١٣ - مسألة: إذا نفحت (^١) الدابة برجلها وصاحبها يسير عليها، فلا ضمان عليه في رواية إسحاق بن هانئ: في الدابة تضرب برجلها وعليها صاحبها؟ ليس عليه شيء، فأما إذا وطئت بيدها يلزمه ما كسرت (^٢).
وقال أيضًا في رواية أبي طالب: يضمن الراكب والقائد والسائق ما أوطت بيدها وهو راكب أو واقف أو سائر؛ لأنه يقدر أن يحبس أو يعدل، ولا يضمن ما أصابت برجلها أو نفحت سار أو وقف؛ لأنه لا يقدر أن يحبس الرجل (^٣)، ولأن النبي ﷺ جعل على أهل الزرع أن يحفظوا بالنهار، وعلى أهل الماشية ما أصابت بالليل (^٤)؛ لأنهم يقدرون يحبسونها بالليل، فعليهم ما أفسدت، ولم يجعل عليهم ما أفسدت بالنهار، وبهذا قال أبو حنيفة (^٥)، وقال مالك: لا ضمان عليه سواء نفحت بيدها أو برجلها إذا لم يكن من جهة راكبها أو قائدها أو سائقها سبب (^٦)، وقال الشافعي: يضمن ما جنت بيدها ورجلها (^٧).
فالدلالة على أن ضمان الرجل لا يلزمه خلافا للشافعي: ما روى الدارقطني بإسناده عن شعبة عن محمد بن زياد (^٨) عن أبي هريرة قال:
_________________
(١) نفحت الدابة إذا رمت بحافرها فضربت به. ينظر: مجمل اللغة لابن فارس (١/ ٨٧٨)، مقاييس اللغة (٥/ ٤٥٨).
(٢) ينظر: مسائل إسحاق بن هانئ رقم (١٥٥٣)، المغني (٩/ ١٩٠)، المسائل الفقهية من الروايتين والوجهين (٢/ ٣٤٩)، الشرح الكبير (٥/ ٤٥٣).
(٣) ينظر: المسائل الفقهية من الروايتين والوجهين (٢/ ٣٤٩)، المغني (٩/ ١٩٠)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٧)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٢٩)، مطالب أولي النهى (٤/ ٨٦).
(٤) تقدمت تخريجه.
(٥) ينظر: تحفة الفقهاء (٣/ ١٢٤)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٥٥)، والبحر الرائق (٨/ ٤٠٦)، تبيين الحقائق (٦/ ١٥٠)، الهداية شرح بداية المبتدي (٤/ ٤٧٩)، المبسوط، للشيباني (٤/ ٥٥٩).
(٦) ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٢٤)، التاج والإكليل (٨/ ٤٤٣)، البيان والتحصيل (١٦/ ٩٧)، بداية المجتهد (٤/ ١٠٧)، الإشراف (٢/ ٨٣٧).
(٧) قد قال الشافعي في الأم: "لا يضمن شيئا إلا أن يحملها على أن تطأ شيئا فيضمن؛ لأن وطأها من فعله، فتكون حينئذ كأداة من أداته جنى بها، فأما أن نقول يضمن عن يدها ولا يضمن عن رجلها فهذا تحكم، فإن قال: لا يرى رجلها فهو إذا كان سائقا لا يرى يدها". ينظر الأم (٧/ ١٥٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٧٠)، النجم الوهاج (٩/ ٢٧٩)، كفاية النبيه (٥/ ٤٩٤).
(٨) هو الزيادي محمد بن زياد بن عبيد الله الإمام الحافظ، الثقة، الجليل، أبو عبد الله محمد بن زياد، روى له البخاري، وابن ماجه، روى عن حماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، والدار وردي، وغيرهم، وروى عنه:=
[ ١ / ١٩٢ ]
قال رسول الله ﷺ: "الدابة جرحها جبار، والرجل جبار والبئر والمعدن جبار" (^١). والجبار الهدر (^٢).
فإن قيل: فقد قال الدارقطني لم يروه عن شعبة غير آدم قوله: "الرجل جبار" (^٣).
قيل: هذا لا يدل على ضعفه؛ لأنه يجوز أن ينفرد بعض الرواة بزيادة خفيت على غيره (^٤).
فإن قيل: قوله: "الرجل جبار" المراد به: ذي الرجل، وحذف المضاف كما قال ﷺ: "لا سبق إلا في خف أو حافر" (^٥) والمراد: به ذي الخف؛ كذلك ههنا (^٦).
قيل: لا يصح لوجهين:
أحدهما: أن حقيقة الرجل هو عضو مخصوص فيجب أن يحمل عليه.
والثاني: أنه قد قال الدابة جرحها جبار، فذكر الجملة وخص من جملتها الرجل، وإذا حمل على الجملة كان فيه تكرارا للفظه (^٧).
_________________
(١) = محمد بن هارون الرؤياني، وعبد الله بن محمد بن ياسين وغيرهم. ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: ربما أخطأ. ولد في حدود سنة ١٦٠ هـ، ومات سنة (٢٥٠) هـ قريبًا من ذلك. ينظر سير أعلام النبلاء (١١/ ١٥٤)، تهذيب التهذيب (٩/ ١٦٨).
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه رقم (٣٣١٢) وقال: "لم يروه عن شعبة غير آدم" وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الديات، باب: العجماء جبار، رقم (٦٩١٣)، ومسلم في صحيحه من طريق آخر، كتاب الحدود، باب: جرح العجماء جبار، والمعدن والبئر جبار رقم (١٧١٠)، ولفظهما: "العجماء عقلها جبار والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس"، بدون ذكر: "الرجل جبار"، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (١٧٨٧٣).
(٣) ينظر: المغني (٩/ ١٩٠)، المسائل الفقهية من الروايتين والوجهين (٢/ ٣٤٩)، الشرح الكبير (٥/ ٤٥٣).
(٤) ينظر: الأم (٧/ ١٥٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٧٠)، كفاية النبيه (٥/ ٤٩٤).
(٥) ينظر: المغني (٩/ ١٩٠)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٧)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٢٩)، مطالب أولي النهى (٤/ ٨٦)، البناية (١٣/ ٢٥٩).
(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: في السبق رقم (٢٥٧٤)، والترمذي في كتاب أبواب الجهاد، باب ما جاء في الرهان والسبق، رقم (١٧٠٠)، سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد باب السبق والرهان رقم (٢٨٧٨) صحيح ابن حبان، رقم (٤٦٩٠) وقال في البدر المنير (٩/ ٤١٨): قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح، ينظر: مشكاة المصابيح (٢/ ١١٣٨).
(٧) ينظر: الأم (٧/ ١٥٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٧٠)، النجم الوهاج (٩/ ٢٧٩).
(٨) ينظر: المغني (٩/ ١٩٠)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٧)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٢٩)، البناية (١٣/ ٢٥٩).
[ ١ / ١٩٣ ]
فإن قيل: يحمل هذا على الرجل إذا لم تكن يد صاحبها عليها (^١).
قيل: هذا لا يصح؛ لأن اليد بهذه المثابة، وأنه لا ضمان عليه إذا لم يكن يد صاحبها عليها، فلما خص الرجل دل على أن المراد به نفس الرجل، وقد رواه أبو حفص من طريق آخر عن ابن مالك عن عبد الله قال: نا أبي قال حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس الأزدي (^٢) عن [هزيل (^٣)] بن شرحبيل قال: قال رسول الله ﷺ: "الرجل جبار، والمعدن جبار وفي الركاز الخمس" (^٤).
وأيضًا فإن راكبها لا يمكنه التحفظ من نفحها بالرجل، فوجب أن يكون هدرا قياسا على جرح العجماء المنفلتة، والبئر إذا أنهار على الأجير، وكذلك المعدن، ولا يلزم عليه جناية اليد والفم؛ لأنه يمكن الراكب والسائق التحفظ منها بأن يعدل عن ذلك لمشاهدته (^٥).
فإن قيل: إذا كان سائقها يمكنه التحفظ من نفحها بالرجل، ولا ضمان عليه نص
_________________
(١) ينظر الأم (٧/ ١٥٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٧٠)، كفاية النبيه (٥/ ٤٩٤).
(٢) هو عبد الرحمن بن ثروان، أبو قيس الأزدي، الكوفي، روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، روى عن: الأرقم بن شرحبيل، وزاذان، الكندي، وهزيل بن شرحبيل، وغيرهم. وروى عنه: حجاج بن أرطاة، وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري، وغيرهم. قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد في روايته عنه: ليس به بأس. ينظر: تهذيب الكمال (١٧/ ٢٠)، تهذيب التهذيب (٦/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) في الأصل (الهرماس) والصحيح ما أثبته حسب سياق الحديث، وهو هزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي الأعمى، أخو الأرقم بن شرحبيل (روى عن البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه). روى عن: أخيه الأرقم بن شرحبيل، وسعد بن عبادة، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم، وروى عنه: روى عنه: أبو مسكين الحر بن مسكين الأودي، والحسن العربي، وأبو قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي، وغيرهم. ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات". ينظر: تهذيب الكمال (٣٠/ ١٧٢ - ١٧٣) تاريخ الإسلام (٢/ ١٠١٤).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (١٨٣٧٦)، وعبد الرزاق في مصنفه رقم (٢٧٣٦٩) بلفظ: "الرجل جبار"، والدارقطني بإسناده منقطعا عن هزيل رقم (٣٣١٠). كما أخرجه كذلك مرسلًا عن هزيل عن ابن مسعود، ثم عقب عليه بقوله: "مرسل" رقم (٣٣١١)، والبيهقي في السنن الكبرى رقم (١٧٦٨٨) عن هزيل به، وعقب عليه بقوله "فهذا مرسل لا تقوم به حجة" وقال البغوي في شرح السنة: (٨/ ٢٣٧) هذا حديث غير محفوظ، وسفيان بن حسين معروف بسوء الحفظ.
(٥) ينظر: المغني (٩/ ١٩٠)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٧)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٣٩، مطالب أولي النهى (٤/ ٨٦).
[ ١ / ١٩٤ ]
عليه في رواية أبي طالب (^١)، ونقله الخرقي (^٢).
قيل: لا يمكنه التحفظ من نفحها، ولهذا تجد السائق لها تصيبه برجلها (^٣).
واحتج المخالف: بأنها جناية من بهيمة يد صاحبها عليها فوجب أن يكون كجنايته في باب الضمان.
دليله: لو أتلفت شيئا بيدها (^٤).
والجواب: أن جناية يدها يمكنه التحفظ منها، وليس كذلك الرجل فإنه لا يمكنه التحفظ منها، وفيما ذكرنا من الخبر والمعنى دلالة على مالك، وهو قوله ﵇: "الرجل جبار".
دليله: أن اليد ليست جبار، ولأنه يمكنه التحفظ من نفحها باليد والفم، فيجب أن يكون مضمونًا أشبه إذا كان من جهته سبب، وإذا أرسلها ليلا فجنت فإنه يضمن لهذه العلة (^٥).
واحتج المخالف بقوله ﵇: "العجماء جبار" (^٦).
والجواب: أنه محمول على الرجل وعلى المنفلتة (^٧).
واحتج: بأنه لم يوجد من جهة صاحبها سبب أشبه الرجل والذنب (^٨).
والجواب: أنه وجد منه تفريط فيما كان يمكنه التحرز منه فهو كما لو أرسلها ليلا (^٩).
_________________
(١) ينظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (٢/ ٣٤٩).
(٢) متن الخرقي (ص ١٣٧) المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (٢/ ٣٤٩).
(٣) ينظر: المغني (٩/ ١٩٠)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٢٩) مطالب أولي النهى (٤/ ٨٦).
(٤) ينظر: الأم (٧/ ١٥٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٧٠)، كفاية النبيه (٥/ ٤٩٤).
(٥) ينظر: المغني (٩/ ١٩٠)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٧)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٢٩)، مطالب أولي النهى (٤/ ٨٦).
(٦) تقدم تخريجه ص ٢٢٤.
(٧) ينظر المغني (٩/ ١٩٠)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٧)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٢٩).
(٨) ينظر: الأم (٧/ ١٥٨)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٧٠)، كفاية النبيه (٥/ ٤٩٤).
(٩) ينظر: المغني (٩/ ١٩٠)، شرح الزركشي (٦/ ٤١٧)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٢٩)، مطالب أولي النهى (٤/ ٨٦)، البناية (١٣/ ٢٥٩).
[ ١ / ١٩٥ ]