١٤ - مسألة: الختان واجب في الرجال والنساء (^١). نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا تؤكل ذبيحة الأقلف (^٢) (^٣)، ولا صلاة له ولا حج له حتى يتطهر، فإنه من تمام الإسلام، فإن كان كبيرا فأحب إلي أن يتطهر؛ لأن إبراهيم ﵇ اختتن وهو ابن ثمانين سنة، قيل له: فإن كان يخاف عليه، فقال: كما يخاف يرجو السلامة لابد لها من الطهارة وهذه نجاسة (^٤).
وكذلك نقل حرب عنه في الرجل يسلم وهو شيخ كبير يختتن إلا أن يخاف على نفسه (^٥)، ولذلك نقل أبو طالب وقد لين القول في المرأة في رواية محمد بن يحيى الكحال (^٦)، وقد سأله عن المرأة تختتن؟ فقال: نظرت فإذا خبر النبي ﷺ: حتى يلتقي الختانان (^٧)، ولا يكون واحدا إنما هو اثنان. قلت لأبي عبد الله: لابد من ذلك؟ قال:
_________________
(١) المغني (١/ ٦٤)، الشرح الكبير على متن المقنع (١/ ١٠٩).
(٢) الأقلف: هو الذي لم يختن. ينظر لسان العرب (٩/ ٢٩٠).
(٣) في أكل ذبيحة الأقلف عن الإمام أحمد روايتان: الأولى: أنه لا تؤكل ذبيحته، وهو ما ذكره حنبل عنه؛ كما في هذه الرواية. والرواية الثانية: أنه لا بأس بأكلها، وهذا ما رواه عنه إسحاق بن منصور في مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه قال " قلت ذبيحة الأقلف؟ قال: لا بأس بها"، وهذا ما عليه أصحابه وجعلوه الصحيح من المذهب، وقال ابن قدامة في "المغني" عن ابن عباس ﵁: لا تؤكل ذبيحة الأقلف، وعن أحمد مثله، والصحيح إباحته؛ فإنه مسلم فأشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف والزاني وشارب الخمر، مع تحقيق فسقه، وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف، فالمسلم أولى. ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (٥/ ٢٢٤٨) برقم (١٥٢٩)، المغني (٩/ ٣٩٠)، الشرح الكبير (١١/ ٤٦)، الإنصاف (١٠/ ٣٨٩)، كشاف القناع (٦/ ٢٠٥).
(٤) ينظر: الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد (ص ١٤٦)، المغني (١/ ٦٤)، الشرح الكبير (١١/ ٤٦)، الإنصاف (١٠/ ٣٨٩)، كشاف القناع (٦/ ٢٠٥)، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه رواية إسحاق بن منصور رقم (٣٤٢٩)، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله رقم (١٦٠).
(٥) ينظر: الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد (ص ١٤٧) رقم (١٨٩).
(٦) هو محمد بن يحيى الكحال أبو جعفر البغدادي المتطيب. كان من كبار أصحاب أبي عبد الله وكان يقدمه ويكرمه. ينظر طبقات الحنابلة (١/ ٣٢٨)، المقصد الأرشد (٢/ ٥٣٦).
(٧) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الطهارة، باب: باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، رقم (٣٤٩)، وهو من حديث عائشة ﵂، وفيه أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع=
[ ١ / ١٩٦ ]
ليس كذا، لابد منه، وقال الرجل أشد؛ لأن الرجل إذا لم يختتن، فتلك الجلدة مدلاة لا ينقي ماءه والنساء أهون (^١).
وقال أيضًا في رواية إسحاق في المرأة تدخل على زوجها ولم تختتن أيجب عليها الختان؟ فقال: الختان سنة حسنة (^٢)، وهو قول الشافعي (^٣)، وقال أبو حنيفة (^٤)، ومالك (^٥): هو غير واجب.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وكان الختان واجبًا في ملة إبراهيم، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب (^٦).
فإن قيل: لا نعلم أن الختان كان واجبا في ملة إبراهيم (^٧).
قيل: روي أن الله تعالى أمره أن يختن نفسه فختن بالقدوم (^٨). روي بتشديد الدال
_________________
(١) = ومس الختان الختان فقد وجب الغسل"، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم (٩٣٥) بلفظ: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل"، والإمام أحمد في مسنده في مسند عائشة بنت الصديق ﵂ برقم (٢٦٠٢٥)، وابن ماجه في سننه رقم (٦٠٨)، والترمذي في سننه، في أبواب الطهارة، باب: باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، رقم (١٠٩)، ولفظه: "إذا جاوز الختان الختان … " وقال الترمذي حديث عائشة حديث حسن صحيح. رقم (١١٨٣)، والطبراني في المعجم الأوسط رقم (٧١١٩).
(٢) ينظر: الوقوف والترجل (ص ١٤٩) رقم (١٩٣)، المغني (١/ ٦٤).
(٣) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن إبراهيم رقم (١٨٤٦)، والوقوف والترجل (ص ١٤٩) رقم (١٩٣).
(٤) الختان عند الشافعي: واجب في حق الرجال والنساء، وقيل: سنة، وقيل: واجب في الرجل، سنة في المرأة، والصحيح المعروف في المذهب: هو الأول. ينظر الحاوي (١٣/ ٤٣٢)، المجموع (١/ ٣٠٠)، العزيز (١١/ ٣٠٣)، النجم الوهاج (٩/ ٢٧٠)، نهاية المطلب (١٧/ ٣٥٤)، روضة الطالبين (١٠/ ١٨٠)، العزيز شرح الوجيز (١١/ ٣٠٣).
(٥) ينظر: العناية (٧/ ٤٢١)، البناية (٩/ ١٥٧) البحر الرائق (٨/ ٥٥٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٦).
(٦) ينظر: الذخيرة (٤/ ١٦٦)، الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٢)، المعونة (١/ ٦٧٢).
(٧) ينظر: المغني (١/ ٦٤)، الشرح الكبير (١/ ١٠٩)، الحاوي (١٣/ ٤٣٢)، المجموع (١/ ٣٠٠)، نهاية المطلب (١٧/ ٣٥٤).
(٨) ينظر: العناية (٧/ ٤٢١)، البناية (٩/ ١٥٧)، البحر الرائق (٨/ ٥٥٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٢)، المعونة (١/ ٦٧٢)، الذخيرة (٤/ ١٦٦)، الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤).
(٩) ولفظه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم". الحديث أخرجه البخاري باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ رقم (٣٣٥٦)، مسلم، باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ رقم (١٨٣٩).
[ ١ / ١٩٧ ]
وتخفيفه (^١).
قال أبو داود سئل أحمد عن تفسير حديث أبي هريرة: أن إبراهيم اختتن بالقدوم. قال: موضع (^٢).
وأيضًا ما روى أبو داود بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال لرجل أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن" (^٣)، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب (^٤).
والقياس أنه قطع جزء صحيح من البدن لا يعود بعد قطعه، فكان واجبًا.
دليله: قطع اليد والرجل في السرقة، ولا يلزم عليه قطع الظفر وحلق العانة؛ لأنه يعود بعد قطعه، ولا يلزم عليه قطع اليد للأكلة؛ لأن الجز ليس بصحيح، وإن شئت قلت: قطع جزء صحيح من البدن يحس ويألم، وفيه احتراز من قطع اليد بالأكلة؛ لأنه ليس بعضو صحيح، وفيه احتراز من الشعر والظفر؛ لأنه لا يحس.
وإن شئت قلت: قطع طرف بحق الله فوجب أن يكون واجبا قياسا على ما ذكرنا، وفيه احتراز من الشعر والظفر؛ لأنه ليس بطرف، وفيه احتراز من قطع اليد للأكلة؛ لأنه لحق آدمي، وأيضا فإن ستره العورة واجب وإبداءها محرم، فلما جاز ترك هذا الواجب لأجل الختان ثبت أنه واجب؛ لأنه لا يجوز ترك الواجب لأمر غير واجب (^٥).
_________________
(١) القدوم قيل قرية بالشام، وقيل: الحديدة بنحت بها وهي معروفة. ينظر: تهذيب اللغة (٩/ ٥٨)، مقاييس اللغة (٥/ ٦٦).
(٢) ينظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود رقم (١٨٣٤).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: الطهارة، باب: باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل رقم (٣٥٦)، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٩٨٣٥)، والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي كليب رقم (١٥٤٣٢)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم (٩٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (٨١١)، وحسنه الألباني بشواهده في إرواء الغليل (١/ ١٢٠).
(٤) ينظر: المغني (١/ ٦٤) الشرح الكبير (١/ ١٠٩)، الحاوي (١٣/ ٤٣٢)، المجموع (١/ ٣٠٠)، روضة الطالبين (١٠/ ١٨٠)، فتح العزيز شرح الوجيز (١١/ ٣٠٣).
(٥) ينظر: المغني (١/ ٦٤)، الشرح الكبير (١/ ١٠٩)، الحاوي (١٣/ ٤٣٢)، المجموع (١/ ٣٠٠). نهاية المطلب (١٧/ ٣٥٤)، العزيز شرح الوجيز (١١/ ٣٠٣).
[ ١ / ١٩٨ ]
واحتج المخالف بما روى قتادة عن أبي المليح (^١) عن أبيه (^٢) عن النبي ﷺ قال: "الختان سنة في الرجال مكرمة في النساء" (^٣) (^٤).
والجواب: أن السنة عبارة عما رسم ليحتذى، وقد يكون ذلك واجبا، ويكون مستحبا يدل عليه قول النبي ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (^٥)، وقال علي: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد" (^٦)، وقال لعبد الله بن جعفر لما جلد وليد بن عقبة أربعين أمسك جلد رسول الله ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة (^٧).
_________________
(١) هو أبو المليح بن أسامة الهذلي. قيل: اسمه عامر، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، روى عن: أبيه، ومعقل بن يسار، ونبيشة الهذلي، وغيرهم، وروى عنه: أولاده، عبد الرحمن، ومحمد، ومبشر، وزياد، وغيرهم. قال أبو زرعة، ومحمد بن سعد: ثقة، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات". مات سنة (٩٨ هـ)، وقيل غير ذلك. ينظر: تهذيب الكمال (٣٤/ ٣١٦)، تهذيب التهذيب (١٢/ ٢٤٦).
(٢) هو أسامة أسامة بن عمير بن عامر الأقيشر الهذلي البصري والد أبي المليح له صحبة (روى له أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه). روى عن النبي ﷺ، وروى عنه: ابنه أبو المليح بن أسامة، ولم يرو عنه غيره. ينظر: تهذيب التهذيب (١/ ٢١٠)، تهذيب الكمال (٣٤/ ٣١٦).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير رقم (٧١١٢)، البيهقي في السنن الكبرى رقم (١٧٥٦٥)، وقال البيهقي: هذا إسناد ضعيف، والمحفوظ موقوف، وخطأ أبو حاتم هذه الرواية، كما في "العلل" (٢/ ٢٤٧).
(٤) ينظر: العناية (٧/ ٤٢١)، البناية (٩/ ١٥٧)، تبيين الحقائق، (٦/ ٢٢٦)، المعونة (١/ ٦٧٢)، الذخيرة (٤/ ١٦٦)، الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤).
(٥) الحديث رواه العرباض بن سارية السلمي ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله ﷿ والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". أخرجه أحمد في مسنده رقم (١٧١٤٤)، وأبو داود في سننه، باب في لزوم السنة رقم (٤٦٠٩)، والترمذي، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة رقم (٢٦٧٦)، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الذهبي: صحيح ليس له علة. ينظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم (١/ ١٧٤). وقال حديث صحيح.
(٦) أخرجه أبو داود، باب من قتل عبده أو مثل به أيقاد به؟ رقم (٤٥١٩)، الدارقطني في سننه، كتاب الحدود والديات وغيره رقم (١٥٨)، والبيهقي في سننه رقم (١٠٩٣٨)، وقال في البدر المنير (٨/ ٣٦٨): هذا إسناد ضعيف، عثمان هذا كذبه يحيى وغيره.
(٧) تقدم تخريجه.
[ ١ / ١٩٩ ]
وقيل: إن السنة هي الشريعة، وقد يكون في الشريعة الواجب وغير الواجب، وعلى أنه يحمل ذلك على ما قبل البلوغ فإنه غير واجب؛ لأنه لا يتوجه عليه الخطاب (^١).
واحتج: بما روي عن النبي ﷺ قال: "عشر من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق والسواك، وإحفاء الشارب، وإعفاء اللحية، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، وحلق العانة، ونتف الإبط، والختان" (^٢)، وفيه دليلان:
أحدهما: أن قوله: "من الفطرة ظاهره من السنة، والثاني: أنه قرنه بما ليس بواجب؛ لأن التسعة كلها مستحبة (^٣).
والجواب عن قوله: "أن الفطرة هي السنة" فقد ثبت أن السنة عبارة عما رسم، ومنه الواجب وغيره، وقد قيل: ليس كذلك؛ لأن الفطرة: الدين، ومعناه: من الدين؛ كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٢٣].
قيل: دينهم الذي فطرهم عليه، وأما القرائن فنقول به ما لم يقم دليل يمنع؛ لأن الله تعالى قد جمع بين شيئين في الذكر وحكمهما مختلف؛ كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والأكل ليس بواجب، والإيتاء واجب، وقال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] الآية. والكتابة غير واجبة، والإيتاء واجب (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وعبادة الله ونفي الشرك واجب والإحسان إلى الوالدين مستحب ومثل ذلك كثير فسقط
_________________
(١) ينظر: المغني (١/ ٦٤)، الشرح الكبير (١/ ١٠٩)، الحاوي (١٣/ ٤٣٢)، المجموع (١/ ٣٠٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب: السواك رقم (٢٦١) عن طريق عائشة ﵂.
(٣) ينظر: البحر الرائق (٨/ ٥٥٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٢)، المعونة (١/ ٦٧٢)، الذخيرة (٤/ ١٦٦).
(٤) يعني الأيتاء المذكور في الآية السابقة، وهو قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
[ ١ / ٢٠٠ ]
الاحتجاج بالقرائن (^١).
واحتج: بأنه قطع جزء يقصد به النظافة، فوجب أن يكون مستحبا، أصله قلم الظفر وحلق العانة (^٢).
والجواب: أنا لا نسلم أنه يقصد به النظافة، وإنما هو لتأدية الفرض الواجب، وهذا ظاهر كلام أحمد؛ لأنه قال: لابد من الطهارة، وهذه نجاسة.
والذي يدل على صحة هذا وأنه لا يقصد به النظافة فإن التنظيف يحصل بعد القطع بالماء دون القطع، وهذا لا شبهة فيه، وعلى أنه لا يمتنع أن يتضمن التنظيف، ويكون واجبًا كالغسل والوضوء يجب وإن كان يتضمن التنظيف.
والمعنى في تقليم الأظفار وقطع الشعر أنه مفعول لمصلحة الآدمي؛ لأنه يقصد منه التنظيف وإزالة الأذى بدلالة أنه لا تعلق له بحق الله بوجه فلم يكن واجبا، وهذا قطع في حق الله تعالى أشبه القطع في السرقة (^٣).
واحتج: بأن قطع الجلد إنما يراد لئلا يجتمع تحته بول، وذلك القذر من البول لا يجب إزالته عندنا (^٤).
والجواب: أنه يجب عندنا إزالته، وعلى أن قطع الجلد لم يجب لذلك، وإنما وجب لتأدية الفرض الواجب؛ كقطع السارق لا غير، وقد بينا ذلك.
واحتج: بأنه لو كان واجبًا لم يجز أن يتولاه بنفسه كالقطع في السرقة (^٥).
_________________
(١) ينظر: المغني (١/ ٦٤)، الشرح الكبير (١/ ١٠٩)، الحاوي (١٣/ ٤٣٢)، المجموع (١/ ٣٠٠)، روضة الطالبين (١٠/ ١٨٠)، فتح العزيز شرح الوجيز (١١/ ٣٠٣).
(٢) ينظر: البناية (٩/ ١٥٧) البحر الرائق (٨/ ٥٥٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٢) الذخيرة (٤/ ١٦٦)، الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤).
(٣) ينظر: المغني (١/ ٦٤)، الشرح الكبير (١/ ١٠٩)، الحاوي (١٣/ ٤٣٢)، المجموع (١/ ٣٠٠)، روضة الطالبين (١٠/ ١٨٠)، فتح العزيز شرح الوجيز (١١/ ٣٠٣).
(٤) ينظر: العناية (٧/ ٤٢١) البحر الرائق (٨/ ٥٥٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٢) الذخيرة (٤/ ١٦٦)، الفواكه الدواني (١/ ٣٩٤).
(٥) ينظر: البناية (٩/ ١٥٧)، البحر الرائق (٨/ ٥٥٤)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٢٦)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٢)، المعونة (١/ ٦٧٢)، الذخيرة (٤/ ١٦٦).
[ ١ / ٢٠١ ]
وقد قال أحمد في رواية المروذي (^١) وعبد الكريم (^٢) في الرجل يختن نفسه فقال: إن قوي على ذلك وحسنه (^٣).
والجواب: أن الزكاة واجبة عليه، ويتولى إخراجها بنفسه، فأما القطع فإنه جعل ردعا وزجرا وإنما يحصل ذلك باستيفاء الآية، فردع الغير به، ولا يحصل ذلك إلا بغيره، فأما الختان فهو تأدية فرض لحق الله أشبه الزكاة والصلاة على أنه لا يمتنع أن يتولى القطع بنفسه وإن منعناه، ولأنه ربما تضطرب يده مما يلحقه من الألم فربما جنى على نفسه، وهذا القدر يؤمن في الختان؛ لأنه يسير (^٤). والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: الوقوف والترجل (ص ١٤٦) رقم (١٨١)، ونقل الخلال ذلك عن حنبل أيضًا (ص ١٤٩).
(٢) هو عبد الكريم بن الهيثم بن زياد بن عمران أبو يحيى الدير عاقولي البغدادي القطان طوف، وكتب الكثير. روى عن: أبا نعيم، وسليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم، وروى عنه: موسى بن هارون، وابن صاعد، وابن السماك، وغيرهم. قال الخطيب البغدادي: ثقة ثبت، وقال أحمد بن كامل: كتبنا عنه، وكان ثقة مأمونا. مات في شعبان سنة (٩٨ هـ). ينظر: تاريخ الإسلام (٦/ ٥٧٠)، تاريخ بغداد (٣/ ٦٨٥).
(٣) ينظر: الوقوف والترجل (ص ١٤٦) رقم (١٨١)، ونقل الخلال ذلك عن حنبل أيضًا (ص ١٤٩).
(٤) ينظر: الوقوف والترجل (ص ١٤٦) رقم (١٨١)، ونقل الخلال ذلك عن حنبل أيضًا (ص ١٤٩).
[ ١ / ٢٠٢ ]