المقدمة
﷽
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فالعلم أجل الفضائل، وأشرف المزايا، وأعز ما يتحلى به الإنسان، فهو أساس الحضارة، ومصدر أمجاد الأمم، وعنوان سموها وتفوقها في الحياة، ورائدها إلى السعادة الأبدية، وشرف الدارين.
والعلماء هم ورثة الأنبياء، ودعاة الحق، وأنصار الدين، يهدي بهم الله عبادة إلى معرفته وطاعته، ويوجهونهم إلى معرفة الحلال والحرام.
من أجل ذلك تضافرت الآيات والأخبار على تكريم العلم وأهله والإشادة بمقامهم الرفيع.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩].
[ ١ / ٥ ]
وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
ولا يخفى أن الأمم لا تنهض ولا ترتقي في حاضرها ومستقبلها إلا على أسس متينة، وقواعد ثابتة من تراثها المجيد، وما دوَّنه وكتبه علماء هذه الأمة هو نتاج علمهم، فكتبوا في كل فن من فنون العلم، ومهدوا الطريق لمن بعدهم، فقامت وازدهرت الحضارات التي بعدهم، على جهودهم وأفكارهم، التي بهرت العقول، ودان لها الأعداء معترفين بفضلهم على حضاراتهم (^١).
ومما يؤكد ذلك ما وجد في مكتبات الشرق والغرب من كنوز حضارتنا التي فقدناها فحفظوها، وجعلوها تراثًا يباهون، به ويبالغون في حفظه.
فعلم الفقه وأصوله وجميع مذاهبه وقواعده من التراث الذي نفع الله به الأمة الإسلامية على مر العصور، فهو علم يشرف بشرف مقصده، وإنه أهم المقاصد بعد التوحيد معرفة ما شرعة الله تعالى من بيان الحلال والحرام، وغيرهما من أحكام الشريعة، ووسيلة هذا المقصد الشريف هو التفقه بأحكام الله، وقد تعددت مذاهب الأئمة ﵏ وتنوعت حسب اجتهادهم وفهمهم للأحكام الشرعية، فكان الأئمة الأربعة الذين خلدت مذاهبهم، فجاء أصحابهم من بعدهم فدوّنوا أقوالهم وخرّجوا عليها، فكان من هؤلاء العلماء الذين خدموا الفقه في إخراج الخلاف الذي بين الأئمة، وهو عالمًا في فن الخلاف الذي يعرف به كيفيةُ إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخفية، بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو من أقام المنطق، إلا انه خُصَّ بالمقاصد الدينية (^٢).
_________________
(١) المدخل الفقهي لمصطفى الزرقاء (١/ ٨).
(٢) أصول الفقه لابن مفلح (١/ ١٢).
[ ١ / ٦ ]
ولقد كان الإمام الحبرُ، القاضي، شيخ الحنابلة، وعلامةُ الزمان القاضي أبو يعلى بن الفراء من أقعدِ الأئمة بهذا الفن، حتى قال عنه العلامة ابنُ بدران (^١): وأجمع ما رأيتُه لأصحابنا في هذا النوع: [الخلاف] للقاضي أبي يعلى (^٢).
فقد برع في علم من أشقِّ العلوم، وهو علم الخلاف؛ إذ يقتضي هذا العلم أن يتمكن العالمُ من مذهبه، والإحاطة بأصوله وفروعه، ثم يتمكن من مذهب غيره وأدلتهم، ثم يقوم بعد ذلك بهدم وإبطال حجة المخالفين، ونصر مذهبه، وهو من أقوى علماء الحنابلة في هذا الجانب (^٣).
ومصنفاته رحمة الله مليئة بالاحتمالات والاختيارات والوجوه.
ومن أجود ما وقفت عليه، بعد منة اللهُ عليِّ من هذه المصنفات، جزء من كتابهُ، "التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة"، وهو كتاب ضخم في أحد عشر مجلد، كما أفاد شيخ الإسلام ابنُ تيمية رحم الله (^٤) (^٥).
والذي وجدتُه والله الحمد من هذه المجلدات، هو المجلد العاشر أو السفر العاشر، كما ذكره الناسخ على الغلاف ويتضمن تسعة من الكتب وهي: الأشربة، السير، الجزية، الصيد، الذبائح، الأطعمة، الأضحية، السبق والرمي، الأيمان.
فقمت بتحقيقه والحمد الله الذي يسر وأعان.
_________________
(١) هو عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن بدران الدمشقي، الدوماني، من مصنفاته، نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، وغيرها توفي سنة ١٣٤٦ هـ، المذهب الحنبلي (٢/ ٥٦٦).
(٢) المدخل (ص: ٤٥٠).
(٣) (القاضي أبو يعلى وكتابة الأحكام السلطانية) للدكتور عبد القادر أبو فارس (ص: ١٧٨ - ١٧٩).
(٤) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، اجتمعت فيه شروط الاجتهاد كلها، من مؤلفاته: منهاج السنة، والاستقامة وغيرها، ولد سنة ٦٦١ هـ وتوفي رحمة الله سنة ٧٢٨ هـ. ينظر: الذيل على الطبقات (٤/ ٤٩١)، المقصد الأرشد (١/ ١٣٥).
(٥) العقود الدرية (٣٠١).
[ ١ / ٧ ]