قال: "من الزبيب خمر، ومن التمر خمر، ومن الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن العسل خمر" (^٥).
ورواه أحمد في الأشربة لعبد الله ثنا يونس (^٦) ثنا ليث (^٧) عن يزيد بن أبي حبيب (^٨) عن
_________________
(١) هو إبراهيم بن مهاجر أبو إسحاق البجلي، ضعفه يحيى بن معين، وقال أحمد والنسائي: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كثير الخطأ، وقال سفيان: لا بأس به، توفي سنة (١٣٠ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٣/ ٣٦٨)، الضعفاء والمتروكون (١/ ٥٤)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، تهذيب التهذيب (١/ ١٦٧).
(٢) هو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، ولد في خلافة عمر سنة (٢٠ هـ)، روى عن كثير من الصحابة، فكان من كبار التابعين فقها وعلما ورواية، متفق على توثيقه، توفي سنة (١٠٤ هـ)، وقيل سنة (١٠٩ هـ). ينظر: الثقات (٥/ ١٨٥)، تاريخ بغداد (١٤/ ١٤٣)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٧١)، تهذيب التهذيب (٥/ ٦٥).
(٣) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الله: أمير، خطيب، شاعر، من أجلاء الصحابة، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، روى عن النبي ﷺ، وخاله عبد الله بن رواحة، وغيرهم، وروى عنه: ابنه محمد، ومولاه حبيب بنن سالم، وغيرهم. من أهل المدينة. له (١٣٤ حديثا). ولد في الأنصار بعد الهجرة سنة (٢) هـ)، وتوفي سنة (٦٥ هـ). ينظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٤٧) الإصابة (٨/ ٤٨٣).
(٤) سقط من الأصل، والمثبت من الأشربة.
(٥) أخرجه أحمد في الأشربة برقم (٧٢)، وأورده في المسند من طرق شتى عن النعمان بن بشير بأرقام (٥٩٩٢، ١٨٣٥٠، ١٨٤٠٧)، وأخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب الخمر من العنب برقم (٤٦١٩) عن ابن عمر، عن عمر، موقوفا بلفظ: "نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير". وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٦). أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنه خبر صحابي شهد التنزيل أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره.
(٦) هو يونس بن محمد المؤدب البغدادي روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه الإمام الحافظ، الثقة، أبو محمد البغدادي، روى عن: داود بن أبي الفرات، وشيبان النحوي، وحرب بن صفوان الكبير، وغيرهم، وروى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة. توفى سنة (٢٠٧ هـ) وقيل (٢٠٨ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، تهذيب الكمال (٣٥/ ٤٨).
(٧) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث، فقيه أهل مصر، ولد بمصر في شعبان سنة: ٩٤ هـ، وسمع علماء مصر، والحجاز، وقدم بغداد وحدث بها، قال عنه الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة (١٧٥ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٥٢٤)، طبقات الفقهاء (١/ ٧٨)، سير أعلام النبلاء (١٣٧/ ٨)، تهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٩).
(٨) هو يزيد بن أبي حبيب، أبو رجاء المصري، واسم أبيه سويد، ولد بعد سنة: ٥٠ هـ، زمن معاوية، فهو من صغار التابعين، طلب العلم، واشتغل بالحديث، وتقلد إفتاء الديار المصرية في وقته، سئل عنه أبو زرعة، فقال: "بصري ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة (١٢٨ هـ). ينظر: الثقات لابن حبان (٣/ ٢٩٥)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣١٨)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٣١).
[ ١ / ٧١ ]
خالد بن كثير الهمداني (^١) أنه حدثه أن السري بن إسماعيل الكوفي (^٢) حدثه أن الشعبي حدثه أنه سمع النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن من الحنطة خمرا، ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا" (^٣)، وهذا نص (^٤).
فإن قيل: معناه مثل الخمر (^٥).
قيل: قد سوى بين العنب وبين غيره، وقد ثبت أن ما عمل من العنب خمر حقيقة وجب أن يكون الباقي مثله؛ لأن اللفظ في الجميع واحد، وعلى أن اللفظ إذا أمكن حمله حقيقة لم يجز حمله على المجاز (^٦).
ويدل على عموم الاسم: ما روى أحمد في الأشربة: نا إسماعيل (^٧) قال: نا
_________________
(١) هو خالد بن كثير الهمداني الكوفي، روى له ابن ماجه، روى عن: عطاء بن أبي رباح، وأبي إسحاق، ويونس بن عبيد، وغيرهم، وروى عنه: يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن إسحاق، وزافر بن سليمان، وغيرهم. قال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ١١٣) تاريخ الإسلام (٣/ ٦٣٧).
(٢) هو السري بن إسماعيل الهمداني، الكوفي، ابن عم الشعبي، وروى عنه، كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، قال عنه الإمام أحمد: "ترك الناس حديثه"، وقد ضعفه غير واحد من النقاد منهم: يحيى بن سعيد القطان، يحيى بن معين، والنسائي، وابن حبان، وغيرهم. ينظر: المجروحين من المحدثين (١/ ٣٥٥)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٩)، تهذيب الكمال (١٠/ ٢٢٧).
(٣) لم أجده في الأشربة بهذا الإسناد والمتن، لكنه مثبت في المسند بهذا اللفظ برقم (١٨٤٠٧)، وهو عند الطبراني في الكبير رقم (٩٠)، والدارقطني في سننه رقم (٤٦٥١)، وهو بهذا الإسناد لا يصح إلا موقوفا من قول عمر؛ لضعف السري بن إسماعيل. قال عنه الإمام أحمد في "العلل" برواية المروذي (ص ٢٤٤): ترك الناس حديثه. وينظر أيضًا: التاريخ الأوسط، للبخاري (٢/ ٢)، تنقيح التحقيق (٥/ ٩).
(٤) ينظر: بداية المجتهد (٣/ ٢٤)، الحاوي (١٣/ ٣٩٥). وينظر أيضا: التاريخ الأوسط، للبخاري (٢/ ٢)، تنقيح التحقيق (٥/ ٩).
(٥) ينظر: رد المحتار (٦/ ٤٤٨)، تبيين الحقائق (٦/ ٤٤).
(٦) ينظر: المغني (٩/ ١٦٠)، العدة شرح العمدة (١/ ٤٨٦)، المعونة على مذهب عالم المدينة (٦/ ٤٤)، الحاوي (١٣/ ٣٩٥).
(٧) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، الأسدي، مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف: بابن علية، روى عن: حبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وحميد الطويل، وغيرهم، وروى عنه: الحسن بن عرفة، وأحمد بن حنبل، وابن راهويه، وابن المديني، وغيرهم، قال شعبة: ابن علية سيد المحدثين وريحانة الفقهاء، وقال أحمد إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. ولد سنة (١١٠ هـ)، وتوفي سنة (١٩٣ هـ). ينظر تاريخ بغداد (٧/ ١٩٦)، طبقات الحفاظ (ص ١٣٩ - ١٤٠).
[ ١ / ٧٢ ]
أبو حيان (^١) قال: نا الشعبي عن ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب على منبر المدينة فقال: "يا أيها الناس [ألا] (^٢) إنه نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" (^٣).
فإن قيل: إنما سمى ذلك خمرا على طريق التشبيه في حال إيجابه للسكر؛ يدل عليه قول عمر: "الخمر ما خامر العقل" (^٤)، ومعلوم أن القليل من النبيذ وإن كان فيه قوة الإسكار - أعني: من جنس ما يسكر كثيره - لا يخامر العقل (^٥).
قيل: حمله على طريق التشبيه عدول من الحقيقة إلى المجاز، ولأنه قد نص على التحريم، والاسم في هذه الخمسة، فامتنع أن يكون المراد به التشبيه في التحريم (^٦)، وروى أحمد في الأشربة: نا وكيع (^٧) عن سفيان (^٨) عن
_________________
(١) هو يحيى بن سعيد بن حيان، أبو حيان التيمي، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، روى عن: أبيه، وعمه يزيد بن حيان، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، والشعبي، وغيرهم، وروى عنه: أيوب السختياني، والأعمش، وشعبة، والثوري، ووهيب، وابن علية، وغيرهم. وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة صالح مبرز صاحب سنة. وقال أبو حاتم: صالح، وذكره بن حبان في "الثقات". مات سنة (١٤٥ هـ). ينظر: تاريخ الإسلام (٣/ ١٠٠٨)، تهذيب التهذيب (١١/ ٢١٤ - ٢١٥).
(٢) ساقط من الأصل، والمثبت من الأشربة.
(٣) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (١٨٥)، والبخاري في كتاب الأشربة، باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩١] رقم (٤٦١٩)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب في نزول تحريم الخمر رقم (٣٠٣٢) بلفظ مقارب.
(٤) سبق تخريجه ص ٦٣.
(٥) ينظر البناية (١٢/ ٣٤٥)، المبسوط للسرخسي (٢٤/ ٤).
(٦) ينظر: المغني (٩/ ١٦٠)، العدة شرح العمدة (١/ ٦٠١)، الحاوي (١٣/ ٣٩٥).
(٧) هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن جمجمة، وكنيته: أبو سفيان، الكوفي، واختلف في أصله، فقيل: من نيسابور، وقيل: السغد، ولد سنة (١٣٩ هـ)، سمع ابن جريج، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وغيرهم، وروى عنه: عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، ووثقه، توفي سنة (١٩٧ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (١٥/ ٦٤٧)، طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٢).
(٨) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة (روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه) وهو هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه. روى عن: أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم، وروى عنه: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وغيرهم. قال شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، وابن معين وغير واحد من العلماء سفيان أمير المؤمنين في الحديث. ولد سنة (٩٧ هـ). ومات سنة (١٦١ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩)، تهذيب التهذيب (٤/ ١١١).
[ ١ / ٧٣ ]
أبي إسحاق (^١) عن أبي فروة (^٢) قال: قال عمر بن الخطاب: "ما عتقت وخمرت فهو خمر" (^٣).
وروى أيضًا في الأشربة: نا روح (^٤) نا حماد (^٥) نا علي بن زيد (^٦) عن صفوان بن محرز (^٧) قال: سمعت أبا موسى الأشعري وهو يخطب ههنا على منبر البصرة يقول:
_________________
(١) هو عمرو بن عبد الله بن عبيد أو على أو ابن أبي شعيرة، الهمداني، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، من الوسطى من التابعين، روى له: البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه، قال عنه ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، وقال الذهبي: أحد الأعلام، وهو كالزهري في الكثرة. مات (١٣٩ هـ) وقيل قبل ذلك بـ الكوفة. ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٥٩) سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٩٢).
(٢) هو إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة المدني، الأموي، مولى عثمان، قال عنه أبو حاتم: "كان صدوقا، ولكن ذهب بصره فربما لقن، وكتبه صحيحة"، وقال مرة أنه كان: "يضطرب" وذكره ابن حبان في جملة الثقات. وقال النسائي: "متروك"، وقال الدارقطني: ضعيف، توفي سنة (٢٢٦ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٤٩)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٤٨).
(٣) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (١٩٩)، وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٢٣٧٥١) عن أبي بكر عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، قال: قال عمر: "إن هذه الأنبذة تنبذ من خمسة أشياء: من التمر، والزبيب، والعسل، والبر، والشعير، فما خمرته منها، ثم عتقته فهو خمر".
(٤) هو روح بن عبادة بن العلاء بن حسان بن عمرو بن مرثد أبو محمد القيسي من بني قيس بن ثعلبة من أنفسهم سمع: عبد الله بن عون، وعمران بن حدير، وأشعث بن عبد الملك، وسعيد بن أبي عروبة، وابن جريج والأوزاعي، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة، والحمادين، وسفيان بن عيينة. وروى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وعلي بن المديني وغيرهم وكان من أهل البصرة فقدم بغداد، وحدث بها مدة طويلة، ثم انصرف إلى البصرة فمات بها، وكان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام، وجمع التفسير. وكان ثقة. ومات سنة سبع ومائتين تاريخ بغداد (٩/ ٣٨٥)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٠٢) ..
(٥) هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة. روى عن: ثابت البناني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخالد الحذاء، وغيرهم، وروى عنه: الثوري، وشعبة، وابن المبارك، وغيرهم، وثقه ابن معين، وأحمد بن حنبل، وابن مهدي، وغيرهم، توفي سنة: ١٦٧ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب (٣/ ١١).
(٦) هو علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة، أبو الحسن البصري، أصله من مكة، روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، ولد أعمى، وكان كثير الحديث، لكنه ضعيف، ولا يحتج بحديثه، قال الإمام أحمد عنه: "ليس بالقوي"، توفي سنة (١٢٩ هـ)، وقيل سنة (١٣١ هـ). ينظر: الجرح والتعديل (٦/ ١٨٧)، تهذيب التهذيب (٧/ ٣٢٤).
(٧) هو صفوان بن محرز بن زياد المازني، ويقال الباهلي، أبو عبد الله البصري، روى عن أبي موسى وابن عمر، وغيرهما، وروى عنه: الحسن، وقتادة، ووثقه أبو حاتم، وابن حبان، توفي في ولاية عبد الملك سنة (٧٤ هـ). ينظر: الثقات، لابن حبان (٤/ ٣٨٠)، تهذيب التهذيب (٤/ ٤٣١)، طبقات الحفاظ (١/ ٢٨).
[ ١ / ٧٤ ]
"ألا إن خمر المدينة: البسر والتمر، وخمر أهل فارس: العنب، وخمر أهل اليمن: البتع، وخمر الحبشة: السكركة، وهو الأرز" (^١).
وروى أيضًا في الأشربة: نا روح ومحمد بن [أبي] (^٢) بكر (^٣) قالا: نا سعيد (^٤) عن قتادة (^٥) عن أنس (^٦) قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا دجانة في رهط من الأنصار فدخل علينا داخل فقال: حدث خبر: نزل تحريم الخمر [قال] (^٧): "فأكفأتها، وما هي يومئذ إلا الفضيخ: خليط البسر والتمر"، قال أنس: " [وقد] (^٨) حرمت الخمر وإن عامة خمورهم يومئذ [الفضيخ] (^٩) البسر والتمر" (^١٠).
_________________
(١) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (٢٢٥)، وأورد هذا الأثر البيهقي في السنن الكبرى برقم (١٧٣٨٧) من طريق حجاج ومحمد بن كثير عن حماد بن سلمة به.
(٢) بدونها في الأصل، والمثبت من الأشربة (ص ٧٠).
(٣) هو محمد بن بكر بن عثمان البرساني، أبو عثمان ويقال أبو عبد الله البصرى (وبرسان من الأزد)، من صغار أتباع التابعين، روى له البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه، قال ابن حجر: صدوق قد يخطئ، وقال الذهبي: ثقة صاحب حديث. مات سنة (٢٠٣ هـ) بالبصرة. ينظر: التاريخ الكبير (١/ ٤٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٢١).
(٤) هو سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي، أبو النضر، البصري، الإمام الحافظ، حدث عن الحسن، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وغيرهم، وعنه ابن علية، وغندر، ويحيى بن سعيد، وروح بن عبادة، وغيرهم، وثقه يحيى بن معين، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأحمد بن حنبل، توفي سنة (١٥٦ هـ). ينظر: الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٦)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٣٣)، تهذيب التهذيب (٤/ ٦٣).
(٥) هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، أبو الخطاب، ولد سنة (٦٠ هـ)، وكان أعمى، روى عن كبار الصحاب، وكان ثقة، قال عنه سعيد بن المسيب: "ما أتاني عراقى أحفظ من قتادة"، توفي بواسط في الطاعون سنة (١١٧ هـ). ينظر: الجرح والتعديل (٧/ ١٣٣ - ١٣٥)، طبقات الفقهاء (١/ ٨٩)، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥١ - ٣٥٧).
(٦) هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، خدمه عشر سنين إلى أن قبض. ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات بها سنة (٩٢ هـ) وقيل (٩٣ هـ)، وقد جاوز (١٠٠ سنة) وهو آخر من مات بها من الصحابة. له في الصحيحين ٢٢٨٦ حديثا. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (١/ ١٠٩)، الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ١٢٦).
(٧) بدونها في الأصل، والمثبت من الأشربة (ص ٧٠).
(٨) في الأصل (ولقد)، والمثبت من الأشربة.
(٩) في الأصل (الفصخ)، والمثبت من الأشربة.
(١٠) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (١٨٧)، وأخرج هذا الأثر البخاري في كتاب الأشربة، باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر رقم (٥٥٨٤) بلفظ مقارب، ومسلم بنحوه في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر رقم (١٩٨٠)، والنسائي في كتاب الأشربة، باب ذكر الشراب الذي أهريق بتحريم الخمر رقم (٥٥٤٢).
[ ١ / ٧٥ ]
وروى أيضًا في الأشربة: نا ابن إدريس (^١) قال: سمعت مختار بن فلفل (^٢) [قال] (^٣) قال أنس: "الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة، وما خمرت فهو [الخمر] (^٤) " (^٥)، وهذا كله يدل على عموم الاسم (^٦).
ويدل عليه أيضًا: ما روى أبو إسحاق الزجاج (^٧) في كتابه: الخمر في اللغة ما ستر على العقل، ويقال: لكل ما ستر الإنسان خمر، ويقال: دخل فلان في خمار الناس. أي: في [الكثير] (^٨) الذي يستتر فيهم، وخمار المرأة قناعها، وإنما قيل له: خمار؛ لأنه يغطي، والخمرة التي يسجد عليها؛ إنما سميت بذلك لأنها تستر الوجه عن الأرض، وقيل: للعجين قد اختمر؛ [لأن] (^٩) فطرته قد غطاها الاختمار (^١٠).
_________________
(١) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودى الزعافرى، أبو محمد الكوفى من الوسطى من أتباع التابعين، روى له البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه، قال ابن حجر: ثقة فقيه عابد. قال الذهبي: أحد الأعلام. توفي سنة (١٩٢ هـ). ينظر: التاريخ الكبير (٥/ ٤٧)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٢).
(٢) هو مختار بن فلفل من موالى عمرو بن حريث، كوفى، روى عن أنس، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما، وروى عنه: سفيان الثوري، وغيره، وكان ثقة فاضلا، وثقه يحيى بن معين، والإمام أحمد، وابن أبي حاتم. ينظر: الجرح والتعديل (٨/ ٣١٠)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٦٩).
(٣) بدونها في الأصل، والمثبت من الأشربة (ص ٧١) رقم (١٩١).
(٤) في الأصل (خمر)، والمثبت من الأشربة.
(٥) أخرجه أحمد في الأشربة وفيه زيادة: (من ذلك) رقم (١٩١)، وأخرجه النسائي في كتاب الأشربة، باب المزفتة رقم (٥٦٤٢) وأبو يعلى في مسنده رقم (٣٩٥٤)، (٣٩٦٦) من طريق عبد الله بن إدريس بهذا الإسناد. واقتصر النسائي وأبو يعلى في الموضع الأول على الفقرة الأولى منه، ورواية النسائي أخصر، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٤/ ٣٥٠): في الصحيح طرف منه، وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب رواه النسائي.
(٦) ينظر: المغني (٩/ ١٦٠)، العدة شرح العمدة (١/ ٦٠١)، الإنصاف (١٠/ ٢٢٨).
(٧) هو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، ولد ببغداد سنة (٢٤١ هـ)، سمي بالزجاج؛ لأنه كان في فتوته يخرط الزجاج، ثم تعلم النحو على يد المبرد فأصبح عالما بالنحو واللغة، وله مصنفات منها: معاني القرآن وتفسير أسماء الله الحسنى، توفي سنة (٣١١ هـ). ينظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦١٣)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٥).
(٨) في الأصل (الكثر)، والمثبت من معاني القرآن للزجاج (١/ ٢٩١).
(٩) في الأصل بدونها، ولا يستقيم المعنى إلا بها، وهي مثبتة في معاني القرآن.
(١٠) ينظر: معاني القرآن، وإعرابه، للزجاج (١/ ٢٩١).
[ ١ / ٧٦ ]
ويوضح ما قاله أبو إسحاق (^١) قول عمر: "الخمر ما خامر العقل" (^٢)، وهذا كله يدل على أن اسم "الخمر" يقع على الجميع، وإذا ثبت أن اسم الخمر يتناولها حرمت بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فأمر باجتنابه (^٣).
واحتج المخالف على هذا الفصل بأن اسم الخمر يتناول ماء العنب - أعني: المشتد حقيقة - وغيرها من الأنبذة مجازا، ألا ترى أنه يجوز أن يقال: نبيذ التمر والزبيب ليس بخمر، فلو كان اسما لها حقيقة لما جاز أن ينتفي عنه بحال؛ لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال (^٤).
والجواب: أنا لا نسلم أنه يصح نفي الاسم عنه، ومن نفى اسم الخمر عن النبيذ كان بمنزلة من قال: ليس هذا بضرب، وإنما هو سفع (^٥) أو نخس (^٦) أو لكز أو لكم (^٧)، وكل جواب للمخالف عنه فهو جوابنا عنه (^٨).
واحتج: بما روى أبو سعيد الخدري (^٩) قال: أتي رسول الله ﷺ بنشوان فقال له: "أشربت خمرا؟ " فقال: والله ما شربتها منذ حرمها الله تعالى ورسوله، قال: "فماذا
_________________
(١) سبقت ترجمته ص ٧١.
(٢) سبق تخريجه ص ٦٣.
(٣) ينظر: المغني (٩/ ١٦٠)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٨).
(٤) ينظر: البناية (١٢/ ٣٤٥)، رد المحتار (٤/ ٣٨).
(٥) السفع: اللطح باليد، فإذا بسط الضارب يده فضرب بها القفا، فهو الصفع بالصاد. ينظر: تهذيب اللغة (٢/ ٢٨).
(٦) النخس: الدفع والحركة. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٣٢).
(٧) اللكز: الوجء في الصدر بجمع اليد، وفي الحنك .. رجل ملكز مدفع. لكيز: حي من عبد القيس، لزك: لزك الجرح لزكا، إذا استوى نبات لحمه، ولما يبرأ بعد. ينظر: العين للخليل بن أحمد (٥/ ٣٢١)، ومعجم ديوان العرب للفارابي (١/ ١١٣).
(٨) ينظر: الكافي في فقه أحمد (٤/ ١٠٤)، المغني (٩/ ١٦٠)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٨).
(٩) هو سعيد بن مالك بن سنان، أنصاري، مدني، من صغار الصحابة وخيارهم، كان من المكثرين للرواية عن النبي ﷺ، فقيها مجتهدًا مفتيًا ممن بايعوا رسول الله ﷺ وممن لا تأخذهم في الله لومة لائم، شهد معه الخندق وما بعدها. توفي سنة (٧٤ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٨)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٧٩).
[ ١ / ٧٧ ]
شربت؟ " قال: الخليطين، قال: "فحرم رسول الله ﷺ الخليطين يومئذ" (^١)، فنفى الشارب اسم الخمر عن الخليطين ولم ينكره النبي ﷺ، ولو كان خمرا لأنكره وما أقره على نفي هذا الاسم عنه (^٢).
والجواب: أن هذا الخبر غير معروف، ولا هو في كتاب الأشربة، ولأنه لا يجوز أن تترك الأحاديث الصحيحة الثابتة لذلك (^٣).
وجواب آخر: وهو أنه ليس في هذا الخبر جواب النبي ﷺ له عما قاله، فيحتمل أن يكون قد قال له: "كل مسكر خمر" (^٤)، كما رواه ابن عمر، ولم ينقله الراوي لشهرته (^٥).
واحتج: بما روي عن ابن عباس (^٦) أنه قال: "حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب" (^٧)، وروي مرفوعًا، فاقتضى هذا القول نفي اسم الخمر عما عدا ماء العنب -
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، والمثبت من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده رقم (١١٢٩٧)، ولفظه: أتي رسول الله ﷺ برجل نشوان، فقال: إني لم أشرب خمرا، إنما شربت زبيبًا وتمرًا في دباءة، قال: "فأمر به فنهز بالأيدي وخفق بالنعال، ونهى عن الدباء، ونهى عن الزبيب والتمر" يعني أن يخلطا. وأخرجه بنحوه النسائي في الكبرى رقم (٥٢٧٣)، والبيهقي في الكبرى رقم (١٧٥٢٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٥٦). وأخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ٤١٦) برقم (٨١٢٩)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) المعتصر من المختصر (١/ ٩١)، الحاوي (١٣/ ٣٨٩).
(٣) المغني (٩/ ١٦٠)، الحاوي (١٣/ ٤٠٤)، المبدع (٧/ ٤١٦).
(٤) سبق تخريجه ص ٦٤.
(٥) المغني (٩/ ١٦٠)، الحاوي (١٣/ ٤٠٤)، المبدع (٧/ ٤١٦).
(٦) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، قرشي هاشمي، حبر الأمة وترجمان القرآن، أسلم صغيرا ولازم النبي ﷺ بعد الفتح، وروى عنه، كان الخلفاء يجلونه، شهد مع علي الجمل وصفين، وكف بصره في آخر عمره، كان يجلس للعلم، فيجعل يوما للفقه، ويوما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لوقائع العرب. توفي بالطائف سنة (٦٨ هـ). ينظر: الإصابة (٤/ ١٢١) الطبقات الكبرى (١/ ٢٠٤).
(٧) أخرجه النسائي في كتاب الأشربة، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر رقم (٥٦٨٥)، والطبراني في المعجم الكبير رقم (١٣٣٨٩)، واللفظ لهما، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٢٤٠٦٧)، والبزار في مسنده رقم (٤٨١٧)، والدارقطني في سننه رقم (٤٦٦٦). وقال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٥/ ٧٧): رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح، وقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٣٠٧): أخرجه النسائي في سننه موقوفا على ابن عباس من طرق فأخرجه عن ابن شبرمة عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس، =
[ ١ / ٧٨ ]
أعني: المشتد - من الأشربة المسكرة (^١).
والجواب: أن أحمد روى هذا الحديث عن هشيم (^٢) نا ابن شبرمة (^٣). عن عبد الله بن شداد (^٤) قال لي (^٥): إن ابن شبرمة لم يسمع من عبد الله بن شداد شيئًا (^٦)، وهذا يدل على أنه مرسل، وإذا كان مرسلًا لم يعارض قول الجماعة الذين روينا عنهم بالإسناد المتصل (^٧).
وجواب آخر، وهو أن أحمد روى في الأشربة عن [محبوب] (^٨) (^٩)
_________________
(١) = أنه قال: "حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب"، قال النسائي: وابن شبرمة لم يسمعه من ابن شداد، ثم أخرجه عن هشيم عن ابن شبرمة، حدثني الثقة عن ابن شداد عن ابن عباس، قال: "حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب"، وقال: هشيم بن بشير كان يدلس، وليس في حديثه ذكر السماع من ابن شبرمة، ثم أخرجه عن أبي عون عن ابن شداد عن ابن عباس، قال: "حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب"، وفي لفظ: "وما أسكر من كل شراب"، وقال هذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة.
(٢) تحفة الفقهاء (٣/ ٣٢٦)، بدائع الصنائع (٥/ ١١٣)، الاختيار (٤/ ٩٨).
(٣) هو هشيم بن بشير السلمي الواسطي، أبو معاوية، ولد سنة: ١٠٤ هـ، وهو من الثقات المشهود لهم، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وسئل أبو زرعة عن جرير وهشيم فقال: "هشيم أحفظ"، توفي سنة (١٨٣ هـ) ببغداد. ينظر الجرح والتعديل (٩/ ١١٦)، تهذيب التهذيب (١١/ ٦٤).
(٤) هو عبد الله بن شبرمة بن حسان بن حسان الضبي، أبو شبرمة الكوفي، ولد سنة (٢ هـ)، كان قاضيا فقيها، وثقه الإمام أحمد، وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم، توفي سنة (١٤٤ هـ). ينظر: الجرح والتعديل (٥/ ٨٢)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٥١).
(٥) هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي المدني، أبو الوليد، من كبار التابعين الثقات، وثقه أبو زرعة، والنسائي، وابن حجر، وغيرهم، وقال صاحب السير: "لا نزاع في ثقته"، توفي سنة (٨٢ هـ). ينظر: الجرح والتعديل (٥/ ٨٠)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٥١)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٨).
(٦) المتحدث هنا هو عبد الله بن أحمد بن حنبل يروي هذا القول عن أبيه.
(٧) ينظر العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (١/ ٣٧٦)، وكذلك قال النسائي في سننه الكبرى (٥/ ١٠٧).
(٨) المغني (٩/ ١٦٠)، المبدع (٧/ ٤١٦)، الحاوي (١٣/ ٤٠٢).
(٩) في الأصل (محمود)، وما أثبته في الأشربة (ص ٦٣).
(١٠) هو محبوب بن الحسن بن هلال بن أبي زينب القرشي، وقيل: اسمه محمد، روى عنه الإمام أحمد وقال فيه: "ما أراه إلا كان صدوقا"، وقال يحيى بن معين: "ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "ليس بقوى"، وقال النسائي: ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات، توفي ما بين سنة (٢٠١ هـ، ٢١٠ هـ). ينظر: الجرح والتعديل (٨/ ٣٨٩)، الثقات (٧/ ٥٢٩)، سؤالات أبي داود للإمام أحمد بن حنبل في جرح الرواة وتعديلهم (ص ٣٤٤)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٤٢).
[ ١ / ٧٩ ]
قال: نا خالد (^١) عن عكرمة (^٢) عن ابن عباس قال: "حرمت الخمر، وهي الفضيخ" (^٣)، وروى أيضًا عن يحيى بن سعيد (^٤) عن عثمان الشحام (^٥) قال: نا عكرمة عن ابن عباس قال: "كانت خمرهم يومئذ، يعني: الفضيخ" (^٦)، وهذا يعارض ما ذكروه، وإذا تعارضت الروايات عنه لم يجز الاحتجاج بقوله (^٧).
واحتج: بما روى نافع (^٨) عن ابن عمر قال: "حرمت الخمر، وما بالمدينة منها
_________________
(١) هو خالد بن مهران أبو المنازل البصري الحذاء الإمام، الحافظ، الثقة، أبو المنازل البصري، المشهور: بالحذاء، أحد الأعلام، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، روى عن: أبي عثمان النهدي، وعبد الله بن شقيق، وعبد الرحمن بن أبي بكرة، وعكرمة، وغيرهم، وروى عنه: محمد بن سيرين، وأبو إسحاق الفزاري، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين: ثقة، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به توفي سنة (١٤١ هـ أو ١٤٢ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٩٠)، تهذيب التهذيب (٣/ ١٢٠).
(٢) هو عكرمة البربري، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس، روى عن مولاه وعن علي بن أبي طالب وغيرهما، وقد أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديثة؛ كأحمد بن حنبل وابن راهويه ويحيى بن معين وغيرهم، توفي سنة (١٠٤ هـ). ينظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٢٧٣)، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٧/ ٧).
(٣) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (١٦١).
(٤) هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان، أبو سعيد الأحول، البصري، ولد سنة (١٢٠ هـ)، بلغ في حفظ الحديث ونقده شأوا عظيما حتى لقب بأمير المؤمنين في الحديث، قال عنه ابن حبان: "هو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث عن النقل وترك الضعفاء"، وروى عنه كبار الأئمة كأحمد حنبل ويحيى بن معين، وغيرهما، قال أحمد بن حنبل: "ما رأيت بعيني مثل يحيى القطان"، توفي سنة (١٩٨ هـ). ينظر: الثقات لابن حبان (٧/ ٦١٢)، تاريخ بغداد (١٦/ ٢٠٣ - ٢١٥)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٥٧٩ - ٥٨٥).
(٥) هو عثمان الشحام العدوي، أبو سلمة البصري، يقال: اسم أبيه عبد الله، وقيل: ميمون، من الثقات، وثقه ابن معين وأبو زرعة، والإمام أحمد، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسا، وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: الثقات، لابن حبان (٧/ ١٩٧)، الجرح والتعديل (٦/ ١٧٣)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٦١).
(٦) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (١٨٣)، وأخرجه أبو الفضل البغدادي في كتابه "حديث الزهري" رقم (٢٠٥)، قال في مجمع الزوائد (٥/ ٥٥): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٧) المغني (٩/ ١٦٠)، المبدع (٧/ ٤١٦)، المبسوط، للشيباني (٣/ ٩٨)، المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٦٧).
(٨) هو نافع مولى عبد الله بن عمر، أبو عبد الله، أصابه ابن عمر في بعض غزواته، روى عن: ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعائشة ﵂، وكان ثقة كثير الحديث، وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، توفي سنة (١٩ هـ). ينظر: الجرح والتعديل (٨/ ٤٥٢)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٤١٤).
[ ١ / ٨٠ ]
شيء" (^١)، ومعلوم أن سائر الأنبذة من التمر والبسر قد كانت موجودة بالمدينة في حال تحريم الخمر، وقد نفى ابن عمر اسم الخمر عنها (^٢).
والجواب: أنه ذكر ذلك إنكارًا على من قال: لا يكون الخمر إلا من عصير العنب كما قال مخالفنا، فكأنه قال: حرمت الخمر وما بالمدينة من خمر العنب شيء (^٣).
والذي يبين صحة هذا: أنه لا يصح أن يأمرهم بالاجتناب والانتهاء إلا فيما يشربونه، فعلم أن الاسم يقع على ذلك الذي نهاهم عنه (^٤)، والذي يدل على صحة هذا التأويل شيئان:
أحدهما: أن ابن عمر روى الحديث عن النبي ﷺ، قال: "كل مسكر خمر" (^٥).
والثاني: ما روى أحمد في الأشربة عن محمد بن جعفر (^٦) نا شعبة (^٧) عن عبد الله بن أبي السفر (^٨) عن الشعبي عن ابن عمر قال: "الخمر من خمسة: من الزبيب، والتمر، والشعير، والبر والعسل" (^٩). وروى أيضًا في الأشربة عن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأشربة باب الخمر من العنب رقم (٥٥٧٩).
(٢) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ١٤٧)، الهداية (٤/ ٣٩٧)، العناية شرح الهداية (١٠/ ٩٥)، مجمع الأنهر (٢/ ٥٧١).
(٣) ينظر: العدة (١/ ٦٠١)، المبدع (٧/ ٤١٦)، الحاوي، (١٣/ ٣٩٠)، منح الجليل (٩/ ٣٤٩).
(٤) ينظر: العدة (١/ ٦٠١)، المبدع (٧/ ٤١٦)، الحاوي (١٣/ ٣٩٠)، منح الجليل (٩/ ٣٤٩).
(٥) سبق تخريجه ٦٤.
(٦) هو محمد بن جعفر أبو عبد الله البصري الكرابيسي، يقال له: غندر، أحد الحفاظ الأعلام، لزم شعبة عشرين سنة، قال يحيى بن معين: كان أصح الناس كتابا، وثقه ابن حبان، وابن معين، وقال أبو حاتم "كان غندر صدوقا مؤديا، وفي حديث شعبة ثقة"، توفي سنة (١٩٣ هـ). ينظر: التاريخ الكبير (١/ ٥٧)، تاريخ الإسلام (٤/ ١١٨٨)، تهذيب التهذيب (٩/ ٩٦).
(٧) هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الواسطي، ثم البصري، أبو بسطام، ولد سنة (٨٣ هـ) بواسط، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش عن الرجال في العراق، قال الحاكم: "شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبصرة"، توفي سنة (١٦٠ هـ). ينظر: الثقات لابن حبان (٦/ ٤٤٦)، تاريخ بغداد (١٠/ ٣٥٣)، تهذيب التهذيب (٤/ ٣٣٨ - ٣٤٦).
(٨) عبد الله بن أبي السفر: هو عبد الله بن أبي السفر الثوري الكوفي، وثقه أحمد بن حنبل وابن معين والنسائي وابن حبان، مات في خلافة مروان بن محمد. ينظر: الثقات للعجلي (٢/ ٣٢)، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٥/ ٧٢)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٤٠).
(٩) سبق تخريجه ص ٧٠.
[ ١ / ٨١ ]
جرير (^١) عن ليث (^٢) عن حرب (^٣) عن سعيد بن جبير (^٤) قال: سئل ابن عمر عن نبيذ الزبيب الذي يعتق العشر والشهر، فقال: "الخمر اجتنبوها" (^٥).
وروى أيضًا في الأشربة: عن محمد بن فضيل (^٦) عن يزيد [بن أبي زياد] (^٧) عن
_________________
(١) هو جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد الله الرازي الكوفى القاضي (نزل الري، وولى قضائها)، من الوسطى من أتباع التابعين، روى له البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه، قال ابن حجر: ثقة صحيح الكتاب. توفي سنة (١٨٨ هـ). ينظر: التاريخ الكبير (٢/ ٢١٤)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٩).
(٢) هو الليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي، أبو بكر ويقال أبو بكير، الكوفي، من الذين عاصروا صغار التابعين، روى له البخاري تعليقًا - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه، قال ابن حجر: صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك، وقال الذهبي: فيه ضعف يسير من سوء حفظه، بعضهم احتج به، توفي سنة (١٤٨ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٧٩)، طبقات المدلسين (ص: ٦٥).
(٣) هو سماك بن حرب بن أوس الذهلي البكري ابن خالد بن نزار بن معاوية بن حارثة، الحافظ، الإمام الكبير (روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه). روى عن: جابر بن سمرة، والنعمان بن بشير، وأنس بن مالك ﵃، وغيرهم، روى عنه: ابنه سعيد، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو الأحوص، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وكان شعبة يضعفه، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، ثقة. مات سنة (١٢٣ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٤٥)، تهذيب التهذيب (٤/ ٢٣٢)، تهذيب الكمال (١٢/ ١١٥ - ١١٧).
(٤) هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، مولاهم. كوفي. من كبار التابعين. أخذ عن أبيه وغيرهما من الصحابة. خرج على الأمويين مع ابن الأشعث؛ فظفر به الحجاج فقتله صبرا. مات سنة (٥٩ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١)، تهذيب التهذيب (٤/ ١١ - ١٤).
(٥) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (١٢٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٢٣٨٤١) من طريق حفص بن غياث عن ليث به بلفظ: أنه سئل عن نقيع الزبيب؟ فقال: "الخمر، اجتنبوها".
(٦) هو محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن، الضبي مولاهم الكوفي، قال عنه أحمد - وهو ممن روى عنه -: "كان يتشيع، وكان حسن الحديث"، ووثقه ابن معين وابن المديني، وقال أبو زرعة: "صدوق من أهل العلم"، توفي سنة (١٩٥ هـ). ينظر: تهذيب التهذيب (٩/ ٤٠٥، ٤٠٦)، طبقات الحفاظ (١/ ١٣٦).
(٧) هذا خطأ: يزيد بن إبراهيم والصحيح ما أثبت كما في الأشربة رقم (١٣٨)، (٢٠٠). وهو يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفى، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، من صغار التابعين، روى له البخاري تعليقا - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه، قال ابن حجر: ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيا، وقال الذهبي: صدوق عالم فهم شيعي، رديء الحفظ لم يترك، توفي سنة (١٣٦ هـ أو ١٣٧ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٢٩)، الكواكب النيرات (ص ٥٠٩).
[ ١ / ٨٢ ]
مجاهد (^١) قال: سألت ابن عمر عن الفضيخ فقال: وما الفضيخ؟ [قال] (^٢): ذاك الفضوخ، وقال ابن عمر: "حرمت الخمر وعامة شراب الناس هذا الذي يقولون" (^٣)، وهذا يدل على تعارض الرواية عنه (^٤).
واحتج: بما قال أبو الأسود الديلي (^٥):
دع الخمر تشربها الغواة … فإنني رأيت أخاها مغنيا بمكانها
فإلا يكنها، أو تكنه، فإنه … أخوها غذته أمه بلبانها (^٦)
فسمى النبيذ أخا الخمر وأخبر أنه ليس هي، ثم لم يقتصر على ذلك حتى نفى الاسم عنه بصريح القول، فقال: " [فإلا] (^٧) يكنها أو تكنه" فصح بذلك جواز نفي اسم الخمر عن هذه الأشربة (^٨).
_________________
(١) هو مجاهد بن جبر مولى عبد الله بن السائب، أبو الحجاج، المكي، ولد في خلافة عمر سنة (٢١ هـ)، لزم ابن عباس مدة طويلة، وروى عن جماعة من الصحابة، وكان فقيها، عابدا، ورعا، متقنا، قارئا، عالما بالتفسير، وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة، مات بمكة وهو ساجد سنة (١٠٣ هـ). ينظر: الثقات لابن حبان (٥/ ٤١٩)، الجرح والتعديل (٨/ ٣١٩)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٥٠)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٢).
(٢) في الأصل بدونها، والمثبت من الأشربة (ص ٥٨).
(٣) أخرجه أحمد في الأشربة رقم (١٤٠)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير رقم (١٣٤٩١) بإسناده عن ابن عمر أن رجلا سأله عن الفضيح، فقال: وما الفضيخ؟ قال بسر، وتمر. قال: "ذاك الفضوخ، لقد حرمت الخمر وهو شرابنا"، وأخرجه البخاري في كتاب الأشربة باب الخمر من العنب بلفظ قال لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء"، رقم (٥٥٧٩).
(٤) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه الفضل (٣/ ١٦٦)، المبدع (٧/ ٤١٦)، الحاوي (١٣/ ٣٩٤)، منح الجليل (٩/ ٣٤٩).
(٥) هو أبو الأسود الديلي، ويقال: الدولي البصري القاضي، الشاعر، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه، فقيل: ظالم، وقيل: ابن عمرو بن سفيان، وقيل: عمرو بن عثمان، وقيل: عثمان بن عمرو، روى عن عمر وعلي ومعاذ وغيرهم، وروى عنه ابنه أبو حرب، وعبد الله بن بريدة، ويحيى بن يعمر، وثقه ابن معين وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة (٦٩ هـ). ينظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ١٣)، تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٧).
(٦) انظر البيتين في: كتاب سيبويه (١/ ٤٦)، أدب الكاتب، لابن قتيبة ص ٤٠٧، وخزانة الأدب (٥/ ٣٢٧)، ومختار الصحاح، للرازي (ص ٢٧٥).
(٧) في الأصل (فإن لا)، والمثبت هو الصواب.
(٨) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (٢/ ٧٥٩)، البناية (١٢/ ٣٤٧).
[ ١ / ٨٣ ]
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن أبا إسحاق الزجاج قال في معاني القرآن: قيل لأبي الأسود: إن هذا المسكر الذي يسمونه بغير اسم الخمر حلال، فظن ذلك كما قيل له، فقال: هذا الشعر، ثم رده طبعه إلى أن حكم بأنهما واحد (^١)، وكان هذا الشعر حجة على المخالف؛ لأنه حكم بأنهما واحد (^٢).
وجواب آخر، وهو: أن عبيد بن الأبرص (^٣) قال مثل قولنا وهو أقدم من أبي الأسود وأحج في اللغة، فقال:
هي الخمر يا قوم تكنى الطلا … كما الذيب يكنى أبا جعد (^٤)
والطلا هو: المطبوخ، فأخبر ابن الأبرص أن الطلا خمر.
ولأنا قد حكينا قول الزجاج في اشتقاق الخمر، وأن الخمر في اللغة ما [ستر] (^٥) على العقل (^٦).
وجواب آخر، وهو: أنا قد روينا عن النبي ﷺ وعن عمر، وأبي موسى (^٧)، وسائر الأمصار الذين كانوا في بيت أبي طلحة (^٨) تسمية الفضيخ خمرا، وقولهم في الاسم مقدم
_________________
(١) ينظر: معاني القرآن (١/ ٢٩١).
(٢) ينظر: معاني القرآن (١/ ٢٩١)، الحاوي (١٣/ ٣٩٠)، الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها (١/ ٢٣٨).
(٣) عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم الأسدي، أبو زياد، من مضر، شاعر من دهاة الجاهلية وحكمائها، وهو أحد أصحاب المجمهرات المعدودة طبقة ثانية عن المعلقات. عاصر امرؤ القيس وله معه مناظرات ومناقضات، وعمر طويلا حتى قتله النعمان بن المنذر وقد وفد عليه في يوم بؤسه. توفي سنة (٢٥ ق. هـ). ينظر: معجم الشعراء العرب (ص ١٦٧٧)، الأعلام (٤/ ١٨٨).
(٤) ينظر: معجم ديوان الأدب (٤/ ٦١)، أدب الكاتب لابن قتيبة (ص ١٦٦)، خزانة الأدب (٥/ ٣٣١).
(٥) في الأصل (سد)، والمثبت هو الصواب، كما سبق بيان ذلك.
(٦) ينظر: معاني القرآن (١/ ٢٩١)، الحاوي (١٣/ ٣٩٠)، الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها (١/ ٢٣٨).
(٧) سبقت ترجمته ص ٦٨.
(٨) هو أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود، صاحب رسول الله ﷺ ومن بني أخواله، وأحد أعيان البدريين، وأحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة. واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن النجار الخزرجي، النجاري. له أحاديث. روى عنه: ربيبه؛ أنس بن مالك، وزيد بن خالد الجهني، وابن عباس، وابنه؛ أبو إسحاق عبد الله بن أبي طلحة. وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: "صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة". مات سنة (٣٤ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٧)، الإصابة في تمييز الصحابة (٧/ ١٩٤).
[ ١ / ٨٤ ]
على قول أبي الأسود (^١).
واحتج: بأن ما يتخذ من عصير العنب يسمى خل الخمر، وما يتخذ من التمر لا يسمى خل الخمر، فدل على أن ذلك يختص بعصير العنب (^٢).
والجواب: أنا نقول: لم إذا لم يسم خل الخمر؟ دل على أن المسكر من التمر لا يسمى خمرا، وعلى أنا اتفقنا على أن من شرب النبيذ وسكر يقال له: هو مخمور، ويقال: به خمار، ولا يقولون: هو منبوذ ولا نباذ، وهذا ذكره القتبي (^٣) واحتج به على أن اسم الخمر يقع على النبيذ (^٤).