١٥ - ١ مسألة: إذا دخل دار الحرب قوم ليست لهم منعة (^٢) بغير إذن الإمام فما أصابوه ففيه الخمس، في أصح الروايات، نص عليه في رواية يعقوب بن بختان (^٣) في رجلٍ غزا وحده فغنم: يؤخذ منه الخمس، وما بقي فهو له (^٤)، وبهذا قال مالك (^٥) والشافعي (^٦).
وفيه رواية أخرى: هو لهم غير مخموس. نص عليه في رواية مهنا (^٧) (^٨) في رجلٍ في أرض الروم غنم غنيمةً وحده ليس عليه فيها الخمس (^٩)، وهو قول أبي حنيفة (^١٠).
_________________
(١) السير: جمع سيرة، وهي لغة: السنة، والطريقة، يقال: سار بهم سيرة حسنة، والسيرة: الهيئة، وفي التنزيل: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]، والسيرة: الضرب من السير، ومن معاني السيرة لغة: السنة. واصطلاحا: هي حياة النبي ﷺ أخبار أصحابه على الجملة، وبيان أخلاقه وصفاته وخصائصه ودلائل نبوته، وأحوال عصره؛ فالسيرة النبوية تشمل كل ما يتعلق بالنبي ﷺ، وأحوال عصره، وأخبار أصحابه؛ لأن السيرة هي: فعله ﷺ وإقراره لفعل أصحابه ﵁. ينظر: لسان العرب مادة: (سير) (٤/ ٣٩٠)، والمصباح المنير (١/ ٢٩٩)، مختار الصحاح (١/ ١٥٩). الدرر في اختصار المغازي والسير (ص ٢٧) مجموع الفتاوى (٧/ ١٨).
(٢) المنع: أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي يريده؛ يقال: منعته فامتنع ورجل منيع: لا يخلص إليه، وفلان في عز ومنعة. ينظر: تهذيب اللغة (٣/ ١٤)، لسان العرب (٨/ ٣٤٢).
(٣) هو يعقوب بن إسحاق بن بختان نسب هنا إلى جده وهو من أصحاب الامام أحمد وكان أحد الصالحين الثقات ينظر: طيقات الحنابلة ص ٢٧٦، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٨٠).
(٤) لم أقف على هذه الرواية، وينظر: الروايتين والوجهين (٢/ ٣٥٣)، وذكر المرداوي في الإنصاف، (٤/ ١٤٨) نحوها.
(٥) ينظر: الرسالة (ص ٨٤)، التلقين (١/ ٩٢)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٧٤).
(٦) ينظر: الرسالة (ص ٨٤)، الأم (٧/ ٣٧٢).
(٧) سبقت ترجمته ص ٦١.
(٨) ينظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (٢/ ٣٥٥).
(٩) لم أقف على هذه الرواية، وينظر: الروايتين والوجهين (٢/ ٣٥٥)، وهذا القول ذكره ابن قدامة في المغني (٦/ ٤٥٦) مضعفا له.
(١٠) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١١٨).
[ ١ / ٢٠٣ ]
وفيه رواية ثالثة: لا حق لهم في تلك الغنيمة، وجميعها فيء، نص عليه في رواية محمد بن يحيى الكحال (^١): من غزا بغير إذن الإمام لم يكن له في الغنيمة (^٢) حق.
وجه الرواية (^٣): الأولة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فأوجب الخمس في جميع ما غنموه ولم يفرِّق (^٤).
فإن قيل: إطلاق الغنيمة لا ينصرف إلى ما يؤخذ على وجه التلصص (^٥) (^٦).
قيل: الغنيمة اسم للمال الذي يأخذه المسلمون من المشركين بالقهر والغلبة، وهذا موجود في مسألتنا، وأيضًا كل طائفةٍ تخمس غنيمتها إذا دخلت دار الحرب بإذن الإمام فإنها تخمس إذا دخلت بغير إذنه (^٧).
دليلنا: إذا كانت لهم منعة، ولأنه لو كان في جماعة لهم منعة لأخذ الخمس كذلك إذا كان وحده (^٨).
دليله: إذا دخل بإذن الإمام، ولأنه مال مشترك مأخوذ على وجه القهر والغلبة، وإذا لم يختص به بعضهم وجب تخميسه.
أصله: إذا كانت لهم منعة، وفيه إحراز (^٩) من الجزية (^١٠)؛ لأنها غير مأخوذة على وجه
_________________
(١) سبقت ترجمته ص ١٩٦.
(٢) لم أقف على هذه الرواية؛ ولكن ذكرها أبو الخطاب الكلوذاني في الهداية (١/ ٢١٢) كإحدى الروايتين، وابن قدامة في الكافي (٤/ ١٥٢).
(٣) أي الرواية الأولى: أن من غزا بغير إذن الإمام يؤخذ منه الخمس وما بقي فهو له.
(٤) الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٥٢)، الإنصاف (٤/ ١٠٨).
(٥) التلصص: اللصوصية والتلصص واللصوصة مصدر اللص. والتلصيص كالترصيص في البنيان، وتلصص الرجل: إذا صار لصًا واللصص في اللغة كالرمص. وأرض ملصه: كثيرة اللصوص واللصص: التزاق الأسنان بعضها ببعض. ينظر: العين (٧/ ٨٥)، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (٩/ ٥٩٧٨).
(٦) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧٤)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٣)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٦٩).
(٧) ينظر: المغني (٩/ ٣٠٥)، العدة شرح العمدة (١/ ٦٤٧)، الوسيط في المذهب (٤/ ٥٣٢)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (١٢/ ٢٠٧).
(٨) ينظر: المغني (٩/ ٣٠٥)، العدة شرح العمدة (١/ ٦٤٧).
(٩) إحراز: حفظ وامتناع، واحترزت: امتنعت، وكل شيء ضممته وحفظته فقد أحرزته إحرازا. ينظر: جمهرة اللغة (١/ ٥١٠)، ومجمل اللغة (١/ ٢٢٥).
(١٠) الجزية: ما يؤخذ من أهل الذمة لإقامتهم بدار الإسلام في كل عام، والجمع (الجزئ) مثل لحية ولحى. =
[ ١ / ٢٠٤ ]
القهر، وفيه إحراز من السلب؛ لأنه يختص به القاتل، وكذلك ما غنمه المشركون من أموال المسلمين، ثم ظهر عليهم المسلمون، وأدركه صاحبه أنه أحق به غير مخموس؛ لأنه يختص بصاحبه، ولأن الخمس المتعلق بالمال لا يختلف حكمه بإذن الأئمة وعدمه، كخمس الركاز (^١) (^٢).
واحتج المخالف: بما روى أبو بكر بإسناده عن المغيرة بن شعبة (^٣) أنه صحب قومًا من المشركين، فوجد منهم غفلة، فقتلهم، وأخذ أموالهم، وجاء بها إلى النبي ﷺ، فأبى أن يقبلها (^٤) (^٥).
والجواب: (^٦)
واحتج: بأن ما أخذ من دار الحرب بغير ظهرٍ للإمام أو جماعة لهم منعة فلا خمس فيه دليله المباحات (^٧).
_________________
(١) = ينظر: مختار الصحاح (١/ ٥٨)، الصحاح (٦/ ٢٣٠٢)، المغني (٩/ ٣٢٨).
(٢) الركاز: قطع من ذهب وفضة تخرج من المعدن، أو دفين الجاهلية وكأنما ركز في الأرض ركزًا. وفيه الخمس، وهو. ينظر: العين (٥/ ٣٢٠)، تهذيب اللغة (١٠/ ٥٦).
(٣) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٤٤٩)، العدة شرح العمدة (١/ ٦٤٧).
(٤) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب الأمير أبو عيسى، من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة، مات سنة (٥٠ هـ)، وله (٧٠) سنة. وله في الصحيحين: (١٢) حديثا. ينظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ٢١ - ٣٢)، تهذيب الكمال (٢٨/ ٣٦٩ - ٣٧٥).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده كما في إتحاف الخيرة المهرة (٤٤٠٥/ ١)، وأحمد في مسنده رقم (١٨١٥٣)، والنسائي في الكبرى رقم (٨٦٨٠)، والطبراني في الكبير رقم (١٠٧٦)، أربعتهم من طريق أبي معاوية الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة ﵁. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ رجاله ثقات رجال الشيخين. والحديث أصله عند البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط رقم (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم في قصة الحديبية، وفيه: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٣٤١): "وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسناد صحيح" أهـ. إشارة منه إلى الحديث الذي معنا.
(٦) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١١٨).
(٧) سقط في الأصل ويقدر بخمس كلمات.
(٨) المبسوط (١٠/ ٩٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١١٧).
[ ١ / ٢٠٥ ]
والجواب: أنا لا نسلم أنه أخذ بغير ظهر الإمام؛ لأن الإمام تجب عليه نصرتهم وإن دخلوا بغير إذنه (^١)، ولا نسلم أيضًا أنه لا منعة لهم؛ لأن المنعة هي القوة والغلبة لمن أخذوه منه وغلبوه منه، وهذا منهم، ولا نسلم الأصل وهو المباحات؛ لأنها تخمس عندنا؛ لأنه لا ينفرد به آخذه من بين سائر الجيش، وهي مسألة يأتي الكلام عليها (^٢).
واحتج: بأن ما أخذ من دار الحرب على طريق التلصص فلم يقصد به إعزاز الدين وغلبة المشركين -فهو كما يؤخذ نهبة أو شرى؛ ولأن ما يؤخذ من أموال المشركين إذا لم يقصد منه قتالهم عليه ومدافعتهم عنه لم يخمس.
دليله: الجزية، والخراج (^٣).
والجواب: أن المعنى في الهبة (^٤) والجزية والخراج (^٥) أنه ليس مأخوذًا على وجه القهر والغلبة، وهذا مأخوذ على وجه القهر والغلبة؛ ولأن ذلك لا يعتبر في أخذه طائفة لهم منعة ولا إذن الإمام يجب أيضًا أن لا يعتبر ذلك في مسألتنا (^٦).
_________________
(١) ينظر: الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٩١)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٦٩).
(٢) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٤٤٩)، المغني (١٠/ ٤٤١)، شرح الزركشي (٣/ ١٨٢).
(٣) ينظر: شرح السير الكبير (٣/ ٤٥٨)، المبسوط (١٠/ ٧٤)، كفاية النبيه في شرح التنبيه (١٦/ ٤٧٧).
(٤) الهبة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا، ووهب لك الشيء يهبه وهبا ووهبا -بالتحريك- وهبة، والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء فيهما، ولا يقال وهبكه، ووهبت له هبة وموهبة ووهبا ووهبا إذا أعطيته. ينظر: لسان العرب، والصحاح.
(٥) الخراج لغة: من خرج يخرج خروجا أي برز والاسم الخراج، وأصله ما يخرج من الأرض. والجمع أخراج، وأخاريج، وأخرجة. واصطلاحا: هو ما يوضع على الأرض غير العشرية من حقوق تؤدى عنها إلى بيت المال، وهو يجب على أهل الذمة كالجزية، ويصرف في مصارف الفيء. ويخالف الخراج الجزية في أن الخراج يوضع على الأرض، والجزية توضع على الرءوس، والجزية تسقط بالإسلام، أما الخراج فلا يسقط بالإسلام، ويبقى مع الإسلام والكفر. ينظر: المصباح المنير (١/ ١٦٦)، مختار الصحاح (١/ ٨٩)، الأحكام السلطانية (ص ١٥٣)، غريب الحديث للقاسم بن سلام (٣/ ١٤٢) غريب الحديث للخطابي (٣/ ٥٥).
(٦) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٤٤٩)، المغني (١٠/ ٤٤١)، شرح الزركشي (٣/ ١٨٢).
[ ١ / ٢٠٦ ]