واحتج: بأن قصد البهيمة وفعلها لا حكم له ألا تراه لو تحقق منها الجناية والقتل لم نستبح إتلافها وإسقاط ضمان حق مالكها، فبأن لا يستباح ذلك عند خوف الجناية منها أولى (^١).
والجواب: أن قصد البهيمة في هذا الموضع له حكم ألا ترى أنه يستباح به إتلافها، ولم يكن ذلك [مستباحا] (^٢) قبل الصول، وما ذكروه منه إذا تحقق وجود الجناية منها فإنما لم يجز إتلافها هناك؛ لأن ذلك طريقة العقوبة والاقتصاص وليست البهيمة من أهل العقوبات، فأما ههنا فقتلها على وجه الدفع والاستيفاء محل وأثر في إسقاط الضمان؛ ألا ترى أنه بعد تحقق الجناية منها لا يجوز قتلها بشرط أن لا يضمن قيمتها لصاحبها، وههنا يجوز ذلك، فدل على الفصل بينهما (^٣).
١٠ - مسألة: إذا عض رجل يد رجل حال الخصومة وغيرها فانتزع يده، فسقطت سن العاض فلا ضمان. نص عليه في رواية عبد الله وقد ذكر له حديث يعلى بن أمية (^٤) عن أبيه (^٥) قال: قاتل أجيري رجلًا فعض يده فانتزع يده من فيه، وذكر الحديث بطوله، فقال إليه أذهب (^٦)، وهو قول
_________________
(١) ينظر: تبيين الحقائق (٢/ ٦٧)، الغرة المنيفة (ص ١٦٦)، البناية (٤/ ٣١٧).
(٢) في الأصل (مستباح) والصواب ما أثبت.
(٣) ينظر المحرر (٢/ ١٦٢)، شرح الزركشي (٣/ ٣٣٦)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٥١).
(٤) هو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام، أبو صفوان، التميمي الحنظلي. أول من أرخ الكتب، وهو صحابي من الولاة، ومن الأغنياء والأسخياء من سكان مكة، كان حليفا لقريش، وأسلم بعد الفتح، وشهد الطائف وحنينا وتبوك مع النبي ﷺ، واستعمله أبو بكر على "حلوان" في الردة، ثم استعمله عمر على "نجران" واستعمله عثمان على اليمن، فأقام بصنعاء وحج سنة قتل عثمان ﵁، فخرج مع عائشة في وقعة الجمل، ثم شهد صفين مع علي ﵁. روى ٢٨ حديثا. مات سنة (٣٧ هـ). ينظر: الإصابة (٣/ ٦٦٨)، أسد الغابة (٥/ ١٢٨)، الاستيعاب (٤/ ١٥٨٥).
(٥) هو أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي الحنظلي، حليف لبني نوفل بن عبد مناف، والد يعلى بن أمية الذي يقال له يعلى بن منية، وهي أمه، وأمية أبوه، ولابنه يعلي صحبة، وصحبة أبنه يعلي أشهر قدم أمية هذا مع ابنه يعلي على النبي ﷺ فقال: يا رسول رسول الله، بايعنا على الهجرة فقال: لا هجرة بعد الفتح، وكان قدومهما بعد الفتح. ينظر: الاستيعاب (١/ ١٠٦)، الإصابة (١/ ٢٦٨).
(٦) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص ٤٢٣) رقم (١٥٢٧)، العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد رواية المروزي (٢/ ٢٧١)، المغني (٩/ ١٨٥)، رؤوس المسائل (٣/ ١٥٧٨)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٠)، المبدع (٧/ ٤٦٧)، الفروع مع تصحيح الفروع (١٠/ ١٦٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨)، كشاف القناع (٦/ ١٥٧).
[ ١ / ١٧٥ ]
أبي حنيفة (^١)، والشافعي (^٢)، قال مالك عليه الضمان (^٣).
دليلنا: ما روى أحمد في مسائل عبد الله نا يحيى بن سعيد عن ابن جريج (^٤) قال: أخبرني عطاء قال: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: قاتل أجيري رجلًا فعض يده فانتزع يده من فيه، فأندر ثنيته، فأتى النبي ﷺ فأهدره. قال: "أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضمها الفحل" (^٥).
وروى ابن بطة بإسناده عن صفوان بن عبد الله بن صفوان (^٦) عن عميه يعلى بن أمية وسلمة بن أمية (^٧) قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا من أهل
_________________
(١) قال السرخسي معللا. عدم وجوب الضمان عليه، فقال: "هو فيما صنع دافع للأذى غير مباشر للجناية، فلا يكون ضامنا بمنزلة ما لو قصد قتله فدفعه عن نفسه فسقط فمات". ينظر: المبسوط للسرخسي (٣٠/ ١٦٢) الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (٢/ ١٤٠)، اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، لأبي يوسف الأنصاري (ص ١٤٩)، لسان الحكام (١/ ٢٨١).
(٢) ينظر: الأم (٧/ ١٥٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٥٦)، البيان (٢/ ٧٥).
(٣) ينظر: منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/ ٣٦٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٢٦)، البيان والتحصيل (١٦/ ١٠١)، حاشية الصاوي (٤/ ٥٠٦).
(٤) هو أبو خالد وأبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي بالولاء المكي، مولى أمية بن خالد بن أسيد، ويقال: إن جريجا كان عبدا لأم حبيب بنت جبير زوجة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية؛ فنسب ولاؤه إليها توفى سنة (١٥٠ هـ). ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٦٣)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٥).
(٥) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص ٤٢٣)، كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث يعلى بن أمية رقم (١٧٩٤٩)، وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الإجارة، باب: الأجير في الغزو رقم (٢٢٦٥)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين، والقصاص والديات، باب: الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه أو عضوه، لا ضمان عليه برقم (١٦٧٤)، وأبو داود في سننه، كتاب: الديات، باب: في الرجل يقاتل الرجل فيدفعه عن نفسه رقم (٤٥٨٤)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب: القسامة، باب: الرجل يدفع عن نفسه رقم (٦٩٤٠).
(٦) هو صفوان بن عبد الله الأكبر بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي المكى، أخو عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية، من الوسطى من التابعين، روى له: البخاري في الأدب المفرد - مسلم - النسائي - ابن ماجه، قال ابن حجر ثقة، وقال الذهبي وثق. ينظر: تاريخ دمشق (٢٤/ ١٤٢)، تهذيب الكمال (١٣/ ١٩٧).
(٧) هو سلمة بن أمية بن أبي بن عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك، أخو يعلى بن أمية، هاجر مع أخيه يعلى إلى النبي ﷺ، عداده في أهل مكة. قال ابن عبد البر: ما له سوى حديث واحد عند ابن إسحاق. قال البخاري. يخالف فيه ابن إسحاق، يعني أنه من روايته واختلف فيه في إسناده، وقد ذكروا أن سلمة نزل الكوفة.
[ ١ / ١٧٦ ]
مكة، فقاتل رجلًا فعض الرجل ذراعه فجذبها من فيه، فسقطت ثنيتاه، فذهب إلى النبي ﷺ يلتمس العقل، فقال رسول الله ﷺ: ينطلق أحدكم إلى أخيه فيعضه عضيض الفحل ثم يأتي يلتمس العقل، فإنه لا حق لك" (^١)، فأبطلها رسول الله ﷺ (^٢).
فإن قيل: يحتمل أن يكون سقوط سنه من شدة العض لا من نزع صاحب اليد (^٣).
قيل: قوله: "أيدع يده في فيك تقضمها كأنها في فحل" يدل على أن سقوطها كان بسبب نزع يده، ولو كان سقوطها من شدة العضة لم يعلل بذلك، ولأنه لو كان السقوط من شدة العض لم يختصما إلى النبي ﷺ في ذلك؛ لأن سقوطها كان من فعله فكيف يرافعه إلى النبي ﷺ في الضمان (^٤).
فإن قيل: كان لا يقدر على منعه من العض بوجه غير قلع سنه (^٥).
قيل: هذا لا يصح لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان الحكم يختلف لكان النبي ﷺ يستفصل، ولأن النبي ﷺ جعل العلة في ذلك أن يده في فيه تقضمها، وهذا المعنى موجود فيه وإن كان قادرا على نزعها بوجه.
وأيضا: فإن حرمة النفس آكد من حرمة السن ثم ثبت أنه لو قصده فلم يمكنه دفعه
_________________
(١) = ينظر: معرفة الصحابة لابن منده (ص: ٦٨١)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٦٤٠)، الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ١٢١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث يعلى بن أمية برقم (١٧٩٥٣)، والبخاري في صحيحه كتاب: الإجارة، باب: الأجير في الغزو رقم (٢٢٦٥)، أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب: القسامة، باب: ذكر الاختلاف على عطاء في هذا الحديث رقم (٦٩٤١)، وابن ماجة في سننه رقم رقم (٢٦٥٦).
(٣) ينظر المغني (٩/ ١٨٥)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٠)، المبدع (٧/ ٤٦٧)، الفروع مع تصحيح الفروع (١٠/ ١٦٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨)، كشاف القناع (٦/ ١٥٧).
(٤) ينظر: منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/ ٣٦٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٢٦)، البيان والتحصيل (١٦/ ١٠١)، حاشية الصاوي (٤/ ٥٠٦).
(٥) ينظر: المغني (٩/ ١٨٥)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٠)، المبدع (٧/ ٤٦٧)، الفروع مع تصحيح الفروع (١٠/ ١٦٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨)، كشاف القناع (٦/ ١٥٧).
(٦) ينظر: منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/ ٣٦٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٢٦)، البيان والتحصيل (١٦/ ١٠١)، حاشية الصاوي (٤/ ٥٠٦).
[ ١ / ١٧٧ ]
إلا بقتله فقتله لم يلزمه ضمان النفس فبأن لا يجب ضمان السن أولى (^١).
فإن قيل: الأصل حجة عليكم؛ لأنه لا يجوز له قتله إذا كان يمكنه دفعه بأسهل من ذلك (^٢).
قيل: هناك يدفعه بالأسهل ما لم يقع ضرر فإذا وقع به جاز له قتله، ولههنا الضرر واقع بالمعضوض بالعض.
وجواب آخر أجود من هذا مذكور في المسألة التي بعدها وهو: أن ذلك مجتهد فيه، وهذا منصوص عليه بقوله: "أيدع يده في فيك تقضمها" (^٣).
فإن قيل: هناك قد تحقق قصده لنفسه وماله فلهذا كان له دفعه بالقتل، وههنا هو غير متحقق قصده لإتلاف العضو المعضوض؛ لجواز أن يكون قصده، ويجوز أن يكون غير ذلك. (^٤).
قيل له: كيف لا يتحقق قصده للعضو وقد وجد العض الذي يقصد به العضو (^٥).
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "في السن خمس من الإبل" (^٦).
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا بما ذكرنا (^٧).
_________________
(١) ينظر: المغني (٩/ ١٨٥)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٠)، المبدع (٧/ ٤٦٧)، الفروع مع تصحيح الفروع (١٠/ ١٦٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨)، كشاف القناع (٦/ ١٥٧).
(٢) ينظر: منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/ ٣٦٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٢٦).
(٣) ينظر: المغني (٩/ ١٨٥)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٠)، المبدع (٧/ ٤٦٧)، الفروع مع تصحيح الفروع (١٠/ ١٦٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨)، كشاف القناع (٦/ ١٥٧).
(٤) ينظر: منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/ ٣٦٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٢٦)، البيان والتحصيل (١٦/ ١٠١)، حاشية الصاوي (٤/ ٥٠٦).
(٥) ينظر: المغني (٩/ ١٨٥)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٠)، المبدع (٧/ ٤٦٧)، الفروع مع تصحيح الفروع (١٠/ ١٦٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨)، كشاف القناع (٦/ ١٥٧).
(٦) أخرجه الشافعي في مسنده بترتيب السندي عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه رقم (٣٦٩)، وأحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص برقم (٦٧١١)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٢٦٩٦٤)، وابن ماجة عن ابن عباس مرفوعا رقم (٢٦٥١)، والنسائي في سننه من حديث عمرو بن حزام رقم (٤٨٥٧)، وصححه الألباني بمجموع طرقه في إرواء الغليل (٧/ ٣١٦ - ٣٢٠).
(٧) ينظر: المغني (٩/ ١٨٥)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٠)، المبدع (٧/ ٤٦٧)، الفروع مع تصحيح الفروع (١٠/ ١٩٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨)، كشاف القناع (٦/ ١٥٧).
[ ١ / ١٧٨ ]