قيل: لا نسلم هذا لأننا قد بينا في المسألة التي قبلها أنه يصح أمانه في هذه الحالة فلا فرق بينهما (^١).
وذهب المخالف إلى السؤال وهو أنه لما لم يملك الأمان في هذه الحال لم يملك الإقرار به دليله من لاحق له في الغنيمة (^٢).
والجواب: أنا نمنع الوصف؛ لأنا قد بينا أنه يملك الأمان على أنه لا يمتنع أن لا يملكه ويملك الإقرار كالوصي إذا ادعى الإنفاق بعد بلوغ اليتيم أنه أنفقه في حال صغره قبل منه وإن لم يكن مالكًا له في هذه الحال وكذلك إذا ادعى هلاك المال كذلك ههنا (^٣).
واحتج: بأنه شهادة على فعل نفسه فلا تقبل كما لو شهد قاسما الحاكم على فعلهما وكانا بجعل قاسمها أنه لا يقبل (^٤).
والجواب: أن له في تلك الشهادة منفعة وهو استحقاق الجعل متى صحت القسمة وليس له ههنا منفعة فهو كالقاسم بغير جعل والحاكم إذا أقر أنه حكم (^٥).
٢٣ - ٩ مسألة: تجب الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، غير أنها لا تقام عليه في دار الحرب حتى يخرج إلى دار الإسلام، نص عليه في رواية صالح (^٦) (^٧) وابن منصور (^٨) (^٩) في المسلم يسبيه العدو فيقتل هناك مسلمًا ويزني يقام عليه الحد إذا خرج (^١٠) وكذلك نقل أبو طالب عنه: لا تقام الحدود في الجيش
_________________
(١) ينظر: مختصر الخرقي (ص ١٥٥)، المغني (٩/ ٢٤٣)، المحرر (٢/ ٢١١).
(٢) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٣) ينظر: المغني (٩/ ٢٤٣)، المحرر (٢/ ٢١١).
(٤) ينظر: البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٤٤)، المجموع (١٩/ ٣٠٤).
(٥) ينظر: المغني (٩/ ٢٤٣)، المحرر (٢/ ٢١١).
(٦) سبقت ترجمته ص ٦١.
(٧) لم نجد هذه المسألة في مسائله، ولكن ذكر نحوها في الفروع (١٠/ ٤٨)، وفي الإنصاف (١٠/ ١٦٩).
(٨) ينظر: مسائله (٢٧٥٧)، (٢٧٥٨).
(٩) سبقت ترجمته ص ١٨٩.
(١٠) ينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٨/ ٣٨٥٨)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٢٢)، الفروع (١٠/ ٤٨).
[ ١ / ٢٣٤ ]
وأرض العدو حتى يخرجوا من بلادهم (^١) وقال أبو حنيفة: إن كان في دار الحرب إمام وجب الحد وإن لم يكن فيها إمام لم يجب (^٢)، وقال مالك (^٣) والشافعي (^٤): يجب ويقام عليه في دار الحرب.
فالدلالة على أن الحد يجب في الجملة: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وهذا عام في دار الحرب ودار الإسلام وكل دار وجب فيها الحدود إذا كان فيها إمام وجب فيها وإن لم يكن إمام.
دليله: دار الإسلام وكل من لو فعل معصية في دار الإسلام وجب عليه بها دم حد فإذا فعلها في دار الحرب وجب عليه الحد كما لو كان هناك إمام (^٥).
يبين صحة هذا: أن الحدود تتعلق بالأفعال وإنما جعل استيفاؤها إلى الإمام والمستوفى لا يعتنى به على موضع الوجوب.
بدليل: أن حقوق الآدميين من قيم المتلفات جعل استيفاؤها إلى أصحابها ولا يعتبر ثبوت أيديهم على موضع الوجوب كذلك الإمام وكل حق وجب في دار الإسلام وجب في دار الحرب.
دليله: قيم المتلفات ووجوب العبادات، ولأنها دار يحرم فيها الزنا أو دار تجب فيها العبادات لأوقاتها أو دار يجب فيها قيم المتلفات فوجب فيها الحد دليله دار الإسلام (^٦).
واحتج المخالف: بأنه زنا في موضع ليس للإمام فيه يد فوجب أن لا يقام عليه الحد.
_________________
(١) لم أقف على هذه الرواية وينظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٨/ ٣٨٦٠) الجيش الإنصاف (١٠/ ١٦٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٢٢).
(٢) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧٥)، بدائع الصنائع (٤٥/ ٧)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٤٧).
(٣) ينظر: المدونة (٤/ ٥٤٦)، الذخيرة (١٢/ ٤٩).
(٤) ينظر: الأم (٦/ ٣٧)، (٧/ ٣٧٤)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٨٨)، البيان في مذهب الشافعي (١٢/ ١٨٩)، المجموع (١٩/ ٣٣٨).
(٥) الفروع (١٠/ ٤٨)، الإنصاف (١٠/ ١٦٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٢٢).
(٦) ينظر: الفروع (١٠/ ٤٨)، الإنصاف (١٠/ ١٦٩).
[ ١ / ٢٣٥ ]
دليله: الحربي إذا زنا في دار الحرب ولا يلزم عليه إذا زنا في عسكر المسلمين في دار الحرب ومعهم أمام أو أمير مصر أو الشام؛ لأنه زنا في موضع للإمام عليه فيه يد (^١).
والجواب: أنه لا تأثير لهذه العلة في الأصل؛ لأن الحربي لو زنا في موضع للإمام فيه يد وهو إذا دخل دار الإسلام بأمان لم يحد أيضًا وهو أن يدخل دار الإسلام فيزنى فيها والمعنى في الأصل أنه لم يلزم أحكام الإسلام وليس كذلك في المسلم والذمي أيضًا؛ لأنه قد التزم أحكام الإسلام فلزمتهم الحدود كما يلزم في دار الإسلام وعلى أن ثبوت يد الإمام لا اعتبار بثبوت يد المستوفى بحقوق المال (^٢).
واحتج: بأن دار الحرب دار إباحة وإن لم يبح له ههنا الفعل بعينه فتصير شبهة في سقوط الحد عن الواطي [كالعقد] (^٣) الفاسد لأن العقد سبب مبيح للوطي في الجملة وإن لم يكن مبيحًا لهذا الوطي بعينه (^٤).
والجواب: أنها ليست دار إباحة على الإطلاق بإجماع (^٥)، وإنما هي دار إباحة في حقوق الكفار الذين لا عهد لهم بدليل أنه يحرم قتل المسلم فيها مع العلم بإسلامه والزنا وشرب الخمر والقذف وإذا كان كذلك لم يكن شبهه في إسقاط الحد وأما الوطي في النكاح الفاسد فالمعنى فيه أنه مختلف في حصول الإباحة فيه فمنهم من قال: هو مباح فجاز أن يفعل ذلك شبهة في الحد وليس ههنا فإنه لا خلاف في حصول التحريم لهذه الأفعال في دار الحرب ولأن الشبهة هناك في الفاعل وهو اعتقاد إباحة هذا الفعل في مسألتنا وهو عالم بتحريمه (^٦).
_________________
(١) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧٥)، بدائع الصنائع (٧/ ٤٥)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٤٧).
(٢) ينظر: الفروع (١٠/ ٤٨)، الشرح الكبير، لابن قدامة (١٠/ ١٥١) شرح الزركشي (٣/ ٢٠٩).
(٣) في الأصل: (كالعاقد) والصحيح ما أثبته لاستقامة المعنى.
(٤) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧٥)، بدائع الصنائع (٧/ ٤٥).
(٥) ينظر: الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (١١/ ٢٧٨).
(٦) ينظر: الفروع (١٠/ ٤٨)، الإنصاف (١٠/ ١٦٩)، شرح الزركشي (٣/ ٢٠٩).
[ ١ / ٢٣٦ ]