والدلالة على أن الخمر معللة، وأن علة تحريمها الشدة المطربة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذا تصريح ببيان علة التحريم؛ لأنه بين ما يقع بشربها من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه المعاني تحدث بالسكر في الحقيقة لا بالشرب الذي لا سكر معه، فإن من شرب ولا يسكر تجزي صلواته (^٢).
فإن قيل: هذا تعليل لكثير الخمر الذي يحدث عنده السكر، فأما قليلها فلا توجد فيه هذه العلة، فعلم أنه محرم لا لعلة توجب القياس عليه، وكثيرها محرم للمعنى المذكور في الآية (^٣).
قيل: الله تعالى ذكر جنس الخمر، وحرمها بقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ إِلى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم عقب تحريمها بعلة هي! العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، فالظاهر أن هذا التعليل راجع إلى الجنس وإن كان موجودا في بعضه؛ كما أن السفر علل بالمشقة في إباحة القصر والفطر، وإن كانت هذه موجودة في كثيره، فألحق القليل بالكثير، فلو سافر فرسخا جاز أن يستبيح الرخص إذا كانت بنية السفر الطويل، وإن علمنا أن المشقة إنما توجد في طويله (^٤).
فإن قيل: ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة غير جائز إباحته في حال وحظره معلوم من طريق العقل، ومعلوم أن النبيذ والخمر قد كانا مباحين في أول الإسلام، ولم يكن
_________________
(١) ينظر المغني (٩/ ١٦٠) شرح الزركشي (٦/ ٣٨٧)، المبدع (٧/ ٤١٨)، الحاوي (١٥/ ١٧٨).
(٢) ينظر: المغني (٩/ ١١٥٩)، شرح الزركشي (٦/ ٣٧٢)، الحاوي (١٣/ ٣٨٣).
(٣) ينظر: تحفة الفقهاء (٣/ ٣٢٧)، بدائع الصنائع (٥/ ١١٤)، بداية المبتدي (١/ ٢٢٧).
(٤) ينظر: عمدة الفقه (١/ ١١٥)، الشرح الكبير (١/ ٤٨٣)، (١٠/ ٣٢٨)، المغني، (٢/ ٢٠٢)، الحاوي (١٣/ ٣٨٨).
[ ١ / ١٣٨ ]
المباح منهما ما يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأنه لا يجوز على الله في حكمته إباحته، فعلم أن هذا الحكم معلق بالكثير الموجب للسكر، ولم يكن ما يوجب السكر منه مباحا في حال من الأحوال، فصح أن هذه العلة توجب وقوف الحكم في سائر الأشربة على المقدار الكبير من الذي يحدث عنه السكر (^١).
قيل: قولك: "إن ما يصد عن ذكر الله لا يجوز إباحته" غير صحيح؛ لأن السكر يصد عن ذكر الله، وقد كان مباحا حتى إن جماعة من الصحابة شربوا وصلى بهم بعضهم فخلط في قراءته فنزل قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]
وقوله: "حظر معلوم من طريق العقل" غير صحيح؛ لأن العقل لا يحظر عندنا شيئا، وأيضًا قول عمر: "الخمر ما خامر العقل" (^٢) يعني ما أثر فيه، وهذا صريح بالتعليل (^٣).
فإن قيل: هذا إنما يوجد عند الكثير (^٤).
قيل: قد أجبنا عن هذا، وأيضًا فإن الحكم إذا ورد في الشرع معلقًا بلفظ، فإنه متى أمكن تعليقه بمعنى يستنبط من اللفظ لم يجز تعليقه على اللفظ؛ لأن في ذلك إبطالًا للقياس، ولهذا أبطلنا قول من علق الربا بالأعيان المنصوص عليها دون معناها (^٥) كذلك ههنا، وأيضًا قد بينا فيما تقدم أن العصير قبل حدوث الشدة فيه مباح، وإذا حدثت فيه حرم، فإذا زالت حل (^٦)، فعلم أن علة تحريمه الشدة المطربة، ولهم على هذا اعتراضات قد تقدم ذكرها (^٧).
واحتج المخالف بقول النبي ﷺ وقول ابن عباس: "حرمت الخمر بعينها" (^٨)، وهذا
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع (٥/ ١١٦)، الهداية (٤/ ٣٩٧)، الاختيار (٤/ ١٠٠).
(٢) سبق تخريجه ص ٦٣.
(٣) ينظر: المغني (٩/ ١٦٠)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٨)، الحاوي (١٣/ ٣٩٦).
(٤) ينظر: البناية (١٢/ ٣٤٥)، رد المحتار (٤/ ٣٨)، المبسوط (٤/ ٢٤).
(٥) ينظر: المغني (٤/ ٤)، الإنصاف (٥/ ١١) كشاف القناع (٣/ ٢١٥).
(٦) ينظر: الهداية (٤/ ٣٩٥)، اللباب، (٢/ ٧٥٨)، الجوهرة (٢/ ١٧٤).
(٧) ينظر: المغني (٩/ ١٧٠)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٣٨)، الحاوي (١٧/ ٣٩٨).
(٨) سبق تخريجه ص ٧٨.
[ ١ / ١٣٩ ]