واحتج: بأنه لو هجم عليه في منزله فطلب نفسه دفعه بالأسهل، ولم يكن له أن يبتديه بالقتل كذلك ههنا (^١).
والجواب: أن ذلك الدفع مجتهد فيه، وهذا منصوص عليه بدليل قول النبي ﷺ: "لو علمت لطعنت عينك" (^٢)، فأخبر أنه كان يبتديه بذلك (^٣).
١٢ - مسألة: ما أفسدت البهائم بالنهار، فليس على صاحبها ضمان إذا لم تكن يده عليها، وما أفسدت بالليل فضمانه عليه. نص عليه في رواية أبي الحارث (^٤)، وموسى بن سعيد الدنداني (^٥)، والميموني (^٦)، وأبي طالب (^٧)، وهو قول مالك (^٨)، والشافعي (^٩)، وقال أبو حنيفة: لا ضمان على أربابها إلا أن يكون معها قائدًا أو راكبًا أو سائقًا أو مرسلًا (^١٠).
_________________
(١) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١١٠)، حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٦/ ٥٥٠)، المعتصر من المختصر (٢/ ١٢٨).
(٢) سبق تخريجه ص ١٨٠.
(٣) ينظر: الحاوي الكبير (١٣/ ٤٦٠)، البيان (١٢/ ٨٠)، المهذب (٣/ ٢٦٢)، المغني (٩/ ١٨٦)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢١)، المبدع (٧/ ٤٦٨)، الإنصاف (١٠/ ٣٠٨).
(٤) هو أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ ذكره أبو بكر الخلال فقال: كان أبو عبد الله يأنس به، وكان يقدمه، ويكرمه، وكان عنده بموضع جليل، وروى عن أبي عبد الله مسائل كثيرة بضعة عشر جزءا وجود الرواية عن أبي عبد الله. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٧٤)، تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٨).
(٥) هو موسى بن سعيد بن النعمان بن بسام الثغري، أبو بكر الطرسوسي المعروف بالدنداني، روى له النسائي، روى عن: إبراهيم بن أبي الليث، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن شبيب بن سعيد، وغيرهم، وروى عنه: النسائي، وأبو العباس إبراهيم بن محمد الفرائضي، وغيرهم. قال النسائي: لا بأس به. ينظر: تهذيب الكمال (٢٩/ ٧٠)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٤٥).
(٦) عبد الملك بن عبد الحميد الميموني لازم الإمام أحمد وله مسائل كثيرة توفي سنة ٢٧٤ هـ. ينظر: المقصد الأرشد (٢/ ١٤٣)، طبقات الحنابلة (١/ ٢١١).
(٧) لم أقف على الروايات السابقة، وينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٧/ ٣٧٢٥)، المغني (٩/ ١٨٧)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، مختصر الخرقي (١٣٧)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٤).
(٨) ينظر التاج والإكليل (٨/ ٤٤٣)، الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ٨٥٠)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (٢/ ٦٦٩).
(٩) ينظر: الحاوي الكبير (١١/ ٤٦٦)، مختصر المزني، (٨/ ٣٧٥)، نهاية المطلب في رواية المذهب (١٧/ ٣٨٠).
(١٠) ينظر: المحيط البرهاني (٥/ ٥١٤)، مجمع الأنهر (٢/ ٦٦٣)، فتاوي قاضيخان (٣/ ١٣٥).
[ ١ / ١٨٥ ]
دليلنا على أنه يضمن ما جنته ليلا وإن لم تكن يده عليها: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلى قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وفي هذا دلالة على أن جناية البهيمة مضمونة بالليل؛ لأن سليمان ﵇ حكم بأن تسلم الغنم إلى أصحاب الحرث لينتفعوا به إلى أن يعود الحرث إلى حاله، وقيل: إنه كان كرما فصوب الله تعالى حكمه، والنفش لا يكون إلا بالليل (^١).
وأيضًا ما روى أحمد في المسند نا محمد بن مصعب (^٢) نا الأوزاعي (^٣) عن الزهري عن حرام بن محيصة (^٤) عن البراء بن عازب (^٥) أنه كان له ناقة ضارية، فدخلت حائطا
_________________
(١) لم أقف على الروايات السابقة، وينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٧/ ٣٧٢٥)، المغني (٩/ ١٨٧)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، مختصر الخرقي (١٣٧) شرح الزركشي (٦/ ٤١٤)، تفسير السعدي (١/ ٥٢٨).
(٢) هو محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني، أبو عبد الله، روى له الترمذي وابن ماجه، روى عن الأوزاعي، ومالك، وأبي الأشهب العطاردي، وغيرهم، وروى عنه: أحمد بن حنبل، وأبو بكر، وعثمان ابنا شيبة، وإسحاق بن أبي إسرائيل وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. مات سنة (٢٠٨) هـ. ينظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٦٠)، تهذيب التهذيب (٩/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٣) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي. كان يسكن بمحلة الأوزاع، وهي العقيبة الصغيرة، ظاهر باب الفراديس بدمشق، ثم تحول إلى بيروت مرابطا بها إلى أن مات. وقيل: كان مولده ببعلبك. وولد سنة (٨٨ هـ) وتوفي سنة (١٥٧ هـ). روى له الجماعة. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٠٧ - ١٠٩)، تهذيب الكمال (١٧/ ٣٠٧ - ٣١٦).
(٤) هو حرام بن سعد بن محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث الأنصاري (روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه). روى عن جده محيصة، والبراء بن عازب، وغيرهم، وروى عنه الزهري على اختلاف عنه. قال ابن سعد ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" مات سنة (١١٣) هـ. ينظر: تهذيب الكمال (٥/ ٥٢٠)، تهذيب الهذيب (٢/ ٢٢٣).
(٥) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج، يكنى أبا عمارة، وقيل أبا الطفيل وقيل: يكنى أبا عمرو. وقيل: أبو عمر، والأشهر [والأكثر] أبو عمارة، وهو أصح إن شاء الله تعالى. توفي: سنة ٧٢ هـ، وقيل: توفي سنة ٧١ هـ، عن بضع وثمانين سنة. وهو الذي افتتح الري سنة أربع وعشرين في قول أبي عمرو الشيباني، وخالفه غيره. شهد غزوة تستر مع أبي موسى، وشهد البراء مع علي الجمل وصفين، وقتال الخوارج، ونزل الكوفة وابتنى بها دارا، ومات في إمارة مصعب بن الزبير. ينظر: الطبقات الكبرى (٤/ ٣٦٤)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (١/ ١٥٥)، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٩٥)، الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٤١٢).
[ ١ / ١٨٦ ]
فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ: أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن ما أصابت الماشية بالليل فهو على أهلها (^١).
وروى الدارقطني في سننه نا أبو بكر النيسابوري (^٢) نا [محمد بن] (^٣) علي بن محرز (^٤) نا معاوية بن هشام (^٥) نا سفيان عن عبد الله بن عيسى (^٦) عن الزهري عن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد، برقم (١٨٦٠٦)، وأخرجه أبو داود في سننه، في أبواب الإجارة، باب: المواشي تفسد زرع قوم رقم (٣٥٧٠)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب العارية والوديعة رقم (٥٧٥٤)، وابن ماجة في سننه، كتاب الأحكام، باب: باب الحكم فيما أفسدت المواشي رقم (٢٣٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الأشربة والحد فيها، باب: الضمان على البهائم رقم (١٧٦٧٦)، والحاكم في مستدركه، وصحح إسناده رقم (٢٣٠٣)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود رقم (٣٥٧٠).
(٢) هو أبو بكر الحسن بن يعقوب بن أحمد بن محمد بن أحمد النيسابوري الأديب من أهل نيسابور. كان شيخا، فاضلا نظيفا، مليح الخط، مقبول الظاهر، حسن الجملة، ووالده الأديب صاحب التصانيف الحسنة، وكان أستاذ أهل نيسابور في عصره، وكان غاليًا في الاعتزال داعيًا إلى الشيعة. سمع أباه أبا يوسف يعقوب بن أحمد الأديب، وأبا نصر عبد الرحمن بن محمد ابن أحمد بن الحسين بن موسى التاجر، والسيد أبا الحسن محمد بن عبد الله الحسيني، وأبا سعيد مسعود بن ناصر السجزي الحافظ، وجماعة سواهم، وكان قد كتب الحديث الكثير بخطه، وكتب إلي الإجازة وكانت وفاته في المحرم سنة (٥١٧ هـ). ينظر: التحبير في المعجم الكبير (١/ ٢٢٠)، تاريخ الإسلام (١١/ ٢٧٢).
(٣) غير موجود بالأصل، والمثبت من سنن الدارقطني.
(٤) هو محمد بن علي بن محرز أبو عبد الله، روى عن: عن يحيى بن آدم، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وغيرهم، وروى عنه: أبو بكر بن خزيمة، وغيره. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: محمد بن علي بن محمد محرز البغدادي نزيل مصر، كان صديقا لأحمد بن حنبل وجاره فيما ذكر لأب كتب أبي عنه بمصر، وسألته عنه، فقال: ثقة مات بمصر سنة (٦١) هـ. ينظر تاريخ بغداد (٤/ ٩٥)، تاريخ الإسلام (٦/ ٤١٨).
(٥) هو معاوية بن هشام القصار الأزدي أبو الحسن الكوفي مولى بني أسد (روى له البخاري في الأدب المفرد، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه) روى عن: سفيان الثوري، وعلي بن صالح، وشيبان النحوي، وغيرهم، وروى عنه: أحمد وإسحاق، وابنا أبي شيبة وغيرهم. وقال الساجي: صدوق يهم، قال أحمد بن حنبل هو كثير الخطأ، وذكره بن حبان في الثقات. ينظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٢١٨)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/ ٣٨٥).
(٦) هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، أبو محمد الكوفي (روى له البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي والنسائي وابن ماجه). روى عن: أمية بن هند المزني، وزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلم بن شهاب بالزهري، وغيرهم. روى عنه: إسرائيل بن يونس، وإسماعيل بن أبي خالد، وسفيان الثوري وغيرهم. قال ابن معين، والنسائي: ثقة زاد النسائي ثبت، وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: تهذيب الكمال (١٥/ ٤١٢)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٥٢).
[ ١ / ١٨٧ ]
حرام بن محيصة عن البراء أن ناقة لآل البراء أفسدت شيئا فقضى رسول الله ﷺ: "أن حفظ الثمار على أهلها بالنهار، وضمن أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل" (^١).
وروى الدارقطني نا أبو بكر قال نا يونس نا ابن وهب (^٢) أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس ويونس بن يزيد (^٣) عن الزهري عن حرام بن [سعيد] (^٤) بن محيصة: "أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدت فيه، فكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أصحابها" (^٥)، وهذا نص (^٦).
فإن قيل: حرام بن سعد لا صحبة له، فالخبر مرسل (^٧).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه، رقم (٣٣١٧)، وابن ماجة كتاب الحدود، باب الحكم فيما أفسدت المواشي رقم (٣٣٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (١٧٦٨٠)، وقال الشيخ الألباني: صحيح.
(٢) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى مولاهم الفهري، أبو محمد المصرى الفقيه، من صغار أتباع التابعين، روى له البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه قال ابن حجر: ثقة حافظ عابد، وقال الذهبي: أحد الأعلام. توفي سنة (١٩٧ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٢٣)، تهذيب الكمال (١٦/ ٢٧٧).
(٣) هو يونس بن يزيد بن أبي النجاد، ويقال: يونس بن يزيد بن مشكان بن أبي النجاد، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، روى عن: أخيه أبي علي بن يزيد، والزهري، وغيرهم، وروى عنه: جرير، وعمرو بن الحارث، وغيرهم. وقال أحمد بن حنبل، والعجلي، والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث عالم بحديث الزهري. ينظر: تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٥١ - ٥٥٢)، تهذيب التهذيب (١١/ ٤٥٠).
(٤) في الأصل (سعد)، والمثبت من السنن.
(٥) أخرجه الدارقطني في سننه رقم (٣٣١٩)، والمثبت في السنن قوله: "ضامن على أهلها" وأورده مالك في الموطأ رقم (٢٧٦٦)، والشافعي في مسنده رقم (٣٥٩)، والإمام أحمد في مسنده مرسلًا من حديث محيصة بن مسعود برقم (٢٣٦٩١)، وأورده منقطعا برقم (١٨٦٠٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٢٠٣)، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (١٧٢٨٩)، وقال الألباني: صحيح. ينظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (٥/ ٣٦٢).
(٦) ينظر: المغني (٩/ ١٨٧)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، مختصر الخرقي (١٣٧)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٤).
(٧) ينظر اللباب (٢/ ٧٢٨)، المبسوط (٢٧/ ١٤٣).
[ ١ / ١٨٨ ]
قيل: المرسل عندنا حجة، وعند أبي حنيفة (^١)، وعلى أنا قد رويناه متصلًا إلى البراء رواه أحمد والدارقطني أيضًا فوجب الأخذ به (^٢).
فإن قيل: هذا محمول على أنه اتبع فيه شريعة سليمان في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ثم نسخ ذلك بقوله: "العجماء (^٣) جبار" (^٤).
قيل: شرع من [قبلنا] (^٥) شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وليس في قوله: "العجماء جبار" ما يقتضي النسخ، وإنما يقتضي إسقاط الضمان، ونحن نحمل ذلك على النهار.
وأيضا فإنه مفرط في جناية بهيمته، فوجب أن يكون لمنزلة جنايته في حكم الضمان أصله إذا كان معها، ولا يلزم عليه إذا أفسدت بالنهار، ولأنه غير مفرط؛ لأنه مأذون في إرسالها نهارًا، وإنما التفريط من أصحاب الزرع والأموال.
ولا يلزم عليه أيضًا إذا انفلتت البهيمة ليلا؛ لأنه غير منسوب إلى التفريط، وكذلك إذا ردها إلى بيتها وأغلق الباب، فدخل لص وفتح الباب وتركه مفتوحا، فخرجت البهيمة وأفسدت، وكذلك إذا سقط الحائط فخرجت البهيمة وأفسدت، وكذلك إذا كانت الجمال في البادية وكانت عادتهم عقلها - وهو شد ركبها - ففعل ذلك، وتمرغت، وحلت العقال أو قطعته، وأفسدت أنه لا ضمان عليه، ولأنه غير مفرط، وعلى أن ابن منصور (^٦)
_________________
(١) أصول السرخسي (١/ ٣٦٠)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٨١)، المبسوط (٢٧/ ١٤٣).
(٢) ينظر: أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٥٨١)، الواضح في أصول الفقه (٥/ ٨٦)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (١/ ٩٩) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٣/ ٤٣٢).
(٣) العجماء البهيمة، وسميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم. ينظر تاج العروس (٦٣/ ٣٣)، لسان العرب (٢/ ٤٢٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة، كتاب: الزكاة، باب: في الركاز الخمس، رقم (١٤٩٩)، ومسلم في كتاب الحدود، باب: جرح العجماء جبار والمعدن والبئر جبار، رقم (١٧١٠).
(٥) في الأصل (قبل بيننا)، وما أثبته هو الصواب.
(٦) هو إسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج المروزي: ولد بمرو ودخل إلى العراق والحجاز والشام، روى عن: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وروى عنه: إبراهيم بن إسحاق الحربي، =
[ ١ / ١٨٩ ]
نقل عن أحمد في البهائم إذا أرسلها نهارا عمدا: فعليه الغرم، وإذا انفلتت فليس عليه شيء، وإن انفلتت بالليل فعلى صاحبها الغرم (^١)، ولا يلزم عليه إذا أفسدت زرع صاحبها؛ لأنا قلنا توجب أن يكون بمنزلة جنايته في حكم الضمان، ومن حكم جنايته على زرعه أن لا ضمان، وكذلك إذا كانت بهيمة لحربي فأفسدت زرع مسلم أو كافر أو كانت بهيمة لمسلم فأفسدت زرع حربي أنه لا ضمان؛ لأن صاحبها لو أتلف لم يجب الضمان (^٢).
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ قال: "العجماء جبار"، ولم يفصل بين الليل والنهار (^٣).
والجواب: أنه محمول على النهار بما ذكرنا، وخبرنا خاص (^٤).
واحتج: بأنه لم يكن من صاحبها فعل ولا سبب، فوجب أن لا يضمنه كما لو أتلفت بالنهار (^٥).
والجواب: أن هذا قياس يعارض السنة ثم المعنى في الأصل: أن صاحبها غير مفرط فيها؛ لأنه لا يجب عليه حفظها (^٦).
واحتج: بأن كل جناية غير مضمونة بالنهار وجب أن لا تكون مضمونة بالليل، أصله جناية المنفلتة جناية الإنسان على ملكه، والسنانير (^٧)، والكلاب إذا أفسدت فهتكت
_________________
(١) = وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما. واستوطن نيسابور وبها كانت وفاته يوم الخميس ودفن يوم الجمعة لعشر بقين من جمادى الأولى سنة (٢٥١ هـ). ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١١٣ - ١١٥)، المقصد الأرشد (١/ ٢٥٢).
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٧/ ٣٧٢٥).
(٣) ينظر الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، عمدة الفقه (ص: ١٣٢).
(٤) ينظر: المحيط البرهاني (٥/ ٥١٤)، مجمع الأنهر (٢/ ٦٦٣)، فتاوي قاضيخان (٣/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (٧/ ١٦٨)، الهداية (٤/ ٤٨٣).
(٥) ينظر: المغني (٩/ ١٨٧)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٤).
(٦) ينظر: الاختيار (٣/ ٦٦)، مجمع الأنهر (٢/ ٦٦٣)، فتاوى قاضيخان (٣/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (٧/ ١٦٨)، الهداية (٤/ ٤٨٣).
(٧) ينظر المغني (٩/ ١٨٧)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٤).
(٨) السنانير: جمع سنور: وهو حيوان أليف من الفصيلة السنورية متعدد الأنواع يصطاد الفئران. ينظر: معجم اللغة العربية (٢/ ١١١٩)، المطلع على ألفاظ المقنع (١/ ٢٧٢).
[ ١ / ١٩٠ ]
الستور، وأكلت الطيور، وكشفت القدر، وعكسه سائر الجنايات (^١).
والجواب: أنا قد بينا الفرق بين الليل والنهار، وبين المنفلتة وغيرها من التفريط وعدمه، وأما السنانير والكلاب فإن كانت معروفة بالإفساد وجب الضمان في الزمانين؛ لأنه ليس له تخليتها، وإن كانت غير معروفة بالإفساد لم يجب الضمان في الزمانين؛ لأن له تخليتها في الزمانين ولا يجب حفظها، وقد جرت العادة تخلية السنانير والكلاب في الزمانين، وأقر النبي ﷺ الناس على ذلك؛ لأنه لم ينقل عنه أنه فرق بين الليل والنهار فيها كما نقل في المواشي، فوجب الفرق بينهما (^٢).
فإن قيل: فالعادة في الماشية أن يكون معها راعيها بالنهار فكان يجب الضمان على صاحبها (^٣).
قيل: لا تعتبر العادة في ذلك، وإنما تعتبر السنة، والإذن فيه من جهة صاحب الشريعة، وقد جعل حفظ المواشي على أهلها بالليل دون النهار، وجعل حفظ الزرع على أهلها بالنهار دون الليل، وليس هذا في السنانير والكلاب فإن العادة تخليتها في الزمانين، ولم ينقل عن النبي ﷺ الفرق بل أقر على ذلك، وإقراره بمنزلة نطقه. وعلى هذا إذا كانت له طيور طيارة فلقطوا حبا لإنسان لم يجب عليه ضمان؛ لأن تخليتها جائز بالنهار، وقد قال أحمد في رواية حنبل في الكلب إذا كان موثقا فعقر: لم يضمن فإن أرسل فعقر ضمن (^٤)، فأثبت الضمان عليه بالإرسال إذا كان عقورًا (^٥).
_________________
(١) ينظر: الاختيار (٣/ ٦٦)، مجمع الأنهر (٢/ ٦٦٣)، البحر الرائق (٨/ ٤١٣)، بدائع الصنائع (٧/ ١٦٨)، الهداية (٤/ ٤٨٣).
(٢) ينظر: المغني (٩/ ١٨٧)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، مختصر الخرقي (١٣٧)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٤)، الحاوي (١٣/ ٤٦٧)، كفاية النبيه (١٦/ ٤٠).
(٣) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٥١)، المحيط البرهاني (٥/ ٥١٤)، مجمع الأنهر (٢/ ٦٦٣)، فتاوي قاضي خان (٣/ ١٣٥).
(٤) أقف عليها. وينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، المغني لابن قدامة (٩/ ١٨٩).
(٥) ينظر: المغني (٩/ ١٨٧)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١١٥)، مختصر الخرقي (١٣٧)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٤)، الحاوي (١٣/ ٤٦٧)، كفاية النبيه (١٦/ ٤٠).
[ ١ / ١٩١ ]