حال أقر بعد الأسر أنه قد أمنه فقياس المذهب: أنه يقبل لأن هذا القول منه يتضمن الأمان وعندنا له أمانه والثاني: أن الحاكم إذا عزل وقال كنت قد حكمت في ولايتي لفلان قبل منه (^٣)، كذلك ههنا خلافًا للشافعي في قوله (^٤): لا نقبل قوله دليلنا أن أم هانئ (^٥) أمنت رجلين من بني مخزوم يوم الفتح فجاء علي ليقتلهما فجاءت إلى النبي ﷺ فأخبرته فقال: "قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت" (^٦) فقبل قولها في الأمان وروي أن
_________________
(١) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٢) ينظر: المحرر (٣/ ١٨٠)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٥٥٨)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٤/ ٢٠٤).
(٣) ينظر: مختصر الخرقي (ص ١٥٥)، المغني (٩/ ٢٤٣)، المحرر (٢/ ٢١١).
(٤) ينظر: المهذب (٣/ ٢٨٠)، البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٥) هي أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية ابنة عم النبي ﷺ، اسمها فاختة وهو الأشهر، وقيل غير ذلك. من فواضل نساء عصرها. لها صحبة. أسلمت عام الفتح، وكان زوجها هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي. فلما أسلمت وفتح الرسول ﷺ مكة هرب زوجها هبيرة إلى نجران. روت عن النبي ﷺ (٤٦) حديثا، وروى عنها: عبد الله بن عباس وآخرون. وقد خطبها رسول الله ﷺ ولم يتزوجها. ينظر: الإصابة (٤/ ٥٠٣)، وتهذيب التهذيب (١٢/ ٤٨١)، وتقريب التهذيب (٢/ ٦٢٥)، وأعلام النساء (٤/ ١٤).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به رقم (٣٥٧)، وفي كتاب الجزية، باب أمان النساء وجوارهن، رقم (٣١٧١)، وفي كتاب الأدب، باب ما جاء في زعموا، رقم (٦١٥٨)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، رقم (٣٣٦) بلفظ: قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي أنه قاتل رجلا قد أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". وأما باللفظ المذكور فأخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (٢٦١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٦٩٢٨)، والطحاوي في شرح المعاني رقم (٥٤٥١)، والطبراني في الأوسط رقم (٩٠٩٠).
[ ١ / ٢٣٢ ]
أبا العاص (^١) أسر يوم بدرٍ فذكرت زينب بنت رسول الله ﷺ أنها كانت أمنته قبل الأسر فخلى لها فقبل قولها (^٢).
فإن قيل: إنما قبل ذلك احترامًا لها (^٣).
قيل: ما طريقه الدعوى يستوي فيه الشريف والمشروف، ولأن من يملك الأمان يتصرف فيه من طريق الحكم فوجب أن يقبل قوله فيه.
دليله الحاكم يقبل قوله فيما يحكم به في حال ولايته وكالقاسمين إذا شهدا على قسمة قسماها على قولنا يقبل إذا كان بغير جعل للعلة التي ذكرناها ولا يلزم عليه إذا قسما بأجرة لأن القسمة هناك ليست من طريق الحكم ولأنه لو قامت البينة بأمانه ثبت فإذا شهد أنه أمنه يجب أن يقبل.
دليله: الإمام (^٤).
فإن قيل: الإمام يملك الأمان فملك الإقرار به وغيره لما لم يملك الأمان لم يملك الإقرار به (^٥).
_________________
(١) القاسم بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو العاص: صحابي، من أصهار النبي ﷺ غلب عليه لقبه (أبو العاص) وكان يلقب "جرو البطحاء" ويقال له "الأمين" وهو زوج "زينب" كبرى بنات النبي ﷺ تزوجها في الجاهلية، بمكة، وتأخر إسلامه فقد أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، فكانت عند أبيها بالمدينة. وأسلم، فأعيدت إليه. قال ابن إسحاق: كان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة. ينظر: الإصابة (٧/ ٢٠٧)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٣١) الأعلام (٥/ ١٧٦).
(٢) أخرجه ابن زنجويه في الأموال رقم (٧٣١)، والطحاوي في شرح المشكل رقم (١٢٤٤)، والحاكم في المستدرك رقم (٦٨٤٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٧٥/ ٥٩٠)، والأوسط (٤٨٢٢) كلهم من طريق عبد الله بن لهيعة، عن موسى بن جبير، عن عراك بن مالك الغفاري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا به. وسكت عنه الحاكم، والذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (١٥٢٣٢): "رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات" أهـ. وأخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٥٥)، (٢٩٧٤)، والطحاوي في شرح المشكل، رقم (١٢٤٥)، والحاكم في كتاب المستدرك رقم (٦٨٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٢٦ /١٠٤٩) من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا به.
(٣) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٤) ينظر: مختصر الخرقي (ص ١٥٥)، المغني (٩/ ٢٤٣)، المحرر (٢/ ٢١١).
(٥) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
[ ١ / ٢٣٣ ]