٢٠ - ٦ مسألة: يصح أمان العبد لأحاد المشركين (^١) سواء أذن له سيده في القتل أو لم يأذن، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل (^٢) وابن منصور أمان العبد جائز، وهو قول أصحاب مالك (^٣)، والشافعي (^٤)، وقال أبو حنيفة: لا يصح أمانه إلا أن يكون سيده أذن له في القتال (^٥).
ودليلنا: ما روى أحمد بإسناده عن علي عن النبي ﷺ قال: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" (^٦).
ولا يخلو أن لا يكون المراد به أدناهم منزلة، أو أدنى العدد، وأيهما كان فالعبد داخل فيه، وقد فسره أبو عبيد بالعبيد (^٧) (^٨).
فإن قيل: روي في الخبر: "وهم يد على من سواهم". والعبد لا يد له (^٩).
قيل: المراد بالخبر أن الإحرار الذين تتكافأ دماؤهم فهم يد على من سواهم، فيسعى
_________________
(١) ينظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، (٨/ ٣٨٦٩).
(٢) لم أقف على روايته هذه.
(٣) ينظر: المدونة (١/ ٥٢٥)، الذخيرة (٣/ ٤٤٤)، شرح مختصر خليل (٣/ ١٢٣).
(٤) ينظر: الأم، (٧/ ٣٧٠)، الحاوي الكبير، (١٣/ ١٤٥)، روضة الطالبين، (١٠/ ٢٧٩).
(٥) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧٠) تحفة الفقهاء (٣/ ٢٩٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٦)، الهداية شرح بداية المبتدي، (٢/ ٣٨٣)، وهو قول أبي يوسف أيضا خلافا لمحمد بن الحسن؛ فقوله موافق لقول الجمهور.
(٦) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في كتاب الديات، باب إيقاد المسلم بالكافر رقم (٤٥٣٠)، والنسائي في كتاب القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس رقم (٤٧٣٤)، (٤٧٣٥)، وباب سقوط القود من المسلم للكافر رقم (٤٧٤٥)، وأحمد في المسند رقم (٩٥٩)، (٩٩١)، (٩٩٣)، (٤٧٤٦)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (١٨٥٠٧)، والحديث أصله في الصحيحين؛ فقد أخرجه البخاري -واللفظ له- في كتاب الجزية، باب إثم من عاهد ثم غدر رقم (٣١٧٩)، ومسلم في كتاب العتق، باب تحريم تولي العتيق غير مواليه رقم (١٣٧٠) عن علي ﵁، قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال النبي ﷺ: "المدينة حرام ما بين عير إلى كذا، فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه عدل ولا صرف، وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل".
(٧) ينظر: غريب الحديث (٢/ ١٠٣).
(٨) ينظر: الشرح الكبير (١٠/ ٥٥٥)، المبدع شرح المقنع، (٣/ ٣٠٠)، المغني، (١٠/ ٤٢٤)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٩) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٦)، شرح فتح القدير (٥/ ٤٦٦).
[ ١ / ٢٢٢ ]
بذمتهم أدناهم، وهم السيد وعلى أنه لم يرد باليد ههنا المال، وإنما أراد بها القوة والنصرة على من سواهم من الكفار (^١).
فإن قيل: نحمله على العبد الذي أذن له في القتال (^٢).
قيل: هذا تخصيص؛ روي أن عمر جهز جيشًا، وكان فيه عبده؛ فأمر القوم، فكتب إلى عمر بذلك، فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم (^٣)، ولا يصح على أنه يحمل على أنه كان مأذونًا له؛ لأنه جعل العلة أنه من المسلمين، ولأنه مسلم يعقل الأمان؛ فصح منه كالحر والعبد المأذون له في القتال، ولا يدخل عليه الذمي؛ لقولنا: مسلم، ولا الطفل؛ لقولنا: يعقل، ولا الأسير؛ لأنه يصح أمانه إذا عقده؛ كمن كفر غير إكراهٍ، نص عليه في رواية حنبل (^٤)، وإن شئت قلت: مسلم يعقل؛ فوجب أن يملك عقد الأمان بنفسه كالحر ولا يمكن القول بموجبه العلة إذا كان مأذونًا له في القتال؛ لأنه لم يملكه بنفسه، وإنما ملكه بغيره، وإن شئت قلت: معتقدًا للإيمان؛ فصح ملك عقد الأيمان، كالحر المسلم وكل من صح أمانه إذا أذن له في القتال صح وإن لم يؤذن له، دليله: من عليه دين وكمن له أبوان والمرأة إذا كان لها زوج.
ويبين صحة هذا: أن الأمان قطع للقتال؛ فالأصح من العبد قطع القتال في الموضع الذي هو مأمور بالقتال فيه؛ فبإن يصح منه ذلك في الموضع الذي لم يؤمر بالقتال أولى (^٥).
فإن قيل: الإذن في القتال يقتضي الإذن في الأمان؛ فإذا أمن صار في الحقيقة كان الأمان حصل من جهة المولى (^٦).
_________________
(١) ينظر: الشرح الكبير (١٠/ ٥٥٥)، المبدع شرح المقنع، (٣/ ٣٠٠)، المغني، (١٠/ ٤٢٤)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٢) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، شرح فتح القدير (٥/ ٤٦٦).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (٢٦٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٣٣٩٣)، وابن زنجويه في الأموال رقم (٧٢٥)، والبيهقي في الكبرى رقم (١٨١٧٠) من طريق عاصم الأحول، عن فضيل بن زيد الرقاشي، قال: حاصرنا حصنا على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فرمي عبد منا بسهم فيه أمان، فخرجوا، فقلنا: ما أخرجكم؟ فقالوا: أمنتمونا!! فقلنا: ما ذاك إلا عبد، ولا نجيز أمره، فقالوا: ما نعرف العبد منكم من الحر، فكتبنا إلى عمر ﵁ نسأله ذلك، فكتب: "إن العبد رجل من المسلمين ذمته ذمتكم". وصححه ابن الملقن في البدر المنير، (٩/ ١٧٧)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، (٤/ ٣١٢).
(٤) ولم أقف على روايته هذه، وقد نص عليه في رواية أبي داود السجستاني (١٥٩٥)، ورواية إسحاق بن منصور (٢٧٨٠).
(٥) ينظر: الشرح الكبير (١٠/ ٥٥٥)، المبدع شرح المقنع، (٣/ ٣٠٠)، المغني، (١٠/ ٤٢٤)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٦) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).
[ ١ / ٢٢٣ ]
قيل: لا يجوز أن يكون الإذن في القتال إذنًا في الأمان؛ لأن الأمان يقطع القتال وهو مأذون له في القتال، ولا يجوز أن يكون الإذن في الفعل إذنًا في تركه؛ ألا ترى أن الإذن في عقد البيع لا يكون إذنًا في فسخه بالإقالة (^١)، وكذلك الإذن في قبض الدين ممن عليه لا يكون إذنًا في إسقاطه كإكراه (^٢).
فإن قيل: هذا غير ممتنع ألا ترى أن إذن المولى لعبده في النكاح إذن له في الطلاق وإن كان قطعًا للنكاح (^٣).
قيل: لم يستفد الطلاق في النكاح وإنما استفاده بملك البضع (^٤).
يبين صحة هذا: أن الوكيل في النكاح لما لم يملك البضع لم يملك الطلاق وإن كان مأذونًا له في النكاح، وكذلك الأب إذا أذن لابنه في قبول النكاح، فإذا بلغ وطلق لم يكن الطلاق بإذن الأب، وإنما كان هو يملك البضع (^٥).
وجواب آخر: وهو أن هذا يبطل بالأب إذا كان أذن لابنه في القتال فأمن فإن أمانه لا يصح هكذا ذكره الرازي (^٦) (^٧)، ولا يقال في أن أمانة في الحقيقة أمان حصل من جهة
_________________
(١) الإقالة في اللغة: الرفع والإزالة، ومن ذلك قولهم: أقال الله عثرته إذا رفعه من سقوطه. واصطلاحا: رفع العقد، وإلغاء حكمه وآثاره بتراضي الطرفين. ينظر: مختار الصحاح (١/ ٢٦٤)، المصباح المنير (٢/ ٥٢١)، المغني (٤/ ٩٢)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ٥٨).
(٢) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٥)، المغني (١٠/ ٤٢٤)، الحاوي (١٤/ ١٩٦)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٣) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).
(٤) بضع: بضم الباء، وجمعه أبضاع كقفل وأقفال، يطلق على الفرج والجماع والتزويج، والبضاع: الجماع لفظا. ينظر: لسان العرب (٨/ ١٢) مختار الصحاح (ص ٣٥).
(٥) ينظر: كشاف القناع، (٤/ ٧٧)، مطالب أولي النهى، (٤/ ٥)، حاشية الروض المربع (٥/ ٣٧٧).
(٦) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي مولى عباس بن مطرف القرشي، قال ابن أبي يعلى: "وقدم بغداد دفعات، وجالس إمامنا، واستفاد منه أشياء". وقال الذهبي: "الإمام، سيد الحفاظ، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، محدث الري". مولده: بعد نيف ومائتين، وقال أبو بكر الخلال: أبو زرعة وأبو حاتم خال أبي زرعة إمامان في الحديث، رويا عن أبي عبد الله مسائل كثيرة وقعت إلينا متفرقة كلها غرائب، وكانا عالمين بأحمد بن حنبل، يحفظان حديثه كله، ومات بالري في آخر يوم من ذي الحجة سنة (٢٦٤ هـ). ينظر: طبقات الحنابلة، (١/ ١٩٩)، سير أعلام النبلاء، (١٣/ ٦٥)، المقصد الأرشد، (٢/ ٦٩ - ٧١).
(٧) لم أقف على هذا القول.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الأب كذلك ههنا (^١).
فإن قيل: الحر من أهل الولاية، والعبد ليس من أهل الولاية؛ فلم يكن من أهل الولاية؛ فلم يكن من أهل الأمان (^٢).
قيل: يبطل به إذا كان مأذونًا له في القتال؛ فإنه ليس من أهل الولاية، وهو من أهل الأمان، وأيضًا فإنه عقد يختص به المسلمون يستوي فيه الذكر والأنثى؛ فاستوى فيه الحر والعبد؛ لعقد الحج والعمرة والصلاة والصوم؛ وفيه احتراز من الإمامة (^٣).
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ومعلوم أنه لم يرد به نفي القدرة التي هي الاستطاعة؛ لأن الحر والعبد لا يختلفان في ذلك، بل ربما كان العبد أقوى من الحر؛ فعلم أنه أراد به نفي جواز تصرفه وامتناع ثبوت أحكامه (^٤).
والجواب: أن هذا محمول على نفي القدرة فيما عدا الأمان على أن هذه الآية قصد بها الرد على المشركين الذين عبدوا الأوثان، وجعلوا لله أندادًا؛ فضرب له مثلًا رجلين أحدهما ينفق والآخر لا ينفق (^٥).
واحتج: بأن العبد لا يملك الولاية بحالٍ فوجب أن لا يملك الأمان كالصبي والمجنون ولا يلزم عليه المرأة لأنها لا تملك الولاية ألا ترى أنها تزوج ابنها الصغير وبنتها الصغيرة ويجوز أن تستقصي فثبت لها الولاية على الأصاغر (^٦).
والجواب: أنه يبطل به إذا كان مأذونًا له في القتال فإنه ليس من أهل الولاية ومع هذا يصح أمانه وعلى أن للعبد ولاية عندنا في الصلاة على الميت لأنه أحق بالصلاة على ولده
_________________
(١) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٥)، الحاوي (١٤/ ١٩٦).
(٢) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).
(٣) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٥)، المغني (١٠/ ٤٢٤)، الحاوي (١٤/ ١٩٦)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٤) ينظر: المبسوط (١٠/ ١٢٠)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).
(٥) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٥)، المغني (١٠/ ٤٢٤)، الحاوي (١٤/ ١٩٦).
(٦) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقراباته (^١) وله أن لا يلتقط وتكون أمانه في يديه يعرفها فإذا حال الحول واستنفقها كانت في ذمته دون رقبته يتبع بها العتق وعند مخالفنا له ولاية وهو إذا وصى إلى عبد نفسه وورثته صغار صحت الوصية على أن الاعتبار في هذا باعتقاد الأمان دون الولاية بدليل الكافر له ولاية ولا يصح أمانة لأنه لا إيمان له وأما الصبي فإن كان يعقل يميز فإنه يصح أمانه نص عليه في رواية الميموني (^٢) (^٣) وإن لم يكن يعقل فالمعنى فيه وفي المجنون أنه لا رأي له ولا تدبير فلهذا لم يصح وليس كذلك العبد فإن له رأيًا وتدبيرًا فإذا رأى أن في الأمان صلاحًا للمسلمين جاز له يؤمن (^٤).
واحتج: بأنه محجور عليه فلا يصح أمانه كالصبي والمجنون (^٥).
والجواب: أنه يبطل إذا كان مأذونًا له في القتال ويبطل بالمريض هو محجور عليه فيما زاد على الثلث وإذا كان عليه دين في جميع ماله ومع هذا يصح أمانه وعلى أن الاعتبار بالإسلام دون الحجر بدليل أن الكافر ليس بمحجور عليه ولا يصح أمانه والمعنى في الأصل ما تقدم (^٦).
واحتج: بأن الأمان عقد من العقود فوجب أن لا يملكه إلا بإذن المولى كسائر العقود (^٧).
والجواب: أنه يلزم عليه إذا كان مأذونًا له في القتال فإنه غير مأذون له في الأمان ويصح أمانه وكذلك سائر العبادات. وقبول الهدية وعلى أنه ليس إذا لم يصح منه تلك العقود من العبد إلا بإذن سيده ما يوجب أن يكون الأمان مثله ألا ترى أن تلك العقود لا يلزم حكمها بعض الأحرار بعقد البعض إلا أن يأذن له في تلك والأمان يلزم الأحرار بعقد
_________________
(١) ينظر: الهداية في فقه الإمام أحمد (١/ ١٢١)، المغني (٢/ ٣٦١)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٢٣).
(٢) سبقت ترجمته ص ١٨٥.
(٣) لم أقف على رواية الميموني، وينظر: الروايتين والوجهين (٢/ ٣٥٨).
(٤) ينظر: الشرح الكبير (١٠/ ٥٥٥)، المغني (١٠/ ٤٢٤)، الحاوي (١٤/ ١٩٦)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٥) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).
(٦) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ٥٥٥)، المغني (١٠/ ٤٢٤)، الحاوي (١٤/ ١٩٦)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٧) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).
[ ١ / ٢٢٦ ]